الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةملفات مميزة

ادموند بيرك: “تأملات حول الثورة في فرنسا” (2/2)

قراءة في بروز أسس التيارات السياسية المحافظة

خاص كيو بوست – 

في الجزء الأول من هذا التقرير، استعرضنا الظروف التاريخية المحيطة بإصدار كتاب تأملات حول الثورة في فرنسا، وبعض الأفكار الرئيسة التي دعا إليها إدموند بيرك في هذا الكتاب. الجزء الثاني من هذا العرض سيتابع الحديث عن هذه الأفكار التي اعتبرت أساساً للتيارات السياسية المحافظة في العصر الحديث، والتي كانت تتضمن رفضاً قاطعاً للثورة الفرنسية.

غلاف النسخة الحديثة من الكتاب التي صدرت عام 2012

شدّد بيرك على أنّه من الضروري الحفاظ على الهرمية الاجتماعية، و”دوزنة” عملية المشاركة السياسية واحترام التقاليد. اليوتيوبيا الديمقراطية التي اعتبر بيرك أنّها مبنية على دوغمائية عبثية ترفع شعار المساواة، إنما تختزل الأفراد إلى معادلة حسابية بسيطة. من هذا الواقع، فهي تقطع الصلات مع ماضي الأجداد وإرثهم، وتقضي على مختلف الوسائل الهادفة إلى دمج الانسان في المجتمع. آمن بيرك بأنّ الثورة الفرنسية ستؤول إلى كارثة لأنّها تقوم على هذه الأفكار المجرّدة المذكورة آنفاً. صحيح أنّه رأى أنّ هذه الأفكار والمبادئ تستند إلى أرضية منطقية، إلا أنّه أخذ عليها تجاهلها لتعقيدات الطبيعة البشرية والمجتمع. لقد نظر إلى السياسة من منطلق براغماتي، محتقراً بعض فلسفات عصر الأنوار كماركي دو كوندورسيه، التي اعتبرت أنّه يمكن اختزال السياسة إلى نظام دقيق، شبيه بعلم الرياضيات، حيث نستطيع التفكير والتحليل بطريقة استننتاجية.

صحيح أنّ بيرك يكرّر مراراً في السياق بأنّه ضد الديكتاتورية، إلا أنّه يؤكّد أنّه كان يمكن للجمعية التشريعية في فرنسا أن تستقي عناصر صالحة لدستور فرنسي بغية إرساء فرنسا الجديدة. ومن هنا، اعتبر أنّه كان يمكن لثورة 1789 أن تكون نسخة عن ثورة 1688 بالنسبة إلى الفرنسيين. إلا أنّه يرى أنّ الانحراف الاساسي في هذه المسيرة وقع في أيلول (سبتمبر) عام 1789 مع رفض نظام المجلسين The Bicameralism System بينما تجلّى الانزلاق نحو الديماغوجية في المجازر الأولى التي وقعت في شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 1789.

الإعدامات خلال الثورة الفرنسية

ويعود بيرك ليشير إلى أنّ النظام الملكي الفرنسي القديم والأرستقراطية كانا يعانيان من شوائب كثيرة، إلا أنّ الواقع لم يكن على هذه الدرجة من السوء. وبالتالي، فإشعال ثورة ضدهما كان خطأ جسيماً. فنظام لويس السادس عشر كان يجري الإصلاحات بحسب بيرك، بل إنّه أخذ عليه أنّه كان يجريها بوتيرة متسارعة، مضيفاً أنّ الدستور الفرنسي كان يتطوّر باتجاه الدستور البريطاني الذي عدّه النموذج الأمثل للحكم وتنظيم المجتمع. لكن مع اشتعال الثورة، انتزعت السلطة الحقيقية من “الملك المخلوع” واستُبدل بـ “ديمقراطية مستبدّة”، في حين أنّ ممثلي الشعب في “الجمعية الوطنية”  -التي لم تكن تتمتع بمجلس شيوخ لارساء التوازن- كانوا عبارة عن محامين “ريفيين” وأعضاء من الكهنوت ذوي المرتبة المتواضعة. بالنسبة إليه، كانت الثورة “همجية ومدمّرة”، عدا أنّها لم تأت بأي ثمار بل كانت مناهضة للإنتاج وعملية البناء، حتى إنّه تنبأ بأنّ القلاقل والفوضى العامة ستفسحان في المجال للعسكر في لعب دور في النزاعات السياسية. فجنرال يتمتع بشعبية، وقادر على جعل الناس يحبونه وجعل أعوانه يطيعونه، سيسيطر سريعاً ويصبح “سيد جمعيتكم، وسيد جمهوريتكم”!

محكمة تابعة للملك لويس السادس عشر

لم يكن بيرك مناصراً للديمقراطية أو الملكية بشكل مطلق. لقد بشرّ بالنموذج البريطاني الذي يقوم على “نظام ملكي تحكمه القوانين، يراقبه وارثو الثروات، والكرامة الموروثة لأمة، والاثنان مراقبان من قبل نظام دائم وملائم”. وأيّد بيرك أن يقوم الدستور البريطاني على تركيبة متوازنة من حكم الملك وطبقة النبلاء وعامة الشعب. يقول: “نحن مصمّمون على الحفاظ  على ديانة مرسخة قانوناً، ونظام ملكي مرسّخ قانوناً، وأرستقراطية مرسّخة قانوناً، بالدرجة الموضوعة لها من دون أي زيادة أو نقصان”.

سؤال الحرية والمساواة

صحيح أنّ ادموند بيرك اعتبر أنّ الديمقراطية قد تكون شكلاً ملائماً للحكم، إلا أنّه خشي من “ديكتاتورية الأكثرية”. لذا، رفض فكرة أن يمتلك الشعب البريطاني الحق في اختيار حكّامه وخلعهم بسبب سلوكهم السيء. في المقابل، أكّد أنّ ملك بريطانيا العظمى قد اعتلى الحكم ليس لأنّه تم انتخابه، بل لأنّه ورث هذا العرش بموجب القانون. صحيح أنّه تم خلع جيمس الثالث في العام 1688، إلا أنّ ذلك كان استثناء بالنسبة إلى النظام العام، وكان فعلاً ضرورياً أُكره الناس على القيام به بسبب جرائم الملك الفظيعة. ويقول هنا عن الحرية: “تأثير الحرية على الأفراد أنّهم يستطيعون فعل ما يريدون، ونسعى إلى أن يفعلوا ما يريدون. وقبل أن نتلقى التهاني، سرعان ما ينقلب الأمر ويتحوّل إلى شكاوى”.

جيمس الثالث

أيضاً، كان ادموند بيرك مرتاحاً بشأن غياب المساواة الاجتماعية ولم يكن يفضّل الاستحقاقراطية أو الحكم بالاستحقاق أو الميرتقراطية. بالنسبة إليه، كان جيداً ومطلوباً أن يتألّف مجلس اللوردات ومجلس العموم البريطاني من النبلاء، فـ”بعض الأفضليات والامتيازات التي يكتسبها المرء عند الولادة، ليست أمراً غير طبيعي، ولا غير عادل، ولا غير سياسي”. بعد كل شيء، فالعامة لا يعرفون مصلحتهم بالضرورة. من خلال منح أولوية وأهمية للاستحقاق الاجتماعي على حساب المعرفة، اقترب بيرك من المفكرين السياسيين في العصور القديمة، مبتعداً عن مفكري عصر الأنوار. هكذا، استذكر أرسطو في نقده الديمقراطية المطلقة. هذه الأخيرة هي تماماً كالملكية المطلقة، قد تؤول إلى الاستبداد لأنّها تمنح الأكثرية الحق في الإقدام على “الممارسات القمعية الأكثر بشاعةً”. لذا، رأى بيرك أنّه يجب إجراء إصلاحات في النظام الفرنسي القديم كي يصل إلى النموذج البريطاني الذي يعده الأفضل أي الملكية البرلمانية.

في ما يخص المساواة الاجتماعية، استعان بيرك بشيشرون، كي ينتقد الدور التوزيعي الذي يلصقه الثوريون الفرنسيون بالدولة. اتفق بيرك مع شيشرون على أنّ الأهمية الاجتماعية التي يكتسبها الأفراد المتحدّرون من عائلات ثرية لا تسمح بأن تُمنح الدولة هذا الدور التوزيعي الذي يهدف إلى إرساء “العدالة الاجتماعية” على حساب أصحاب الأملاك الكبار. واعتبر بيرك أنّ اللامساواة هي ميزة كل حكم. لذا، لا بد من حماية الأملاك الكبيرة ضد كل ما قد يهدّدها. وهنا، يأخذ المنظّر على الثورة الفرنسية أنّه بدلاً من حماية أصحاب الأملاك الكبيرة، فقد اختارت تشجيع الأفراد والطبقات الوسطى والطبقات الأخرى التي تتسلّق السلم الاجتماعي على حساب هؤلاء الذين يحتلون مناصب ومكانة مهمة في قلب المجتمع. وعلى رغم أنّ طبقة النبلاء لا تمانع تسلّق الأفراد الموهوبين السلم الاجتماعي وفق بيرك، فإنّه يفضّل أن لا تكون السلطة والعَظَمة سهلتي المنال بالنسبة إلى الرجل “العادي البسيط” الآتي من طبقة دنيا. لذا، فهو يجلّ وارثي الثروات والنعم ويدافع عن سلطة الارستقراطية الموروثة التي أنيط بها دور قيادة المجتمع على عكس السلطة الاقتصادية التي يتمتع بها هؤلاء الذين حققوا الرخاء المادي بعصاميتهم.

خلاصة نظرية شيشرون/سيسرون

الدين في قلب التطوّر

إذاً، أخذ ادموند بيرك على الثورة الفرنسية شيئين أساسيين: مصادرة الأملاك والالحاد. هذا الانتهاك المعمّم لكل شيء سيؤدي حتماً إلى الفوضى وفق بيرك. بالتالي، فالثورة ستؤول إلى “سلسلة مرعبة من الجرائم”. بالنسبة إليه، كان الدين عنصراً أساسياً في تنظيم المجتمع. يقول: “نعرف أنّ الانسان بتركيبته هو حيوان ديني وأنّ الإلحاد يسير عكس المنطق وأيضاً عكس غرائزنا وبالتالي لا يستطيع أن يدوم طويلاً. لكن في هذه المرحلة التي تعيشها فرنسا حيث المظاهرات والهذيان المخمور، كان لا بد من رمي الديانة المسيحية التي كانت حتى اليوم راحتنا وأحد أعظم منابع الحضارة عندنا وعند الأمم الأخرى”.

في الواقع، فإنّ بيرك كان نقدياً جداً إزاء الفلسفة السياسية الخاصة بروسو التي تقع في صلب الايجابية الثورية. رأى بيرك في “العقد الاجتماعي”، خصوصاً في نظرة روسو إلى الدولة، “اختراعاً تبسيطياً واختزالياً مجرداً من الانسانية والتاريخية”. كان نظرة بيرك إلى الدولة تتخطّى التعايش البسيط والمبتذل بين البشر، كما وصفه روسو. بالنسبة إلى بيرك، فإنّ الأمر يتعلق بالانسانية بشكلها الكامل، والدولة تتحدّر من عقد بدائي وفطري للمجتمع الأزلي، وهي تعد الشكل الكامل للتعايش المستمرّ. بحسب بيرك، فإنّ الله أعطى الانسان وسائل عديدة لتحسين هذا الشكل من التعايش.

جان جاك روسو وكتابه بالنسخة العربية

وأثبتت التجارب أنّ المجتمعات تتقدّم والحضارات تتطوّر مع وجود الدين في صلبها. وهنا، يرى بيرك أنّ عصره تميّز بإعادة النظر في قواعد العيش من خلال ازدراء الدين. وهذه الوقائع كما يورد لن تفعل سوى تجميد الحضارة الأوروبية. إذ يرى أنّ الازدهار الأوروبي كان مستمراً لغاية اشتعال الثورة، و”ندين في هذا الازدهار إلى التقاليد القديمة المترسخة”. وبالتالي، ففلسفة روسو التي ألهمت التحركات الشعبية وأفكار الثورة الفرنسية تسيران عكس هذا التفكير والنظام الاجتماعي ونظام الانسان المتحضّر. عند مفكّري الثورة الفرنسية ومنظّريها، الإنسان هو تركيبة ميتافيزيقية موجودة خارج العلاقات الاجتماعية التي تربطه بمجتمعه وبيئته. وبالنسبة إلى بيرك، كانت الدولة جهازاً أرساه الله: “إنّها شراكة في كل العلوم، في كل الفنون، شراكة في كل فضيلة وكل كمال. وهذه الشراكات لا يمكن أن تتحقّق إلا عبر أجيال متعاقبة. إنّها تصبح شراكة ليس بين هؤلاء الأحياء فحسب، بل بين هؤلاء الأحياء، والأموات، وهؤلاء الذين سيولدون”. وهنا أيضاً، يشيد بيرك بالنظام البريطاني حيث “نخاف الله، وننظر برعب إلى الملوك، وبعطف إزاء البرلمانات، وواجب تجاه القضاة، واحترام لأهل الكهنوت، واحترام للنبلاء. لماذا؟ لأنه عندما نتشرّب هذه الأفكار، يصبح طبيعياً التأثّر بها لأنّ كل المشاعر الأخرى هي زائفة وكاذبة، وتميل إلى إفساد الرؤوس، وإبطال أخلاقياتنا ومثلنا الأساسية، وتجعلنا غير ملائمين للحرية العقلانية”.

العقد الاجتماعي عند روسو

في سياق تحليله، لم يطرح ادموند بيرك نفسه كمعارض للإصلاحات، بل كتب: “إنّ الدولة المجرّدة من أي وسائل للتغيير إنما هي أيضاً مجرّدة من أي وسائل للاستمرار والحفاظ على نفسها”. صحيح أنّه قد يكون محافظاً، إلا أنّه أيضاً اعترف بـ “مبدئين هما الفكر المحافظ والتصحيح”، مشيراً إلى “أنّنا بما نجريه من تحسينات، فإنّنا لسنا جدداً بشكل كامل. وبما نحفظه من إرث، فإننا لسنا بائدين بشكل كامل أيضاً”.

نبوءة رغم الانتقادات

بعد وقت على وفاة ادموند بيرك، جاء نابليون بونابرت ليحقّق نبوءته من خلال “انقلاب برومير 18” الشهير عام 1799. تمت قراءة “تأملات حول الثورة في فرنسا” كثيراً، إلا أنّ أغلبية ردود الفعل إزاءها كانت سلبية. أخذ  كثيرون على بيرك غياب الاعتدال في مآخذه على زعماء الثورة الفرنسية، ومدح الملك لويس السادس عشر وزوجته، لكن أيضاً غياب الدقة إزاء بعض الأحداث في فرنسا والمؤسسة السياسية الجديدة في البلاد. توماس جيفرسون، ويليام هازليت، وشارل جيمس فوكس، إضافة إلى بعض الليبراليين الآخرين الذين كانوا يدعمون بيرك، نددوا بكتابه ووصفوه بالرجعي.

غلاف كتاب: دفاعا عن حقوق الإنسان 1790

ولم يرَ رئيس الحكومة المحافظ ويليام بيت في المؤلَّف سوى “جمل تفتننا كلياً، لكننا لا نجد أنفسنا موافقين على أي منها”.  واعتبر بعض المراقبين أنّ بيرك أصيب بنوع من الاختلال الفكري، فيما رجّح آخرون أنّه اعتنق الكاثوليكية بشكل سري، وهاله ما رآه من إجراءات مناهضة للإكليروس من قبل الحكومة الفرنسية. من جهتها، أصدرت الفيلسوفة البريطانية ماري ولستونكرافت رداً على بيرك في كتاب حمل عنوان “دفاعاً عن حقوق الانسان” (1790)، تبعها توماس بين في كتاب “حقوق الانسان” (1791). أخذت ماري ولستونكرافت على بيرك تبرير وجود مجتمع يفتقد إلى المساواة ويرتكز إلى محو المرأة. في النهاية، لم يعد موجوداً على لائحة المعجبين ببيرك سوى قلّة تتسم بالرجعية مثل الملك جورج الثالث والفيلسوف جوزيف دو ميستر.

لكنّ الوضع في فرنسا أخذ المنحى الذي تنبأه بيرك: أُعدم لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت، وتم إرساء حقبة الرعب التي شهدت إعدام واعتقال الآلاف، وأخيراً جاء نابليون ليسيطر على “جمهوريتكم” كما ردّد بيرك. هذا ما دفع أعضاء حزب “الويغ” الذي انتمى إليه بيرك إلى الاصطفاف إلى جانب فكره وآرائه في مناهضة الحكومة الثورية الفرنسية. ولدى وفاته، كانت كتبه أشبه بتركة سياسية. وفي القرن العشرين، وجد العديد من المراقبين الغربيين في “تأمّلات حول الثورة في فرنسا” حججاً صالحة للتطبيق والإسقاط على الثورات الاشتراكية. بالتالي، صار بيرك مرجعية ضروريةً في الأوساط المحافظة والليبرالية الكلاسيكية على حد سواء. وجهان من رموز الليبرالية في القرن العشرين هما فريديريك حايك وكارل كوبر اعترفا بفضله عليهما. وبالنسبة إلى الكاتب الأميركي راسل كيرك، كانت “التأمّلات…” والعديد من الرسائل الأخرى التي كتبها بيرك في سنواته الأخيرة بمثابة “ميثاق الفكر المحافظ”.

فريدريك حايك

لقراءة الجزء الأول من التقرير: إدموند بيرك: “تأملات حول الثورة في فرنسا” (1/2)

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة