الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

احتجاجات جنوب تونس تفضح فشل الحكومات واستغلال “النهضة”

عامان انقضيا منذ أن أغدقت حركة النهضة بوعود التوظيف على سكان المحافظة دون جدوى.. بينما استغلت مشكلاتهم في كسب الأصوات الانتخابية

تونس- وفاء دعاسة

اندلعت مواجهات عنيفة منذ نهاية الأسبوع الماضي، بين محتجين غاضبين والشرطة التونسية التي أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع؛ لتفريقهم في مدينة تطاوين (جنوب شرق البلاد)، في تصعيد للاحتجاجات التي بدأت منذ ما يقارب الشهر، مطالبةً بالوظائف ورافضةً تهميش المنطقة.

وتتمثل مطالب المحتجين في منطقة الكامور، مقر حقول النفط في الجنوب التونسي، في إطلاق سراح الناطق الرسمي باسم الاحتجاجات، طارق الحداد، الذي تم توقيفه من قِبل أجهزة الأمن.

كما تطالب التظاهرات بأن تلتزم الحكومة باتفاقٍ يقضي بتوظيف العاطلين عن العمل في شركات الكامور النفطية التابعة للمحافظة، وتوفير تمويل مشروعات لامتصاص البطالة في المنطقة؛ وهي من أعلى المعدلات في البلاد بنحو 30 في المئة، مقارنةً بالمعدل الوطني الذي يبلغ 15 في المئة.

الوضع خطير

يقول نور الدين درزة، عضو “تنسيقية اعتصام الكامور”: “إنه سبق لهم وقبلوا بمطلب الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، ورفعوا اعتصامهم في 2017 بفتح (الفانا) و(الكامور)، بعد تقديمه ضمانات؛ ولكن الحكومة لم تفِ بالتزاماتها، ومن هنا جاء قرار العودة إلى الضغط على الحكومة واستئناف التحرك”.

وكان الطبوبي قد وعد بتسليم الملف إلى رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، والاتفاق على زيارة وفد وزاري إلى تطاوين؛ لكن سبقه وفد أمني للقمع والهرسلة.

اقرأ أيضاً: أمام القنصلية التونسية بإسطنبول.. الأمن التركي يعتدي على تونسيين عالقين بتركيا

وأكد درزة، في حديث خاص إلى “كيوبوست”، أن الوضع كارثي إذا ما واصلت القوات الأمنية استعمالها غير المبرر للغاز المسيل للدموع، والذي طال ضرره الحي الإداري بالمنطقة الذي يضم أهم المؤسسات الحكومية (المستشفى، الإذاعة الجهوية، منطقة الأمن الوطني..).

وأضاف محدثنا: “نرحب بكل المبادرات؛ لحلحلة الوضع وإلزام الحكومة بتطبيق بنود (اتفاقية كامور)؛ لكننا في المقابل نرفض كل تدخل من الأحزاب أو النواب أو اتحاد الشغل للركوب على الحدث.. اعتصامنا شعبي سلمي، غير مسيَّس أو حزبي”.

وكانت “تنسيقية اعتصام الكامور” قد أعلنت، في بيانٍ لها، رفضها المشاركة في الإضراب العام الذي أقره الاتحاد الجهوي للشغل، مؤكدةً أن شباب الجهة سيحدد مصيره بنفسه مع الدولة دون أي تدخلات؛ لا من أحزاب أو نواب ولا من اتحاد الشغل.

تفريق المحتجين بالغاز المسيل للدموع- مواقع التواصل الاجتماعي

محاولة استغلال

في 2017، وقعت “تنسيقية الكامور”، الممثلة عن المحتجين، اتفاقاً مع الحكومة نص على رصد ما يعادل نحو 27 مليون دولار للاستثمار، وانتداب 1500 عاطل عن العمل في الشركات النفطية، و500 آخرين في شركة حكومية.

وأغدقت حينها حركة النهضة، الممثلة في وزير التشغيل عماد الحمامي، على سكان المحافظة وعوداً بالمحافظة والالتزام بتطبيق بنود الاتفاق، غير أن عامين انقضيا دون أن يحصل المحتجون على أي تفعيل للاتفاق، وتحول غضب المحتجين إلى حالة احتقان فغليان ومظاهرات، ومع اقتراب الحملة الانتخابية التشريعية والرئاسية في 2019، عادت الحركة الإسلامية إلى محاولة تدوير الاتفاق واستغلاله لكسب الأصوات، وجددت وعودها السابقة فنجحت في امتصاص الغضب الشعبي وحصدت الأصوات، بينما بقيت مطالب المحتجين معلقة.

اقرأ أيضاً: وزير سابق بحكومة الترويكا رئيساً مكلفًاً لتشكيل حكومة تونسية تقنع البرلمان

ويقول رمضان بن عمر، الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: “إن الدعوات كانت منذ البداية تطالب حكومة الفخفاخ بالاستعداد وتحضير استراتيجية جديدة للتعامل مع المطالب الاجتماعية؛ خصوصاً أن هذه الحكومة أخذت الكثير من التعهدات على نفسها، وتضمَّن خطاب نيل الثقة في البرلمان مجموعة من الوعود المتعلقة بالملف الاجتماعي”.

“لكن للأسف وبعد الأحداث التي تشهدها محافظة تطاوين، وقبلها في المكناسي وفي الحوض المنجمي، فقد نسفت الحكومة كل الشعارات التي رفعتها”، حسب ابن عمر، وعادت إلى المنظومة القديمة في التعامل مع الحراك الاجتماعي واللجوء إلى القوة الأمنية والقضاء ومواجهة المحتجين بالقوة والغاز المسيل للدموع.

رمضان بن عمر

وأشار ابن عمر، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن البلاد تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية من قبل جائحة كورونا، وكانت هناك مطالب اجتماعية ملحة؛ لكن الأزمة الصحية فاقمت الوضع وأفرزت فئات اجتماعية أكثر هشاشة.

ويعيب محدِّثنا على الحكومة مخالفتها كل الشعارات التي كانت قد رفعتها؛ مثل شعار الوضوح وإعادة الثقة، “لم نلمس أي وضوح، وقد مرت 48 ساعة على المواجهات بين القوات الأمنية والمحتجين دون الإعلان عن أي موقف من الحكومة أو تفسير لاستعمال العنف، وما الأطراف التي أخذت القرار في ملاحقة المحتجين ووقف عدد منهم”.

اقرأ أيضاً: إعفاءات بأعلى السلطة بتونس.. إقالات أم تصفية حسابات؟

ويحذِّر رمضان بن عمر من هذا التحرك الاجتماعي الذي وصفه بالخطير، موضحاً أن الحكومة مرتبكة جداً وتفتقر إلى رؤية للتعامل مع الوضع، وإذا ما واصلت في خيار المواجهة، فإنها ستفشل في السيطرة على الوضع، وقد تتوسع رقعة الاحتجاجات أكثر، وستأخذ أشكالاً عديدة.

وشدد ابن عمر، في ختام حديثه، على ضرورة أن تتحمل الدولة مسؤوليتها “وإلا فإنها ستقود البلاد إلى كارثة”، داعياً إلى أهمية استعادة حكومة الفخفاخ ثقة المواطنين ومحاولة تحقيق ولو جزء من مطالب المحتجين، وأن تسعى الحكومة إلى تغيير سياستها الاقتصادية والاجتماعية وفتح باب الحوار مع المعتصمين والابتعاد عن الاستعانة بالأمن أو القضاء، منبهاً إلى إمكانية تصاعد الوضع وإعادة “سيناريو” أحداث الرش في سليانة في 2016، أو الذهيبة في 2015، أو طبربة في 2017، “إذا ما اعتبرنا أن تطاوين ولاية حدودية مع ليبيا والوضع الأمني الصعب حالياً”، حسب ابن عمر.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة