شؤون عربية

احتجاجات الأردن: ما مصير “الفورة”؟ ومدى دقة فرضية “الحصار”؟

إلى أين تسير عجلة الاحتجاجات الشعبية في الأردن؟

كيو بوست – 

كان من الواضح أن الاحتجاجات الأردنية الأخيرة، التي تعد أشد حركة احتجاج تشهدها البلاد ضد سياسات الحكومة منذ فترة ليست قصيرة، تعكس حالة ضائقة واستياء تمر بها غالبية شرائح المجتمع الأردني في ظل وضع اقتصادي صعب.

اقرأ أيضًا: الأردن والمغرب: هكذا يحدث الاحتجاج الشعبي المتحد أثرًا سريعًا

وعلى إثر هذه التحركات، خطف الشارع الأردني اهتمام الصحافة العربية والدولية، لتبرز تصورات عدة للأزمة، وما يمكن أن تصل إليه… وظهرت فرضيات تربط ما يحدث داخل البلاد بما يجري خارجها، فكيف سيبدو المشهد الأردني؟

في خلفيات الأزمة، هنالك بعض الأرقام تبرز ضمن نظرة واسعة إلى الاقتصاد الأردني والوضع المعيشي:

  • صافي الدين العام المستحق على الأردن ارتفع في الربع الأول من عام 2018، إلى 26.28 مليار دينار أردني (37 مليار دولار)، مقارنة مع 25.4 مليار دينار في نهاية 2017.
  • صافي الدين الداخلي للأردن في نهاية مارس/آذار الماضي بلغ 14.43 مليار دينار، والدين الخارجي 11.84 مليار دينار.
  • حل الأردن في المرتبة الثانیة بین الدول العربیة الأغلى في سعر لتر البنزین بعد فلسطین.
  • العاصمة الأردنية عمان تتصدر قائمة المدن العربية في الغلاء، بحسب آخر إحصاءات موقع الإيكونوميست البريطاني، لعام 2018.

 

أزمة تمويل خارجي

منذ بداية 2018، انطلقت موجات غلاء الأسعار في الأردن، بعد رفع الدعم الحكومي عن عديد من السلع الأساسية وفرض ضرائب على حوالي 164 سلعة.

وصعد ذلك من حالة الغلاء في البلاد، ومعها بدأت المظاهرات الشعبية تأخذ منحى تصاعديًا؛ ففي حين بدأت بشكل متقطع في عدد من المدن، وصلت في مطلع حزيران/يونيو الجاري إلى ذروتها بمظاهرات شعبية عارمة، أسقطت حكومة الملقي، ولا تزال مستمرة لإسقاط التعديل الجديد على قانون ضريبة الدخل.

الأزمة تبدو عميقة، ويبدو أن الشارع الأردني لا يلقي بالكثير من الآمال على حكومة عمر الرزاز، الذي كلفه الملك بتشكيل الحكومة خلفًا للمستقيل هاني الملقي، فالأزمة عميقة أكثر مما يتصور البعض.

ومن هنا تظهر الظروف الإقليمية كعامل دفع بتدهور الوضع الاقتصادي الأردني. في تقرير سابق لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، قالت الصحيفة إنه عندما “تصل فقط 80 شاحنة من الأردن إلى الحدود العراقية، مقابل 600 شاحنة كانت تصل قبل سيطرة داعش على أجزاء من العراق، وبعد عدم تجديد السعودية ودول الخليج المساعدة التي تبلغ 3.6 مليار دولار لخمس سنوات، التي انتهت في 2017، فإن الأفق يبدو متكدرًا”.

“الرئيس ترامب تعهد بمنح الأردن حوالي مليار وربع مليار دولار في السنة لمدة 5 سنوات، لكن رغم أهمية هذه المساعدات، إلا أن ثلثها مخصص للاحتياجات العسكرية، وحوالي الثلثين للمساعدة الاقتصادية التي سيذهب أغلبها كما يبدو لدفع الرواتب، وليس من أجل التطوير الضروري جدًا للمملكة”، أضافت الصحيفة. 

وتقول جاين كيننمونت، نائب كبير الباحثين ببرنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمركز شاثام هاوس البريطاني: “كان هناك دعم مالي مستمر من الولايات المتحدة وبريطانيا والخليج، لكن علينا أن نلاحظ أن الكثير من هذا الدعم بدأ يوجه الآن إلى اللاجئين السوريين في الأردن، وحماية الحدود أكثر من أي شيء آخر، وربما كان هذا هو ما سبب تفجر الأوضاع في الأردن”.

وتضيف: “لم يعد المال الذي تتلقاه الأردن يكفي لسد الحاجة، سواء للاجئين أو لدعم الإصلاحات الاقتصادية، بخلاف أن الدول المانحة لديها مشاكل اقتصادية أيضًا؛ فالسعودية اتخذت إجراءات تقشفية حازمة مع بدء خططها لتطوير الاقتصاد وإيجاد بدائل للبترول، وكذا الحال في أكثر من دولة، فالكل لديه مصاعب اقتصادية، ولا يستطيع أن يقدم الدعم كما كان يفعل من قبل”. 

اقرأ أيضًا: وطن عربي مصغر: حقائق عن اللجوء في الأردن

حالة الخذلان من قبل الأطراف الداعمة التي تشعر بها القيادة الأردنية، وردت صريحًا في حديث للملك الأردني عبد الله الثاني أمام إعلاميين وصحفيين في سياق الاحتجاجات المستمرة، عندما لفت إلى أن المساعدات الدولية لبلاده انخفضت برغم تحمل الأردن عبء استضافة اللاجئين السوريين، واصفًا الأمر بـ”تقصير من العالم”.

“إما الخروج من الأزمة وتوفير حياة كريمة، أو الدخول في المجهول”، أضاف العاهل الأردني.

وتبدو الحكومة في حالة “لا مفر من فرض الضرائب”، في حين يدعو المواطنون إلى إصلاحات لا يتحمل عبئها “جيب” الفقراء وأصحاب الدخل المتوسط.

وتسعى الحكومة الأردنية من وراء التعديل الحالي -الرابع خلال 8 سنوات- على قانون الضرائب، لإعادة نحو 420 مليون دولار سنويًا لخزينة الدولة، “وقد تصل بحسب بعض الحسابات إلى 1.2 مليار دولار، في حال شمل التطبيق شرائح أوسع من المجتمع الأردني وقطاعات أكثر، من بينها قطاعات كانت معفاة، أهمها قطاع الزراعة، الذي ستساهم الضرائب عليه في رفع مستوى الغلاء في مختلف المنتجات الزراعية والأغذية”، وفقًا لتقارير.

وبموجب مشروع القانون الجديد، تبدأ نسبة الضريبة من 5% من دخل المواطن الأردني للشرائح الأولى، وتتصاعد على 5 مستويات، كلما ارتفع الدخل لتصل بحد أقصى إلى 25% من دخل الفرد أو الأسرة.

 

فشل حكومي أم حصار إقليمي؟

تبرز وجهات نظر في ضوء الأزمة الحالية متحدثة عما أسمته مخططًا إقليميًا لمعاقبة الأردن، بسبب مواقفها من صفقة القرن الأمريكية التي تصفي القضية الفلسطينية. وتعود هذه التحليلات لتصريحات سابقة للملك الأردني قال فيها إن الأردن عرض عليه صراحة: المساعدة في صفقة القرن مقابل تلقي المساعدات المالية.

اقرأ أيضًا: قمة الظهران: عودة صفقة القرن خطوة إلى الوراء

لكن تبدو هذه التحليلات غير مرجحة إذا ما نظرنا إلى أن غالب دول العالم لديها مواقف تعارض صفقة القرن كليًا، كما أنها أعلنت رفضها قرار ترامب بشأن القدس، وعليه لم يكن موقف الأردن مختلفًا.

“أعتقد أن الأزمة الاقتصادية الحالية ليست وليدة سياسات اقتصادية خاطئة منذ عهد قريب، وإنما هي تراكمات لفشل اقتصادي مستمر منذ عقود، دون محاولات حقيقة لمواجهة هذه المشكلات وحلها. وحينما حاولت الأردن التصدي لها والاستجابة لمطالب صندوق النقد الدولي بتحرير الاقتصاد كانت الأمور قد تعقدت بشدة”، قالت جاين كيننمونت.

وفي حين ربطت أصوات عدة بين ما يحدث في الأردن بضغوط خليجية متعلقة بموقف الأردن من مسائل سياسية بينها الأزمة الخليجية وقضية القدس، تستبعد الخبيرة الاقتصادية وجود رابط قوي بين الجانبين.

“لا أعتقد بوجود رابط قوي وواضح بين هذه الضغوط الخليجية بشأن المواقف السياسية للمملكة، وبين الغضب الشعبي من تدهور الأحوال الاقتصادية”، قالت كيننمونت.

ولم تنف الخبيرة في سياق مقابلة مع قناة dw الألمانية، وجود موقف حساس يمر به الملك الأردني حيال الأحداث، “فهو سياسيًا مطالب بأن يتواءم مع إسرائيل والولايات المتحدة، واقتصاديًا مطالب بتحسين الأوضاع الداخلية، في وقت قد لا يجد فيه من يمد إليه يده بالمساعدة”.

 

إلى أين تتجه الأوضاع؟

أعطى الشارع الأردني أولى ملامح الأيام المقبلة، عندما استمر بالتظاهر رغم استقالة حكومة هاني الملقي، وهو أمر فسره مراقبون بأن الشارع يريد تغييرًا شاملًا في سياسات البلاد الاقتصادية. 

لكن الأمر الواضح حتى الآن، هو مطالبة المتظاهرين بإلغاء التعديلات على قانون ضريبة الدخل.

ولا يمكن تصور المكان الذي قد تصل إليه حركة الاحتجاج الشعبي، فالوضع الداخلي الأردني يختلف عن تجارب دول أخرى خلصت إلى حالة اقتتال في سبيل التغيير.

عادة ما يتم الفصل في الأردن بين النظام السياسي والحكومة التي تسير أمور الشعب، وهي معادلة تكاد تكون فريدة، فالأردنيون يدينون بالولاء للملك، ويخرجون باحتجاجات عارمة ضد الحكومة. 

“كانت الاحتجاجات في الغالب سلمية ومنضبطة من تلقاء نفسها، لأنه في الأردن لا يوجد حاجز نفسي بين الشعب وأجهزته الأمنية، مثلما هو الحال في البلاد العربية التي أصابتها كارثة الربيع العربي”، يقول الكاتب الأردني د. يعقوب ناصر الدين.

لكن حتى هذه النظرة لا تعكس بالضرورة ما يمكن أن يحدث على الأرض، فالمراقب للاحتجاجات يلحظ تطورًا في لغة الاحتجاج، ما كان ليحصل قبل سنوات، وهي المعادلة التي فرضتها حركة الربيع العربي، إذ يمكن ملاحظة الحذر الكبير من قبل الأمن الأردني في الاحتكاك مع المتظاهرين. 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة