الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

اتهامات بالعنصرية تطول المجتمع الجزائري.. ما صحتها؟

قضية طالبة جامعية مالية تعرضت إلى التنمر بسبب لون بشرتها.. فتحت الجدال مجدداً حول ملف العنصرية في الجزائر

الجزائر- علي ياحي

فتحت قصة الطالبة الإفريقية بإحدى الجامعات الجزائرية، والتي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، أبواب التساؤلات حول حقيقة عنصرية الجزائريين من عدمها، بعد أن أشارت تلك الفتاة إلى تعرضها إلى تصرفات “مشينة” في الجامعة، والسكن، وخلال تنقلها في الشوارع؛ خصوصاً أنها تزامنت مع موجة غضب عالمية من العنصرية ضد السود.

وعرفت صفحات “فيسبوك” وحسابات “تويتر” جدالاً كبيراً بين مشكك ومؤيد، ونقاشات حادة حول ما جاءت به الطالبة المالية عائشة، التي أشارت إلى أن “الصدمة كانت لحظة وصولنا إلى مطار محافظة قسنطينة بشرق الجزائر؛ حيث استقبلنا أحد الشباب بكلام عنصري، حين قال: أهلاً بك أيتها السوداء”، وتابعت بأنها فوجئت بكلماتٍ نابية يومياً لدرجة أن أحدهم دس سيجارته في شعرها.

أطفال جزائريون يسخرون من إفريقية متسولة : فرانس 24

ولفتت عائشة إلى أنها واجهت مشكلاتٍ عديدة في الجامعة، استدعت التعاون بين الطلاب الأفارقة وطرح القضية في الجامعة، وداخل أحياء السكن الجامعي؛ وهي التصريحات التي اختلف حولها المتابعون بين مَن اعتبرها الحقيقة “المسكوت عنها”، ومَن أنكر وجود عنصرية جزائرية إزاء الأفارقة، على اعتبار أن أغلب مساحة البلاد صحراء يقطنها جزائريون من بشرة سمراء وسوداء.

اقرأ أيضاً: كيف يقضي الطلبة العالقون في الجزائر بسبب كورونا شهر رمضان؟

مكون أساسي

يقول المحامي والحقوقي حسن براهمي، في حديث إلى “كيوبوست”: “إن العنصرية تجاه الأفارقة غير مطروحة في الجزائر؛ بسبب كون الجزائريين أفارقة وأغلبهم من ذوي البشرة السمراء”، مشيراً إلى التوافد الكبير للأفارقة عبر موجات نزوح استثنائية نحو الجزائر؛ وهو ما يثبت أن “الشعب الجزائري غير عنصري؛ بل هم اختاروا الجزائر لأن شعبها يحسن ضيافتهم”، على حد تعبيره.

المحامي والحقوقي حسن براهمي

ويتابع براهمي بأن الجزائر من الدول القلائل التي تمنح حق التنقل الحر للوافدين الأفارقة، رغم أنهم قانونياً لا يحق لهم ذلك؛ لعدم حيازتهم صفة اللاجئ الدولي رسمياً، مشيراً إلى خلو المحاكم الجزائرية من قضايا تخص شكاوى بوجود عنصرية تجاه أفارقة، مشدداً على عدم وجود تيارات سياسية أو فكرية تغذي العنصرية في الجزائر؛ “لأن ثورة التحرير جمعت ووحدت كل فئات الشعب الجزائري دون تفريق لأي سبب كان؛ سواء العرق أو الجنس أو اللون”.

شواهد ماثلة

وبالعودة إلى عهد قريب، فإن هناك عديداً من الحوادث شاهدة على “عنصرية بعض الأطراف”، ليس بالضرورة تستهدف الأفارقة السود؛ ولكن حتى بين أبناء البلد الواحد، وهو ما عايشته خديجة بن حمو، المنحدرة من الصحراء، والفائزة بلقب ملكة جمال الجزائر، والتي تلقت سيلاً من التعليقات الساخرة والعنصرية؛ بسبب لون بشرتها فور تتويجها باللقب.

اقرأ أيضاً: الانتحار.. ظاهرة تنتشر في الجزائر وتهدد المجتمع بالتفكك

كما أطلقت، في وقتٍ سابق، مجموعة من الناشطين، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حملة “اطردوا الأفارقة”، بعد وصول عدد كبير منهم فارين من بلدانهم؛ بسبب الحروب والفقر والمجاعة، وهو الأمر الذي دفع الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس الوزراء، للتأكيد أمام البرلمان أن “الحكومة لن ترحِّل الأفارقة؛ بل ستعمل على تنظيم وجودهم وإحصاء عددهم”، وهي الخطوة التي ستمكنهم من الدخول إلى سوق العمل بطرق قانونية.

يؤكد الأستاذ الجامعي أحمد قاسيمي، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن “الجزائر تعاني التمييز بكل أنواعه. ومعظم الجزائريين يظنون أنهم أحسن حالاً من أي أفريقي؛ هذا الإحساس بالأفضلية هو ما يبني عليه الفرد كل تعاملاته وتقديراته للأمور”، لافتاً إلى أن هناك فئة لا بأس بها من الشعب؛ خصوصاً من الشباب، تعاني نقصاً كبيراً في الأخلاق العامة واحترام الغير؛ ما يجعل أي عنصر ضعيف في المجتمع عرضةً للتنمر من طرف هذه الفئة، لا سيما المرأة والأجانب والمعاقين.

ويواصل قاسيمي: “لم أكن شاهد عيان على ما حدث للطالبة المالية بقسنطينة؛ ولكني متأكد أن الأمر وارد بشكل عام؛ فلديَّ أصدقاء أجانب ممن يعانون بشكل يومي الكلام الذي يطولهم كلما وجدوا في مكان شعبي وحدهم”.

وفي حين يتحرك العنصريون في محاولاتٍ معزولة على المستوى الشعبي، يبقى التساؤل مطروحاً حول نظرة المسؤولين إلى البشرة السوداء. فعلى الرغم من أن الرئيس تبون معروف بمحاربته كل أنواع التمييز والعنصرية والكراهية، ودعم هذا التوجه مؤخراً بتشريع قانون تجريم الكراهية والجهوية والعنصرية والتمييز؛ فإن تصريحات الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، الموجود في السجن بتهم الفساد، حين أكد أن “المهاجرين غير النظاميين في الجزائر باتوا مصدراً للجرائم والمخدرات، وعددٍ من الآفات، ويهددون الاستقرار”، تجعل من ملف التعاطي مع العنصرية على مستوى الطبقة السياسية مصدر انشغال وتوجس.

اقرأ أيضاً: الجزائر.. لماذا تصاعد صراع الهوية منذ انهيار حكم بوتفليقة؟

يختلف الإعلامي ناصر الدين سعدي، في حديث إلى “كيوبوست”، موضحاً أن “الأمر لا يتعلق بعنصرية؛ لأن العنصرية ثقافة وعقيدة، وليست ممارسات صبيانية لشبابٍ طائش”، مضيفاً أن ما حدث، إن حدث فعلاً، فهو فعل غير أخلاقي؛ لكنه لا يدفع إلى اعتبار المجتمع الجزائري عنصرياً؛ خصوصاً أنه “عندما نقرأ قصة الطالبة المالية نتصور أن المئات مثل جورج فلويد، قُتلوا خنقاً في الجزائر”؛ لكن العكس هو الصحيح، فآلاف الأفارقة تعلَّموا في مدارس وجامعات الجزائر، منهم مَن صار رئيساً ووزيراً وقائد جيش. وختم سعدي حديثه بالقول: “لا يوجد بلد إفريقي قدَّم لإفريقيا ما قدمته الجزائر”، والتي باتت بين عشية وضحاها متهمة بـ”العنصرية” في زمن جورج فلويد.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة