الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

اتفاق الولايات المتحدة و”طالبان”.. مجرد بداية لعملية السلام الأفغانية

كيوبوست

  • عارف رفيق

وقَّعت الولايات المتحدة وحركة طالبان، يوم السبت الماضي، اتفاقًا ثنائيًّا يمهِّد الطريق لإنهاء الحرب الأمريكية المستمرة منذ 18 عامًا في أفغانستان. ووافقت واشنطن على سحب قواتها العسكرية بالكامل خلال 14 شهرًا. بينما التزمت “طالبان” بدورها في منع تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات أو الأشخاص من استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها.

اقرأ أيضًا: كيف باعت الولايات المتحدة الوهم في أفغانستان؟

تلك الصفقة هي جوهر ما يصفه الطرفان بأنه “اتفاق سلام”؛ فهو يوفر إطارًا لوقف الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، التي أوت تنظيم القاعدة الإرهابي، مُنفِّذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية. وينص الاتفاق صراحةً على عدم اعتراف الولايات المتحدة بـ”طالبان” أو ما تسميه الحركة بـ”إمارة أفغانستان الإسلامية”، كدولة؛ ولكنه يؤكد تقيُّد “طالبان” بتنفيذ التزاماتها “في المناطق الخاضعة لسيطرتها”، وهو اعتراف ضمني بـ”طالبان” كقوة فعلية.

الحوار بين الحكومة و”طالبان”

يبدو أن الولايات المتحدة، من خلال هذا الاتفاق، تخلَّت عن هدفها في انتزاع المكاسب التي سبق وحققتها “طالبان” بسيطرتها على أقاليم عدة، وأصبحت مهمتها الأساسية التركيز على مكافحة الإرهاب؛ خصوصًا الجماعات العابرة للقومية؛ مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة (داعش).

عناصر من “طالبان” تعلن تأييدها لتوقيع اتفاق السلام مع الولايات المتحدة- أفغانستان 2020

ربما تكون “طالبان” و”داعش” جماعتَين متناحرتَين؛ لكن “القاعدة” و”طالبان” بينهما علاقة قديمة عمرها من عمر كلتا المنظمتَين. وعلى المستوى المحلي، فإن مقاتلي “القاعدة” هم جزء لا يتجزأ من “طالبان”. ولا يشترط أو يطلب الاتفاق أن تتنصل حركة طالبان من “القاعدة” أو تُدينها؛ لكن من غير الواضح كيف سيتم فصل الجماعتَين على المستوى المحلي. من جانب آخر، فإن الانسحاب الأمريكي الكامل مشروط بأن تفِي “طالبان” بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب.

اقرأ أيضًا: مستقبل اتفاق “طالبان- واشنطن”.. نهاية 18 عامًا من الصراع أم انهيار وشيك؟

ينطوي الاتفاق بين الولايات المتحدة وحركة طالبان على إمكانية التقدُّم قدمًا في موضوع شديد الأهمية يتعلق باتفاقية لتقاسم السلطة وتحقيق السلام بين “طالبان” والفصائل الأفغانية التي تعمل بموجب الدستور الحالي للبلاد. وإذا اجتمعت “طالبان” والفصائل الأفغانية الأخرى، فهناك احتمال حقيقي بأن الحرب الأهلية في أفغانستان التي دامت 40 عامًا، والتي بدأت بـ”ثورة” عام 1978، ثم الغزو السوفييتي، قد تصل أخيرًا إلى نهاية.

وَفقًا للاتفاقية، التزمت “طالبان” بالمشاركة في حوار مع الحكومة من المقرر عقده في 10 مارس الجاري. ومع ذلك، وقبل إجراء هذا الحوار، يتعيَّن على “طالبان” والحكومة الأفغانية تبادل الأسرى. لكن الحكومة الأفغانية لم تكن من الأطراف الموقعة على الصفقة الأمريكية، وهي ترفض الإفراج عن أسرى “طالبان” قبل المحادثات. وتقول “طالبان” إن الحوار الأفغاني لن يحدث ما لم يتم إطلاق سراح السجناء. ومن المرجح أن يكون هناك ضغط أمريكي مطلوب على حكومة الرئيس أشرف غني؛ من أجل دفع العملية إلى الأمام.

زعماء “طالبان” خلال محادثات ما قبل توقيع اتفاق السلام- الدوحة 2020

تحديات ومعوقات محتملة

لا تعترف “طالبان” بحكومة غني والدستور الأفغاني الحالي. ومع ذلك، يبدو أنها سمحت ضمنيًّا لحكومة غني بتنسيق عملية تحديد مَن سيجلس على الجانب الآخر من الطاولة مع “طالبان”. التحدي إذن يكمُن في أن حركة طالبان ترى نفسها تتمتع بحق “الفيتو” في ما يتعلق بقائمة المشاركين وتعارض بعض خيارات غني.

ثمة عامل آخر يعقِّد الحوار بين الأفغان، وهو النزاع حول الانتخابات الأفغانية. أُجريت الانتخابات الرئاسية في سبتمبر، ولم تصادق لجنة الانتخابات الأفغانية على النتائج إلا بعد أربعة أشهر. واتهم معارضو غني؛ وعلى رأسهم الدكتور عبدالله عبدالله، الرئيس التنفيذي لأفغانستان، بأن فوزه تم من خلال الاحتيال والترهيب. وقد طلبت لجنة شكاوى الانتخابات أن تقوم اللجنة بتدقيق 300 ألف صوت متنازع عليها؛ لكن يبدو أن عملية التدقيق لم تتم بالصورة السليمة وأُعلن فوز غني. ويرى المعارضون أن إعادة الفرز في حال تمت بصورة حقيقية كان يمكن أن تقود إلى خسارة نحو 20 ألف صوت ومن ثَمَّ الدخول في جولة الإعادة.

وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر يصافح الرئيس الأفغاني أشرف غني عقب مؤتمر صحفي السبت الماضي- كابول 2020

اللافت أن التشكيك في شرعية غني باعتباره رئيسًا منتخبًا لا تتم من قِبَل “طالبان” فحسب؛ بل وأيضًا من قِبَل منافسيه في الانتخابات، الذين يتهمونه بمحاولة أن يكون فريق التفاوض بالكامل من حلفائه. وإن عدم رغبة غني في إطلاق سراح سجناء “طالبان” واختيار المفاوضات بين الأفغان بتوافق الآراء يعرِّض عملية السلام إلى الخطر.

اقرأ أيضًا: تنامي خطر الإرهاب الجهادي في آسيا

وهناك تعقيد إضافي في ذلك الأمر، وهو مسألة العنف. حيث وافقت “طالبان” على هُدنة استمرت أسبوعًا قبل حفل التوقيع يوم السبت. وكانت فترة “الحد من العنف” بمنزلة تدبير مؤقت لبناء الثقة، ولم يكن هناك التزام صريح باستمرار الهدنة. وفي يوم الإثنين، أعلنت حركة طالبان انتهاء تلك الهدنة وجددت هجماتها على الحكومة الأفغانية.

الدول الإقليمية تدعم مشروع الولايات المتحدة

لا شك أن دول المنطقة تشارك في عملية السلام الأفغانية. ويرغب معظمها في خروج الولايات المتحدة من أفغانستان. من جانبها، أصدرت إيران بيانًا مشوشًا بدا أنه يُدين الاتفاق الأمريكي مع “طالبان”؛ لكن لا يعدو كونه مجرد تسجيل موقف على الأرجح، لأن حقيقة الأمر أن إيران سعيدة برؤية أمريكا تذهب بعيدًا عن المنطقة، وفي ضوء التوترات بين البلدَين لا يمكن لإيران الإشادة بواشنطن حتى لو استفادت طهران من تحركاتها.

اقرأ أيضًا: 10 صراعات يجب مراقبتها في 2020

أما الصين وروسيا فشاركتا في محادثات ثلاثية مع الولايات المتحدة بشأن أفغانستان، كما شمل بعض تلك الاجتماعات باكستان أيضًا؛ حيث نسَّقت الولايات المتحدة بمسؤولية مع الدول الثلاث حول المحادثات مع “طالبان”. وبذلك فإن الأطراف كافة صاحبة المصلحة التي تسعى لضمان نجاح العملية قد اشتركت فيها؛ إذ تود الدول الثلاث أن تخرج الولايات المتحدة من أفغانستان وهي تتحمل مسؤوليتها كاملةً. وبالنسبة إلى أفغانستان، هناك تحالف غير عادي للمصالح بين القوى العظمى والإقليمية.

الجيش الأمريكي في أفغانستان سيبدأ في استعدادات الانسحاب

ومع ذلك، لا تزال الهند مستثناة في تلك المعادلة؛ فهي أكثر المستفيدين من الوضع الراهن في أفغانستان، حيث لا تشترك في حدود معها، لذا فهي معزولة إلى حد كبير عن العنف وعدم الاستقرار هناك. وفي الوقت الذي أقام فيه كلٌّ من بكين وموسكو وطهران اتصالًا دبلوماسيًّا مع حركة طالبان، لا يوجد ما يشير إلى أن نيودلهي كانت على اتصال رسمي بالحركة. وأعطت الهند إشارات متباينة حول الكيفية التي ستستجيب بها لاتفاق الولايات المتحدة وحركة طالبان. وقد ضاعفت من دعمها لحكومة غني؛ حتى إنها طرحت فكرة نشر قوات في أفغانستان.

اقرأ أيضًا: أفغانستان.. تهديدات إرهابية وعدم استقرار سياسي

يتوقع مراقبون أن تحاول الهند لعب دور المفسد في عملية السلام الأفغانية؛ لكن هذا من شأنه أن يتعارض مع الولايات المتحدة التي تريد أن ينجح الاتفاق. ومن المرجح أن تتبنَّى الهند استراتيجية صبورة من خلال عملية الحوار الصعبة بين “طالبان” والحكومة الأفغانية. وفي حين أن الولايات المتحدة و”طالبان” لديهما التزاماتهما الخاصة بالوفاء باتفاقهما الثنائي، فإن العبء الآن يقع على عاتق الأفغان الذين يتعين عليهم إيجاد حل لحربهم التي استمرت 40 عامًا خلال الأشهر الـ14 المقبلة.

  • رئيس شركة “فيزير كونسالتينج” لاستشارات إدارة المخاطر المتعلقة بالقضايا السياسية والأمنية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة