الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجيةشؤون دولية

اتفاق إبراهيم يعيد صياغة الصراع ويعزل المتطرفين الإقليميين

كيوبوست – ترجمات

أليكس ريفشن♦

تشكِّل اتفاقات إبراهيم التي جرى توقيعُها بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة في واشنطن في منتصف شهر سبتمبر 2020 لحظةً نادرة من الأمل والإخاء في منطقةٍ تعصف بها حمامات الدم في سوريا واليمن، والحروب في العراق وأفغانستان، والتفكك الجماعي الناجم عن الهمجية المتنافسة لتنظيم داعش والنظام الإيراني.

نهاية التوافق الغربي

علاوة على الوعد ببزوغ فجر عهد من التعاون العربي-الإسرائيلي لصالح المنطقة، فإن الاتفاقات ذات أهمية كبيرة سواء بالنسبة لتحديد التحالفات أو خطوط القتال في المنطقة، أو تصحيح أساليب الوساطة والتفاوض الفاشلة التي طالما سدَّت آفاق السلام.

ولعل الأهم من ذلك أن تحقيق سلام رسمي واعتراف متبادل بين الدولة اليهودية ودولتين عربيتين قد قلب تماماً الحكمة التقليدية القائلة بأن قبول إسرائيل واندماجها في المنطقة لا يمكن تحقيقه إلا بعد التوصل إلى اتفاق بشأن الوضع النهائي مع الفلسطينيين، وبعبارةٍ أخرى، تلبية المطالب السياسية والإقليمية الفلسطينية. ويُنظر إلى هذه المطالب، التي لم تُلَبَّ حتى الآن، على الرغم من ثلاثة عروض سلام شاملة من إسرائيل في السنوات العشرين الماضية، على أنها شرط يجب الوفاء به قبل أن تكون هناك أي اتفاقات عربية-إسرائيلية جديدة بعد المعاهدتين مع مصر (1978) والأردن (1994).

اقرأ أيضًا: كيف يغير اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي خارطة التحالفات في المنطقة؟

اللافت أن الفكرة القائلة بأن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية لا ينفصل عن عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية باتت راسخة إلى الحد الذي يجعل تحديها يثير سخرية وازدراء فوريًا في دوائر السياسة الخارجية. ومن أمثلة ذلك أن مارا رودمان مستشارة السياسة الخارجية في الإدارتين الديمقراطيتين للرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما، ونائب الرئيس التنفيذي للسياسة في مركز “التقدم الأمريكي”، عبَّرت في كلمةٍ لها أمام اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي المعنية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا والإرهاب الدولي عن رفضها نهج إدارة دونالد ترامب في صنع السلام الإقليمي باعتباره “مثالًا نموذجياً للفشل في تحقيق السلام في الشرق الأوسط”، مؤكدة أن “الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن يُحل أولًا لتحقيق التعاون الممكن بين إسرائيل والدول العربية بشكل كامل”.

الرئيس الأمريكي خلال الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي

التصور ذاته كان لدى جون كيري؛ وزير خارجية الرئيس أوباما، حيث كان أكثر وضوحًا وثقة من أن السلام العربي الإسرائيلي الأوسع نطاقًا مرتبطٌ بشكل لا رجعة فيه بالقضية الإسرائيلية الفلسطينية. وقال في منتدى سابان في عام 2016:

“لن يكون هناك سلام منفصل بين إسرائيل والعالم العربي. أريد أن أوضح لكم جميعًا لقد سمعت العديد من السياسيين البارزين في إسرائيل يقولون في بعض الأحيان: “حسناً، العالم العربي في مكان مختلف الآن، علينا فقط أن نتواصل معهم، ويمكننا حل بعض الأمور مع العالم العربي، وسنتعامل مع الفلسطينيين”. لا، لا، لا، ولا. لن يكون هناك سلام متقدم ومنفصل مع العالم العربي من دون العملية الفلسطينية، والسلام الفلسطيني. الجميع بحاجة إلى فهم ذلك. هذا واقع صعب”.

شاهد: فيديوغراف.. اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي لحظة فريدة

وكان كيري يأمل في تعزيز الوضع الذي كان يفضله من خلال قوة تأكيداته. ولم يكن مستعدًا للتفكير في احتمال أن يكون العالم العربي مرهقًا من القضية الفلسطينية، وأن يسعى إلى تحديد أولويات مصالحه الاقتصادية والأمنية. ومن شأن القيام بذلك أن يقلب رأسًا على عقب الحكمة التقليدية في واشنطن، والمؤسسات الأوروبية للسياسة الخارجية التي وضعت القضية الفلسطينية ليس فقط في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، بل تعتبرها على مدى عقود مصدرًا أساسيًا للتطرف الإسلامي والإرهاب في جميع أنحاء العالم. وفي نوفمبر 2015، بعد هجمات داعش الإرهابية في باريس التي أسفرت عن مقتل 130 شخصًا، ذهبت وزيرة الخارجية السويدية مارغوت والستروم إلى حدّ عزو ذلك الهجوم إلى محنة الفلسطينيين التي، كما أكدت، تجبر المتعاطفين مع الفلسطينيين على “اللجوء إلى العنف”.

اقرأ أيضًا: اتفاقية السلام التاريخي …من الشعارات إلى الواقعية السياسية

تحوُّل جذري في المفاهيم

غير أن اتفاق إبراهيم أظهر بشكلٍ لا لبس فيه أن القضية الفلسطينية، وإن كانت لا تزال تستحق العمل الجاد للتوصل إلى حل لها، قد فُصلت عن الشؤون العالمية والإقليمية. إن فشل الفلسطينيين في انتزاع حتى إدانة شفوية فاترة لاتفاقات إبراهيم من جامعة الدول العربية دليلٌ آخر على تغير تصور العالم العربي للصراع وآفاق حله، وبدأ يأخذ الآن أبعادًا أكثر قابلية للإدارة للتوصل إلى حل للمواجهة العربية الإسرائيلية الأكثر إشكالية والتي تمتد تأثيراتها إلى المنطقة.

العلمان الإماراتي والإسرائيلي

ومن خلال فصل القضية الفلسطينية عن الاعتبارات الإقليمية الأوسع نطاقًا، وإبراز إسرائيل على أنها جزء مشروع من الشرق الأوسط، أزالت الاتفاقات فعليًا مصدرًا قويًا للتحريض والتطرف في العالم العربي. كما زادت من حدة التمييز بين القوى الإقليمية المناصرة للاعتدال، وتلك الراعية للتطرف.

السلام والتطرف

كان متوقعًا أن تكون تركيا، والنظام الإيراني ووكلاؤه في سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية، أشد المعارضين للتطبيع الإسرائيلي، وقدوم السلام والتعاون الإقليميين. فلطالما ادّعت إيران رعاية القضية الفلسطينية، متلاعبة بالقوة العاطفية للقضية لحشد الدعم في العالم العربي. فمن ناحيةٍ، فإن القبول المتزايد لإسرائيل سوف يضعف الدعاية الإيرانية. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الادعاءات الفلسطينية بالخيانة من دول الخليج والجامعة العربية لن تؤدي إلا إلى تعزيز تأكيد إيران بأنها القوة الوحيدة القادرة على الكفاح من أجل القضية الفلسطينية، وبالتالي زيادة قبضتها على ما تسميه “محور المقاومة”. وحذرت وزارة الخارجية الإيرانية من أن “حكومة الإمارات والحكومات الموافقة الأخرى يجب أن تتحمل المسؤولية عن جميع عواقب هذا العمل”. وأكدت صحيفة “كيهان” الإيرانية أن الإمارات أصبحت الآن “هدفًا مشروعًا”.

الرئيسان الإيراني والتركي – أرشيف

في الوقتِ نفسه، أعلنت تركيا، التي تتمتع بعلاقات دبلوماسية واقتصادية واسعة مع إسرائيل منذ عام 1949، والتي استمرت حتى في السنوات الأخيرة عندما استخدم الرئيس التركي العدواني والاستبدادي رجب طيب أردوغان المشاعر المعادية لإسرائيل كأداة سياسية، أنها تفكر في تعليق علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات وسحب سفيرها بسبب قرار الدولة الخليجية الاعتراف بإسرائيل. ومن المفارقات أن وزارة الخارجية التركية اتهمتِ الامارات بانتهاج “سلوك منافق” بسبب هذه الخطوة.

اقرأ أيضًا: مناورة تركية- إيرانية يائسة في مواجهة اتفاق السلام التاريخي

الخلاصة

لقد أدَّى توقيع اتفاق إبراهيم إلى إعادة صياغة الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره نزاعًا محليًّا بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأنهى حالة الشلل السياسي ودورة الوساطة والمفاوضات الفاشلة التي استمرت لأكثر من قرن. كذلك قوّضتِ الاتفاقية أجيالًا من الدعاية المعادية للصهيونية التي جعلت السلام بين اليهود والعرب أمرًا لا يمكن تصوره. ولكن في حين أن الاتفاقات تشكل بوضوح انتصارًا للسلام والدبلوماسية التي عزلت المتطرفين، فإن التحدي الذي ستواجهه هو سعي القوى الإقليمية المعارضة للاتفاقات إلى إعادة توجيه المنطقة إلى مسار التطرف والحرب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦مؤلف كتاب «الصهيونية: التاريخ الموجز»، والرئيس التنفيذي المشارك للمجلس التنفيذي لليهود الأستراليين.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

 
 
 
 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة