الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمقالات

اتفاقية السلام التاريخي …من الشعارات إلى الواقعية السياسية

د.أحمد الإسماعيلي♦

بداية؛ سأفترض جدلاً أن هناك مَن لم يستطع أن يستوعب حجم التحولات الإقليمية التي تحدث على المستويَين الفكري والسياسي العربي، ثم على مستوى الانتقال من مفهوم الجامعة العربية أو الخلافة العثمانية إلى مفهوم الدولة الوطنية، التي تفرض واقعية سياسية انطلقت من تصدع الجغرافيا السياسية التقليدية، وتحولها إلى جغرافيا سياسية جديدة في المنطقة العربية بشكلٍ خاص. هذا التحول أو هذه التحولات تفرض علينا منذ زمن طويل تحولاً كبيراً في فهم المعادلات الإقليمية، وفي فهم المصلحة الوطنية، نحن لا نريد من دولنا أن تتحول إلى دولٍ فاشلة كما نرى ذلك في كثير من الدول العربية الأخرى التي أصابها مسّ الإسلام السياسي. ومن أجل ذلك؛ علينا أن نفهم لماذا هذا الاتفاق التاريخي؟ ولماذا تأخرنا كثيراً في إبرامه؟

بعيداً عن العاطفة التاريخية التي تلبست كثيراً بشعارات الإسلام السياسي منذ قرابة قرن من الزمان، فإن تلك الشعارات لم تجلب لهذه الأمة سوى الإرهاب والتخلف والتفكك والثورات الداخلية وغيرها من النتائج التي كانت مسؤولة تاريخياً وأخلاقياً وحتى دينياً عن كل الانكسارات العربية في العقود المنصرمة، والتي شغلت المركزيات السياسية في الوطن العربي عن النهوض والتقدم الحضاري، وظلت الدول العربية تصارع إسلاماً سياسياً مكتنزاً بمفاهيم شعبوية تضليلية؛ من أجل الوصول إلى السلطة باسم الدين.

الرئيس الأمريكي خلال الإعلان عن الاتفاق – وكالات

طوال العقود المنصرمة؛ ربما بعد خروج المستعمر الإمبريالي من الدول العربية مباشرة، فإن العقل العربي لم يجد أمامه مشروعاً فكرياً وإسلاماً بديلاً عن مشروع الإسلام السياسي الذي قادته الحركات الدينية المتطرفة في النصف الأول من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، وأنتج لنا حركات الهجرة والتكفير في خمسينيات القرن الماضي، ثم تحول إلى “القاعدة” و”طالبان” و”داعش” و”النصرة”.. وغيرها من الحركات المتطرفة التي تدعمها للأسف بعض الدول العربية، وظلَّ العقل العربي غارقاً في شعاراته التاريخية، عاجزاً عن الفعل الحضاري، منهمكاً في المشكلات الداخلية وغير مستقر؛ لا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الإقليمي، كما ظل المواطن العربي لا يجد بديلاً حضارياً عن تلك الشعارات المقدسة، وأدى ذلك إلى انحرافات فكرية خطيرة سادت العالم العربي، وأثرت حتى على العالم الإسلامي؛ بل على مستوى الاستقرار الإنساني.

عنصر من تنظيم داعش الإرهابي في سوريا- أرشيف “رويترز”

أمام كل هذا الهيجان الفكري تراجع المشروع النهضوي في مصر، وسقطت بلاد الشام وتونس وليبيا واليمن، وعجزت دول العالم العربي عن الوصول إلى منطقة الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن الاستقرار السياسي، وتم توظيف ما يُسمى بالربيع العربي لصالح الجماعات الدينية المتطرفة؛ فهل نريد من دول الخليج أن تنكسر وتسقط مثل تلك الدول؟ هل نريد لدول الخليج أن تتراجع فيها قيمة الإنسان؟ هل نريد بناء على تلك الشعارات أن نهدم المنجزات الكبرى التي تحققت خلال العقود الخمسة الأخيرة؟

أسئلة وجودية وليست ثقافية فقط؛ علينا بكل جرأة أن نحاكم منظومة المفاهيم التي صدرتها لنا الإسلامات السياسية خلال العقود الماضية.

  اقرأ أيضًا: عضو فتحاوي لـ”كيوبوست”: بوادر تراجع في لهجة الحركة الفلسطينية ضد الإمارات

لا بد إذن من صناعة “إسلام بديل”؛ أعني بذلك فهماً جديداً للإسلام يختلف جذرياً عن الإسلامات السياسية؛ ومنها الإسلام الإخواني، ويكون هذا البديل الجديد أقرب إلى التعاليم الحقيقية للإسلام، إلى المبادئ الإنسانية، إلى فهم اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم ومواكبتها علمياً، إلى صناعة “عقل عربي جديد”، يرتكز على التصورات والمبادئ والقيم الإنسانية. الإسلامات السياسية؛ ومنها إسلام الإخوان المسلمين، أغرق العالم العربي في ماضوية دوجماتية منغلقة لا يمكن أن تواكب العالم المتقدم، ولا أن تنهض بالجغرافيا الحديثة نحو المستقبل، واشتغل العالم العربي بصراعات داخلية عميقة أثرت على تقدمه، كما أثرت على تنميته الاقتصادية والعلمية.

ولهذا وجد الخليج العربي نفسه مضطراً -أمام تعملق القوى الإقليمية وتهديدها له- إلى بناء شبكة مفاهيمية جديدة تستحضر المبادئ الإسلامية الصحيحة التي غُيبت تاريخياً؛ بحيث يكون الحوار والقيم الأخلاقية والتعايش مع الشعوب الأخرى عنوان المرحلة القادمة، ويكون لها حضور عالمي، وبدا ذلك واضحاً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ وتمثل في صناعة عدة مواثيق داخل العالم العربي، منها ميثاق الأخوة الإنسانية الذي تبناه الأزهر الشريف (القاهرة) وميثاق مكة (الرياض) وميثاق حلف الفضول (أبوظبي) وميثاق نواكشوط (موريتانيا)؛ وهي مواثيق يمكن أن تمثل النواة التأسيسية لما يمكن أن نطلق عليه “الإسلام الجديد” أو “الإسلام البديل”، يرتكز بصورة عميقة على صناعة مفاهيمية جديدة تتعلق بأنسنة الدين؛ أي تحويل مفاهيم العنف والصراع والدم وشعارات الأيديولوجيا السياسية التي أنتجتها المرحلة التاريخية الماضية إلى مفاهيم إنسانية تعنى بالإنسان، وتتفق أولاً مع روح ومبادئ الإسلام الأصيل، وثانياً مع الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية للحوار بين الأديان والثقافات الإنسانية المقدسة.

توقيع وثيقة «أخوة إنسانية» بين الأزهر والفاتيكان في أبوظبي لمكافحة التطرف

إن ميثاق حلف الفضول -الذي حضره في أبوظبي أكثر من ألف عالم ومفكر- هو ميثاق نهضوي إنساني يجب أن يستمر عبر إقامة مراكز فكرية داعمة له في العالم العربي؛ لكي يجنب المنطقة العربية ويلات الشعارات الأيديولوجية التي أتخمتنا بها الإسلامات السياسية طوال العقود السابقة، ولكي يسهم هذا الفكر الإنساني في إعادة بناء العقل الجمعي العربي، وهو مشروع يحتاج إلى جهود متضافرة من الدول التي تؤمن ببناء العقل العربي الجديد؛ العقل القادر على مواكبة العالم المتقدم.

 اقرأ أيضًا: كيف تعاملت الصحافة الإسرائيلية مع اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي؟

ماذا استفاد العالم العربي من لحظات الصراع التاريخي مع إسرائيل؟ وهل علينا أن نستمر في مسلسلات الصراعات الدموية؟ ألا توجد رؤية بديلة للحوار بين الأطراف المتنازعة؟ لقد قدمت دول الخليج ثرواتها الوطنية الكبيرة ودماءها أيضاً في سبيل دعم القضية الفلسطينية، فهل علينا أن نستمر في هذا المسلسل دون إيجاد رؤية سياسية جديدة تخدم قضايانا الوطنية المصيرية؟

لقد كانت تلك الشعارات القومية والإسلاموية تمثل استنزافاً هائلاً للثروات الخليجية الوطنية. هناك تساؤلات عديدة يجب أن نضعها على الطاولة بكل شفافية، ونحن لا نقول إن دولة واحدة مهما كانت ولو كانت أكثر الدول تقدماً يمكن أن تساعدنا في إحداث نهضة كبرى على المستوى العلمي والتقني والتكنولوجي؛ لكننا نثق في أن مشروع السلام التاريخي سوف يفكك كثيراً من معوقات التقدم الحضاري، سوف يسهم ربما في إزالة كثير من الشكوك الدولية حول نيَّاتنا السياسية تجاه القضية الإسرائيلية- الفلسطينية، وتجاه رؤيتنا للعالم أيضاً، وربما سوف يساعد الجماعات المحبة للسلام داخل إسرائيل نفسها في التأثير على المركزية السياسية الإسرائيلية في قبول عملية السلام الشاملة.

دمرت قنبلة هيروشيما اليابان

لقد ضربت الولايات المتحدة اليابان بقنابل نووية ولم تعلن اليابان عن مقاطعتها الولايات المتحدة؛ بل أصبحت صديقة لها، وها هي اليوم أصبحت في مصاف الدول المتقدمة. إن توظيف القضية الفلسطينية سياسياً ودينياً في نشر الكراهية بين الشعوب أكثر سوءاً مما نتصور؛ فهذا التوظيف هو أحد سواقي الدم والصراع وأحد معوقات تحرر الشعوب من أوهام الماضي، ولهذا فإن اتفاقية السلام التاريخي بين أبوظبي وتل أبيب ستظل محطة تاريخية مهمة في إحداث تحولات جذرية في طريقة تفكير الاجتماع السياسي العربي، وفي طريقة تحرير الشعوب العربية من أوهام الدولة التاريخية الواحدة.

الإمارات هي من أكثر الدول العربية قدرة على حماية الديني من السياسي؛ وهي تشتغل على هذا منذ فترة طويلة جداً، ولعل البدايات الحقيقية لها كانت عام 1996، عندما أحدثت مراجعات سياسية وفكرية في التعامل مع فروع حركة الإخوان المسلمين الموجودة في الإمارات، وأدركت حينها أن الطريق نحو الاستقرار الوطني والتنمية الاقتصادية لا يمكن أن يمر عبر أجندات سياسية حركية، ولا يمكن التهاون في مثل هذه القضايا المصيرية للشعوب، فكانت من أوائل الدول العربية التي لم تسعَ إلى توظيف الدين لخدمة أجندات سياسية، وجعلت الممارسات الدينية منفصلة نهائياً عن المشروع السياسي الوطني، حتى لا تتمكن تلك الجماعات من توظيفه توظيفاً سيئاً، فكان ذلك حماية للدين من الأفكار المتطرفة.

شاهد: فيديوغراف.. اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي لحظة فريدة

يأتي إذن ميثاق حلف الفضول ليؤكد أهمية الحوار في صناعة الإسلام التنويري؛ الإسلام الذي يتكئ على الإطار الأخلاقي والممارسات التنويرية، ويهدف إلى تكوين عقل عربي يعي التحولات الإقليمية والدولية الكبرى. لقد ظل الإعلام المناوئ الذي تدعمه بعض الدول الشقيقة يشتغل بشكل كبير على تكريس الخطابات الماضوية والمتطرفة، وعلى تشويه “إسلام الحوار الإنساني بين الأديان”؛ رغبة في إعادة الصراع بين الدولة والجماعات الإسلامية، حتى لا تستقر شعوب منطقة الخليج.

إنني أكتب هذا وأنا مؤمن تماماً أن اتفاقية السلام هي السبيل الوحيد نحو التحول من الشعارات الجوفاء إلى الواقعية السياسية، وهي السبيل الوحيد نحو تكريس الحوار بين الأديان السماوية، وكذلك الثقافات المقدسة، وأن التطرف الديني من أي دين كان لا يمكن أن يخدم شعوب المنطقة واستقرارها ونموها.

اقرأ أيضًا: اتفاق إسرائيلي- إماراتي يخلق واقعاً جديداً لصعود قوة إقليمية

إن اتفاقية السلام التاريخي تعني تكريس مفاهيم الدولة الوطنية والمصلحة الوطنية، وتضع الحكومة خيار الذات الوطنية من أهم أولوياتها وخياراتها الاستراتيجية، كما أنها في المقابل تعلن موت أيديولوجيات القرن العشرين وشعارات القومية الواهمة والإسلاموية المتطرفة.

لقد خسر العالم العربي بشكل عام ومصر بشكل خاص كثيراً في هذه القضية، واستنزفت طاقاتها وثرواتها ومصالحها الوطنية، وأدت تضحياتها بدماء شبابها إلى تراجعها النهضوي، ولهذا علينا أن نعيد بناء “الذات الوطنية” استراتيجياً وسياسياً من منطلق المصالح الوطنية الخاصة والتفاعل الحضاري مع دول العالم؛ لأن ذلك هو الطريق نحو بناء منظومة سياسية وطنية مستقرة اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً.

♦باحث عماني وكاتب في الدراسات الإنسانية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة