الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون دوليةشؤون عربية

ابن سعيد لـ”كيوبوست”: ينبغي تحرير مفهوم “الجهاد” من المتطرفين

زاد من تحريف معنى الجهاد الحقيقي في المرجعية الإسلامية التصرفات العنيفة لبعض المسلمين في أمريكا وأوروبا.. حسب خبير الاتصال والحوار الحضاري د.المحجوب بن سعيد

كيوبوست- حسن الأشرف

أكد الدكتور المحجوب بن سعيد، خبير الاتصال والحوار الحضاري، أن مفهوم الجهاد يكتنفه الغموض والالتباس؛ بسبب استعماله من طرف وسائل الإعلام الغربية بكثرة، لتبرير مواقف وتفسيرات وإصدار أحكام وتحليلات حول الإسلام والمسلمين؛ خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

وأفاد ابن سعيد، في حوار مع “كيوبوست”، أنه يتعين تحرير مفهوم الجهاد الذي خضع لعملية اختطاف وتشويه ممن يُسمّون أنفسهم “الجهاديين”، والعمل على إبراز جمالية الجهاد في الإسلام، مبيناً في هذا السياق أهمية تحقيق تعايش حقيقي بين الحضارات بالارتكاز على التربية على قيم الحوار واحترام التنوع الديني والثقافي واللغوي والحد من الصور النمطية المسيئة للشعوب والأديان.

وفي ما يلي نص الحوار:

شاركت مؤخراً في مائدة مستديرة بجامعة السوربون؛ لمناقشة كتاب “الجهاد المتوارث على التراب البلجيكي” للدكتورة عائشة باشا، الباحثة المغربية وعضو الأكاديمية الأوروبية للتنمية والبحث.. ما أبرز ماخلص إليه اللقاء الذي حضره خبراء دوليون في المجال؟

من أبرز الخلاصات التي تم التوافق بشأنها؛ الحاجة الماسة إلى اعتماد المقاربة السوسيولوجية والنفسية والتربوية لظاهرة “الجهادية” في بلجيكا وباقي الدول الأوروبية، وتشخيص طبيعة الديناميكيات ومحركات التيارات الجهادية الراهنة وماهية البيئة التي قد تعين على توارث هذه المفاهيم لدى الأجيال. كما دعا المشاركون إلى عدم الاكتفاء بالتقارير والتحليلات الإعلامية لظاهرة الجهاد والجهاديين في أوروبا، واعتماد البحث العلمي الرصين والتحليل الأكاديمي الموضوعي لمثل هذه الموضوعات والاحتياط من استعمال مصطلح الجهاد والجهاديين، والأخذ بعين الاعتبار دلالة المفهوم الصحيحة من الناحية اللغوية والمرجعية الدينية.

عناصر إرهابية

*مفهوم الجهاد اتخذ أبعاداً ودلالات كثيرة يعتقدها كل طرف وَفق أيديولوجيته وخلفيته الثقافية والدينية والعلمية.. ما معنى الجهاد الحقيقي؟ وهل ما يحصل في بعض بؤر التوتر في العالم يعتبر جهاداً؟

صحيح؛ أضحى مفهوم الجهاد يكتنفه كثير من الغموض والالتباس، بسبب استعماله من طرف وسائل الإعلام الغربية بكثرة لتبرير مواقف وتفسيرات وإصدار أحكام وتحليلات حول الإسلام والمسلمين؛ خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وبذلك استطاع الإعلام الغربي أن يكون العامل الرئيس في تكوين الصورة الذهنية في المتخيل الجماعي عن الإسلام والمسلمين في أمريكا وأوروبا، فنجح في تضليل المواطن الغربي العادي، لأنه لا يعرف عن الإسلام إلا ما تنقله وسائل الإعلام إليه من صور وأخبار وتحليلات وتعليقات موجهة توجيهاً يهدف إلى أن تتكون في ذهنية هذا المواطن العادي صورة مشوهة عن الإسلام.

ونتيجة لذلك أصبح الرأي العام الغربي يتجاهل أو يجهل المعنى الحقيقي لمفهوم الجهاد الذي أقرته الشريعة الإسلامية، واعتبرته آيات قرآنية كثيرة بأنه دفاع عن النفس وصد للمعتدي وليس هجوماً أو اعتداء على الآخر، كما أنه جهاد ضد النفس اللوامة الشهوانية. وقد زاد من تحريف معنى الجهاد الحقيقي في المرجعية الإسلامية التصرفات العنيفة لبعض المسلمين في أمريكا وأوروبا؛ مثل تفجير محطات القطارات والمترو.. وغيرها من السلوكيات التي تتنافى ومبادئ الإسلام السمحة وتتعارض مع الأخلاق الإسلامية الداعية إلى السلم واحترام الآخر.

اقرأ أيضًا: الحد من خطر استخدام الإرهابيين الطائرات المسيرة أولوية عربية

* هناك تقسيم فقهي رائج لمفهوم الجهاد بين جهاد الطلب وجهاد الدفع.. وهناك مَن يقول إن جهاد الطلب لا يصلح اليوم،كما أنه يصنع الأعداء أكثر ما يصنع الأصدقاء..ما رأيك؟

حظي مفهوم الجهاد باهتمام الفقهاء والمفكرين والباحثين قديماً وحديثاً، وصدرت حوله دراسات وكتب ومقالات، ونُظمت بشأنه مؤتمرات وندوات تمحورت حول مفهومه في القرآن والسُّنة، وفي الاصطلاح الفقهي، وفي السياق الدولي المعاصر. ويتفق اليوم كثير من الباحثين على أن مفهوم الجهاد من أبرز المفاهيم التي تعرضت إلى تلبيس وابتذال شديدَين منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ودعا كثير منهم إلى تحرير مفهوم “الجهاد” الذي خضع لعملية اختطاف وتشويه ممن يُسمّون أنفسهم “الجهاديين”، والعمل على إبراز جمالية الجهاد في الإسلام بتخليصه من الصورة القبيحة التي أصبح يقدَّم بها إلى العالم.

نعم.. تسبب الفهم الخاطئ للمعنى الحقيقي للجهاد في ردة فعل لدى الغربيين، وقدم فرصة سانحة للعنصريين من أحزاب اليمين المتطرف والجماعات المتعصبة الكارهة للوجود الإسلامي في الغرب لإيذاء المسلمين والمطالبة بطردهم.

تظاهرات في الغرب ضد الإسلام- وكالات

وقد استغلت وسائل الإعلام الغربية هذه التصرفات المشينة لتغذية الخوف من الإسلام والمسلمين وتشويه صورتهم وترويج مصطلح “الجهاديين” وإطلاقه على الشباب الذين هاجروا ديارهم وأهلهم واتجهوا نحو بؤر التوتر في سوريا والعراق وأفغانستان؛ للالتحاق بمعسكرات “داعش”، من أجل ما يسمونه “الجهاد في سبيل الله ومحاربة الطاغوت”.

* يبدو أن التطرف والتشدد الديني يغذيان الإرهاب الذي يسميه البعض جهاداً..برأيك ما أبرز مسببات ودوافع انتشار التطرف الفكري والديني في المجتمعات الإسلامية؟

من ضمن الأسباب التي تُسهم بفعالية في ذلك، أن التنظيمات الإرهابية والمتطرفة تتخذ من الأديان والكتب السماوية ستاراً لتبرير أعمالها ومطية لتحقيق أهدافها السياسية والأيديولوجية من خلال التغرير بالشباب بواسطة مضامين فكرية متطرفة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بانتشار الأمية والفقر والفساد السياسي والاجتماعي وفشل المنظومة التعليمية والتربوية، وتراجع دور الأسرة وضعف برامج التوعية الدينية وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والتسامح واحترام الآخر بين صفوف الأطفال والشباب.

* ما الحلول والوسائل لمحاربة التطرف الديني؟

هناك حلول كثيرة لا يتسع المقام لاستعراضها؛ لكن من أهمها محاربة الجهل والأمية والنهوض بالمخططات التنموية الاقتصادية والاجتماعية، للحد من الفوارق الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من انتشار البطالة، وتشجيع حرية التعبير والرأي المسؤول، وتدريب النشء على التفكير النقدي، وإشراك المثقفين والعلماء والباحثين في التواصل مع الجمهور عبر وسائل الإعلام الجماهيرية للتوعية بمخاطر التطرف والانعزال والتشدد، ومراجعة برامج تكوين الوعاظ والمرشدين والخطباء، وتوعية الآباء والأمهات بضرورة الاهتمام بأبنائهم ومجالستهم، وتعزيز التواصل معهم؛ لحمايتهم من مخاطر الاستعمالات السيئة لوسائل الاتصال الحديثة.

اقرأ أيضاً: الإمارات والمغرب ضمن البلدان الأقل تعرضاً لتهديدات الإرهاب

* كيف يمكن تقييم التجربة المغربية في محاربة التطرف والتشدد، وأيضاً في محاربة الخلايا الإرهابية داخل وخارج البلاد؟

تعد التجربة المغربية في مجال محاربة التطرف والتشدد متميزة؛ كونها تستند إلى استراتيجية شاملة ومتكاملة ومندمجة تم الشروع في تنفيذها منذ أحداث 2003؛ تستحضر في برامج عملها الأبعاد الفكرية والدينية والثقافية والاقتصادية والسلوكية والإجرامية والأمنية والاستخباراتية، وتعتمد المقاربة الاستباقية والمتكاملة في تفكيك المنظمات الإرهابية، مع الالتزام بمبادئ دولة القانون والديمقراطية وحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية، إضافة إلى العمل بآليات التعاون الدولي في المجال الأمني.

قوات الأمن المغربية تواجه الإرهاب

وتميزت التجربة المغربية كذلك باعتماد سلسلة من التدابير شملت تعزيز الترسانة القانونية وتحديث الجهاز الأمني، وإصلاح الحقل الديني وتعزيز التنمية السوسيو-اقتصادية، فضلاً عن التعاون متعدد الأطراف في مجال مكافحة الإرهاب.

التجربة المغربية أصبحت رائدة على الصعيد الإقليمي والدولي، فحظيت بالتنويه والثقة من دول عربية وأوروبية، ولذلك اختارت الأمم المتحدة عاصمة المغرب الرباط مقراً لمكتب برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والتدريب في إفريقيا، كما دعت القمة العربية الأخيرة في الجزائر إلى الاستفادة من التجربة المغربية في مجال مكافحة الإرهاب.

* “صراع الحضارات”..المفهوم الذي راج بشكل كبير خصوصاً بعد مؤلف صامويل هنتنغتون، وربما قبله عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة.. هل هناك بالفعل صراع أو صدام للحضارات في خضم الترويج المكثف لما يُسمى تعايش الحضارات؟

شغلت قضية صراع الحضارات المنظمات الإقليمية والدولية ومعاهد ومراكز البحث والدراسات الاستراتيجية والسياسية؛ فتشكَّل تيار قوي ما فتئ يتنامى على الصعيد الدولي، ويسعى إلى تعزيز أطروحة مفادها أن الخيار البديل لصدام الحضارات هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية مع بعضها بعضاً، بما يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة.

وبالتالي، فإن الافتراضات التي وضعها هنتنغتون ليست صحيحة من الناحية التحليلية الاستقرائية للواقع والتاريخ، ومن ثمَّ لا تعدو أن تكون افتراضات وهمية وتصورات غير واقعية جعلت العقلاء الغربيين أنفسهم، من ساسة وحكام وخبراء استراتيجيين، يدعون إلى إعادة النظر في مقولة صراع الحضارات والحديث عن نظريات حوار الحضارات المبنية على إبراز حق الاختلاف وتصادم المصالح وتنازع الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية؛ ولكن مع إقرار واجب الحوار والتفاهم والتواصل.

جانب من المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات بمدينة فاس المغربية

لقد حصل الاقتناع اليوم بأن الخيار البديل لصدام الحضارات هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية مع بعضها بعضاً بما يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة، على اعتبار أن التفاعل عملية صراعية ولكنها متجهة نحو البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الراهن، عكس نظرية صدام الحضارات التي هي مقولة صراعية تدفع الغرب بإمكاناته العلمية والمادية للممارسة والهيمنة ونفي الآخر والسيطرة على مقدراته وثرواته تحت دعوى وتبرير أن نزاعات العالم المقبلة سيتحكم فيها العامل الحضاري، وأن مجالها الجغرافي سيكون بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.

اقرأ أيضاً: 84 دولة تتوعد من المغرب بتفكيك شبكات تنظيم “داعش” الإرهابي

* يبدو أن الحروب اليوم لم تعد حروباً عسكرية بقدر ما صارت حروباً اقتصادية وثقافية وحضارية بالأساس..برأيك، ماذا يتعين على العالم فعله لنصل بالفعل إلى إرساء تعايش حقيقي بين الحضارات الثقافية؟

هناك إجراءات ومبادرات كفيلة بتحقيق تعايش حقيقي بين الحضارات تشتغل عليها منذ سنوات الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية؛ ومنها التربية على قيم الحوار واحترام التنوع الديني والثقافي واللغوي والحد من الصور النمطية المسيئة للشعوب والأديان الموجودة في كثير من المقررات والكتب المدرسية والبرامج الإعلامية، ودعم وإشراك المؤسسات الأهلية الموازية للعمل الحكومي؛ للقيام بمهامها في خدمة ثقافة الحوار والتحالف بين الثقافات، وتشجيع ظهور مثل هذه المؤسسات لتكون منتديات معززة للحوار والتعايش، انسجاماً مع مضامين وثيقة تعهدات الرباط، والاستفادة من خبرات الشبكات الوطنية والدولية في مجال الحوار بين الثقافات وتحالف الحضارات.

الحضارات متعايشة ومتكاملة في ما بينها وتشكِّل ما يُعرف بالحضارة الإنسانية، ولعل تمكين الشعوب من حقها الطبيعي في الحرية والكرامة والعيش والأمن واحترام خصوصياتها الدينية واللغوية والثقافية كفيل بإرساء تعايش حقيقي بين الحضارات وتفاعل إيجابي بين الثقافات وتحقيق السلم والأمن العالميَّين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة