الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحوارات

إيهاب الملاح لـ”كيوبوست”: مهاجمو طه حسين لم يقرأوا كتاباته أو يناقشوها

تحدث الكاتب والناقد إيهاب الملاح عن كتابه «طه حسين ـ تجديد ذكرى عميد الأدب العربي» الذي حصد جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب بدورته الأخيرة

كيوبوست

إيهاب الملاح بعد تسلم الجائزة

حصد الكاتب والناقد إيهاب الملاح جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 53، في فرع العلوم والدراسات الإنسانية، عن كتابه «طه حسين ـ تجديد ذكرى عميد الأدب العربي»، الصادر أخيرًا، ويلقي الضوء على مسيرة عميد الأدب العربي؛ فكريًّا وثقافيًّا وإنسانيًّا.

في لقاءٍ خاص مع “كيوبوست” تحدث إيهاب الملاح عن الكتاب، ومحاوره، والأهداف التي سعى لإبرازها من خلاله، والمصادر التي استند إليها، فإلى نص الحوار…

* حدثنا عن فكرة الكتاب والوقت المستغرق لخروجه إلى النور؟

– الكتاب ببساطة نتاج عمل وقراءة وبحث لمدة تقرب من عشر سنوات، وهو بمثابة “المدخل” لمشروع كبير أعمل عليه منذ سنواتٍ طويلة عن طه حسين، وأثره العميق والجذري في بنية الثقافة المصرية والعربية، منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن، وأعتبر أن هذا الكتاب عن عميد الأدب العربي، يجيء بقلم واحدٍ من أحفاد أحفاده، إذا جاز التعبير، بالمعنى العلمي والثقافي والحضاري، فقد تخرجتُ في كلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها؛ القسم التنويري الأهم والأعرق في جامعاتنا المصرية والعربية على السواء، وتتلمذتُ على يد أساتذة عظام، تتلمذوا بدورهم على تلامذة طه حسين؛ ممن أدركوا أهمية وقيمة الأدوار التنويرية والحضارية والثقافية التي أداها طه حسين لأبناء وطنه، وأبناء أمته وثقافته العربية.

وأغلب فصول الكتاب نشر في صورته الأولى كمقالاتٍ ودراساتٍ متفرقة على مدى السنوات العشر السابقة على ظهوره، والكتاب يقع في 350 صفحة من القطع المتوسط، ويمثِّل بانوراما تعريفية مكثفة بعميد الأدب العربي، ويغطي التعريف بسيرته ونشأته، ومراحله التكوينية والمعرفية والثقافية، والتعريف بإرثه التأليفي، والترجمات وتحقيق التراث، ودوره الأكاديمي والمؤسسي والتنويري، ومعاركه التي خاضها في سبيل تحرير العقل العربي، مع ملاحق ونصوص وصور وببليوجرافيا أولية بإنتاجه المنشور في دار المعارف المصرية؛ خلال الفترة من 1930 وحتى رحيله في عام 1973.

خلال تسلم الجائزة من وزيرة الثقافة المصرية

* ثمة تضارب في بعض المعلومات الواردة عن مواقف الدكتور طه حسين كيف تعاملت معه؟

– يجلِّي الكتاب؛ أو هكذا يتمنى مؤلفه، أبرز وأهم مراحل طه حسين التكوينية والفكرية والمعرفية، ويجلِّي أدواره ومواقفه ويحاول أن يرسم صورة واضحة المعالم محددة القسمات لوجوه طه حسين المتعددة؛ والإمساك بمفاصل أدواره الكبرى في الثقافة والتعليم، وداخل الجامعة وخارجها، وفي المجال العام، وتحليل كذلك ما تعرض له من هجومٍ كاسح وتشويه لا أخلاقي على يد خصومه من التيارات الدينية وبالأخص تيارات الإسلام السياسي، اجتهد الكتاب في تجلية ذلك كله، وآمل مخلصًا أن أضعه بين يدي كلِّ مَنْ سألني بصِدْق: ومن يكون طه حسين؟ وماذا قدَّم لنا ولثقافتنا المصرية والعربية؟ ولماذا نتذكره الآن ونُجدِّد ذكراه؟ وأتعشَّم أن يجد الباحث والقارئ إجابة محتملة مقبولة في هذا الكتاب.

* إرث طه حسين الذي لم يخرج للنور في حياته وكيفية التأكد من انتسابه إليه؟

– بالتأكيد هناك حاجة ملحة وضرورية لتضافر الجهود الرسمية والمؤسسية للحفاظ على إرث طه حسين الثقافي والفكري والمعرفي والإنساني، وضرورة إنشاء مكتبة جامعة خاصة بإرث طه حسين في التأليف والترجمة والتحقيق، والمقدمات التي كتبها لمؤلفات وترجمات، أو التعليقات والتقريظات النقدية، ومقالاته المنشورة وغير المنشورة. وقد اضطلعت دار الكتب والوثائق القومية في مصر بإخراج 6 مجلدات من مقالات طه حسين السياسة والاجتماعية وفي التربية والتعليم، وكذلك حصر وجمع كل ما كتب عنه بالعربية وغيرها، والدراسات التي تناولته وعالجت جوانب من فكره وأعماله.. إلخ، وكذلك العمل على إشاعة الموروث الأدبي والثقافي الذي تركه طه حسين وقرناؤه من أعلام النهضة الفكرية والأدبية في الثقافة العربية، وتأكيد حضوره الإبداعي في الأذهان، واستغلال وسائل الإعلام المختلفة في ذلك.

* ما هي أبرز المعارك الفكرية اللي ركز عليها الكتاب؟

– تقريباً غطَّى الكتاب أهم وأبرز معارك طه حسين الكبرى؛ بدءا من المعركة التي دارت حول أطروحته «تجديد ذكرى أبي العلاء» (1915)، مرورا بمعركة «في الشعر الجاهلي» (1926)، ومعركة «مستقبل الثقافة في مصر» (1938)، ومعارك طه حسين الأخرى حتى سنواته الأخيرة.

اقرأ أيضاً: كيف تجعلك القراءة أكثر ذكاءً وتعاطفاً مع الآخرين؟

* تناول الكتاب مواقف طه حسين في مواجهة التطرف، حدثنا عن هذه النقطة؟

– كان طه حسين هو الشخصية الأهم والأكبر (وبعده نجيب محفوظ) من قاماتنا التنويرية التي طالها التشويه والهجوم اللا أخلاقي البشع الذي تعرض له، وخصوصًا بعد مماته من قبل أنصار تيار الإسلام السياسي؛ ومنذ منتصف السبعينيات وحتى وقتنا هذا، لم يُكتب كتاب واحد يرد على هذه الاتهامات البشعة، والافتراءات المكذوبة، والادعاءات المفبركة، وهي كلها مما تربَّى عليه أبناء هذا التيار لسنوات وسنوات دون أن يقرأوا له حرفًا؛ فلم يناقش واحد منهم رأيًا لطه حسين، ولا قرأه في شموله وفي ضوء مشروعه الثقافي والحضاري العام.

وطيلة ما يقرب من خمسين سنة كانت حملاتهم التنفيرية البشعة تقوم على اقتطاعات واجتزاءات بمنطق “ولا تقربوا الصلاة” حتى يتم صرف الناس عنه، وعن قراءته، والتعرف على أعماله ومؤلفاته التي غطت تقريبًا كل مجالات المعرفة الرصينة؛ أدبًا ولغة ونقدًا وتاريخًا واجتماعًا وفلسفة وسياسة وترجمة.. إلخ.

كان طه حسين، وما زال، أكبر من كل محاولاتهم الكريهة لتشويهه وتشويه سيرته، والتعمية على أفكاره الناقدة المسائلة المراجعة، وبصيرته النقدية والمعرفية التي لم يستطيعوا التصدي لها، ولا القضاء على أثرها حتى اللحظة. وقد خصصت فصلًا كاملًا في الكتاب بعنوان (لماذا يكره الإسلاميون طه حسين؟)، وآخر عن محاولات منظريهم الذين كرسوا جهودهم لاغتيال طه حسين معنويًّا بكل معنى الكلمة.

من الصور النادرة بالكتاب

* اتهم طه حسين بالصهيونية، كيف ظهر هذا الاتهام وكيف تم توظيفه ضده وأثره عليه؟

– عقدتُ فصلًا كاملًا لمناقشة هذا الاتهام وتحليله، والرد عليه، من واقع نصوص ومواقف طه حسين ذاته؛ وأظن أن الفصل قد تناول هذا الموضوع من جوانبه ككل؛ وكالعادة كان هذا الرأي قائمًا على توظيفٍ مخل ومنقوص ولا أخلاقي لاجتزاءاتٍ مقتطعة من سياقها في مسيرة طه حسين، نصوصًا أو مواقف، وقد ناقش الكتاب تفصيلًا هذه الاتهامات التي لم تصمد لا لمواقف طه حسين الثابتة والتاريخية تجاه القضية الفلسطينية منذ 1948 وحتى وفاته، ولا لنصوصه وكتاباته التي تبدِّد هذه الاتهامات وتنسفها من أساسها.

*كيف تم اختيار الشخصيات المنتقاة في الكتاب لرصد ما كتبته عن طه حسين ؟

– عنوان الباب الثاني من كتابي (حول العميد.. طه حسين في مرايا الأجيال)، في هذا الباب، عرضتُ نماذج لصور متعددة ومتباينة للعميد من أبعد نقطة في الزمان إلى أقربها منه زمانًا ومكانًا!

فهو الأستاذ الملهم المؤثر في نفس وعقل أكبر أديب مصري عربي في القرنين الأخيرين، وهو رائده الذي غرس فيه قيمتين آمن بهما طوال عمره ولم يفارقه إيمانه بهما حتى لفظ أنفاسه الأخيرة؛ «الحرية» و«العدل»؛ وهما مدار أدب وكتابات نجيب محفوظ كلها، وهو الإنسان رقيق المشاعر مرهف الحس، العاشق المفتون بمن أحبَّ؛ زوجه ورفيقة عمره (سوزان) التي سترينا العميد في لحظات صفائه الوجداني، وبعيونٍ أحبته، وقلبٍ حَنَا عليه، وعقل آمن به، فسجلت رحلتها معه في كتابها «مَعَك»، وهذا تلميذه السوري النابه سامي الكيالي يسجل بحروفٍ من نور رحلته الإنسانية والمعرفية لأستاذه الذي لازمه أكثر من ثلاثين عامًا، وظل في معيته حتى رحل قبل أستاذه بعام واحد، وإن ترك لنا ما يبقيه حيًّا مذكورًا مع طه حسين.

وها هي سهير القلماوي؛ تلميذته الأثيرة التي حباها عنايته وتعهدها بالرعاية والاهتمام، وأشرف عليها في حياتها كلها منذ اتصلت بينهما الأسباب، وليس فقط في الجامعة من خلال رسالتيها للماجستير والدكتوراه، فجددت ذكراه بعد عامٍ واحد من رحيله. وهذا المتمرد الصاخب، صاحب العقل الهادر، لويس عوض يودع أستاذه بما يقرنه به إلى ما شاء الله؛ يودعه علمًا ومعرفةً لا رثاء وبكاء، يبرز قيمته وقيمه وأفكاره التأسيسية الكبرى، ويلقي أضواء كاشفة ومبينة على ما سعى إليه طه حسين طوال حياته. باختصار، اخترتُ أبرز الشخصيات التي قرأت العميد، ورأته واقتربت منه، من زوايا ومنظورات مختلفة لتقدم في النهاية بورتريهًا إنسانيًّا وثقافيًّا وفكريًّا رائعًا وغير مسبوق لشخصية طه حسين.

من الصور النادرة بالكتاب

* حدثنا عن شعورك بعد فوز الكتاب بجائزة معرض الكتاب في مجال الدراسات الإنسانية؟

– حصد الكتاب جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 53 فرع العلوم والدراسات الإنسانية، وهو الاستحقاق الأول والأهم لي في مصر، تعني لي الجائزة، وهذه الجائزة بالأخص، الكثير، فعلى المستوى الشخصي هذا هو التكريم الأول في بلدي، وبين أهلي وناسي، لقد كرِّمت في السنوات السابقة مرات عدة خارج مصر، ونلت العديد من التقديرات والجوائز، لكن هذه المرة الأمر مختلف، هو تكريم وتشريف وتقدير كبير لأنه من مصر، وفي بلدي، وبين أهلي وناسي، وهذا يسعدني حقيقة ويرضيني غاية الرضا والسعادة.

وثانيا؛ لأن هذه الجائزة تربطني بأواصر مشتركة وتقرن اسمي باسم أستاذي الجليل الراحل د.جابر عصفور الذي رحل عنا قبل شهرين، وإنني أهدي إلى روحه هذه الجائزة من ابن وتلميذ إلى أب وأستاذ جليل. كانت جائزة د.جابر عصفور الأولى هي جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة للكتاب عام 1982 عن كتابه «المرايا المتجاورة دراسة في نقد طه حسين»، وهذه جائزتي الأولى في مصر، وفي معرض الكتاب أيضًا، وعن طه حسين، وبين الجائزتين أربعون عاما، وفي الوصل بينهما، ما يدل على أسمى معاني الانتساب إلى إرث طه حسين المعرفي والثقافي وهو الجد والأستاذ المؤسس، ثم أجيال وأجيال من التلاميذ والأبناء والأحفاد، وأتمنى أن أكون حفيدًا مشرفًا لطه حسين.

اقرأ أيضاً: الروائية إليف شافاق: “لطالما آمنت بالألم الموروث”

* كيف ترى اختيار طه حسين ليكون الشخصية المحورية لمعرض أبوظبي للكتاب؟

– اختيار طه حسين شخصية معرض الكتاب في أبوظبي هذا العام يحمل دلالات عدة ومهمة؛ فخلال الأدوار المتعددة التي قام بها طه حسين، وخلال الكتابات المتنوعة التي كتبها، والمواقف المشهودة التي انطلق منها، والتصورات المستشرفة التي صاغها، في هذا كله بلور طه حسين ميراثًا عظيمًا في وجهتين: وجهة رصد مشكلات حضور العربية في أغلب هذه المجالات، في زمنه بالطبع، ووجهة البحث عما يمكن أن يتخطى هذه المشكلات، في المستقبل الذي أطلّ عليه.. وقد قدم اجتهادات كبيرة القيمة تصلح في زمننا لتأملها، ولغربلتها، وللتشييد على ما يصلح منها لأن يمكث في الأرض.

وأخيرًا، فلعل الدلالة الرئيسية في هذا الاختيار الموفق لشخصية العام الثقافية في أبوظبي، هو حرص دولة الإمارات العربية المتحدة؛ قيادة وشعبًا، على إشاعة قيم التسامح والسلام واحترام الآخر والتواصل المعرفي والحضاري ومحاربة التطرف، ونبذ التعصب وإحياء القيم الإنسانية النبيلة؛ ولقد توج ذلك كله باختيار طه حسين، بوصفه رمزًا ثقافيًا وهب حياته للتفكير العلمي والإنتاج المنهجي الجاد، وإن عالمنا العربي ما زال في حاجة أكيدة وملحة إلى استكمال دوره وتوسيع أثره في مرحلته الراهنة التي يمر بها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة