الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون دولية

إيفلين بوكلر لـ”كيوبوست”: الإخوان المسلمون يشكلون تحدياً كبيراً للمجتمع المفتوح في ألمانيا

في مقابلةٍ خاصة تحدثتِ الباحثةُ بالعلوم السياسية بمعهد الدراسات الإسلامية في جامعة مونستر الألمانية الدكتورة إيفلين بوكلر عن الإسلام والتطرف في ألمانيا فضلاً عن مسألة استهداف اللاجئين في هذا البلد

كيوبوست

إيفلين بوكلر

أكدت الدكتورة إيفلين بوكلر، الباحثة بالعلوم السياسية في معهد الدراسات الإسلامية بجامعة مونستر الألمانية، أن المجلس الإسلامي لا يمثِّل كل مسلمي ألمانيا، مشيرة إلى أن هناك مشكلة بسبب حاجة الدولة الألمانية لشريكٍ يعبِّر عن المسلمين، يمكن التحدث معه.

وتطرقت في مقابلةٍ خاصة مع “كيوبوست” إلى وضعِ المسلمين في ألمانيا، محذرة من خطورة استهداف الجماعات المتطرفة للاجئين، وقرار وزارة الداخلية الألمانية حل لجنة الخبراء، وغيرها من التفاصيل، وإلى نص الحوار…

* كيف ترين قرارَ وزارة الداخلية الألمانية المتعلّق بحَلِّ لجنة الخبراء التي جرَى تشكيلها العام الماضي في إطار إجراءات مواجهة التطرف؟

– قام وزير الداخلية السابق، هورست سيهوفر، المنتمي لحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا، بتأسيس هذه اللجنة بالحكومة السابقة، ورسمياً كانت مدة اللجنة المقررة عاماً واحداً، استعداداً للانتخابات في ألمانيا، بناءً على هذا القرار الذي حدَّد مدة اللجنة، قامت الوزيرة الحالية نانسي فايزر المنتمية للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني بحَلِّ اللجنة. والسبب الرسمي لحل اللجنة، إذن، هو أنّه كان المخطط لها بالعمل لمدة سنة واحدة، لكن في النهاية يبدو أنّ القرار سياسي، فالوزيرة الجديدة تريد تعزيز المواجهة ضد اليمين المتطرف، والإسلاموفوبيا، وهذا أمر مهم بالطبع، ولكنّه مؤشّر سلبي بالنسبة للإسلام السياسي، فهذا القرار قد يشير إلى أنّه لا توجد مشكلة بالنسبة لألمانيا مع الإسلاموية، وهذا ليس صحيحاً، بالإضافة إلى ذلك، فعلى ألمانيا أن تكون حذرة من استبدال نوع من أنواع التطرف بآخر، وأن تكون قويّة في مواجهة أي نوع من أنواع التطرّف، التطرّف اليميني والإسلاموفوبيا، والتطرّف اليساري والإسلاموية كتطرّف ديني، ولكن ربما ستكون هناك إمكانية لإحياء دور لجنة الخبراء بشكلٍ مشابه تحت كتلة التميّز “الدين والسياسة” في جامعة مونستر.

تثير جماعة الإخوان المسلمين قلقاً في ألمانيا

* جرَت مؤخراً تغييرات في مجلس إدارة المجلس الإسلامي، هل تعتقدين أن المجلس الإسلامي يمثل المسلمين في ألمانيا حقاً؟

– لا، المجلس الإسلامي لا يمثل كل مسلمي ألمانيا الذين يتراوح عددهم بين 5.3 و5.6 مليون شخص، ولا يتجاوز عدد أعضائه أربعين إلى ستين ألف شخص، ولكن ما هو أهم من عدد الأعضاء، ففي استطلاعٍ تمثيلي قال 17.1% من المسلمين الذين شملهم الاستطلاع إنهم قد سمعوا بالمجلس، وقال 2.7% إنهم يشعرون بأن المجلس يمثلهم، و3.7% قالوا إن المجلس يمثلهم نوعاً ما، وأكد 8.4% أن المجلس لا يمثلهم، بينما قال 82.7% إنهم لا يستطيعون الإجابة على هذا السؤال لأنهم لا يعرفون هذا المجلس أصلاً.

بالإضافة إلى ذلك، فهنالك تحدٍّ جوهري، فهناك 13 منظمة تحاول تمثيل المصالح المتعددة للمسلمين في ألمانيا، ولكن الأمر الذي يتم التغاضي عنه غالباً هو أن المسلمين في ألمانيا ينتمون إلى خلفياتٍ اجتماعية ومعتقداتٍ مختلفة عن عقيدتهم الدينية، المجلس الإسلامي مرتبط بالمجتمع ذي الجذور التركية، وقد أجاب 21.2% منهم بأنهم يعرفون المجلس الإسلامي، بينما لم يتجاوز عدد هؤلاء بين مسلمي الشرق الأدنى ما نسبته 6.5%.

والمشكلة الآن هي أن الدولة الألمانية بحاجة إلى شريكٍ مسلم لتنظيم حياة المسلمين فيها، (على سبيل المثال المناهج المدرسية). الديانة المسيحية لها تراتبية هرمية منظمة، وهناك مؤسسات شريكة للحكومة الألمانية يمكنها الاعتماد عليها، بينما يفتقر الإسلام إلى مثل هذا النظام. من يتحدث باسم المسلمين؟ إنه تحدٍ جوهري أساسي، لأن منظمات مثل المجلس الإسلامي تحاول شغل هذا الفراغ، وتدعي تمثيل المسلمين في ألمانيا. وهذا سيضع المجلس في موقف قوي للغاية حيث سيستطيعون التفاوض مباشرة مع الدولة، وفرض تصورهم عن الحياة الإسلامية في ألمانيا، وهذا التصور يخضع لتأثير الدولة التركية.

تفرض ألمانيا قيوداً مشددة على الجماعات التي يشتبه في علاقاتها بالمتطرفين- وكالات

* ماذا عن سياسات الإخوان المسلمين في ألمانيا، كيف ترينها، وهل لها تأثير وحضور بين أصحاب القرار؟

– الإخوان المسلمون يشكلون تحدياً كبيراً للمجتمع المفتوح في ألمانيا، فهم يحاولون إرساء قواعدهم بطرق سلمية، والتأثير على السياسة باسم فهمهم للإسلام، وهم يفعلون ذلك باستخدام الدستور الليبرالي الذي يعطي صراحة الحق لمختلف الجهات الفاعلة في المشاركة في وضع السياسات، ما دامت هذه الجهات الفاعلة لا تتجاوز حدود الدستور، وإذا ما استخدمت إحدى الجهات الفاعلة استراتيجيات سلمية لتغيير منظومةٍ ما، يكون من الصعب تحديد متى تصبح هذه الجهة مصدر تهديد بالخروج عن العملية الدستورية، وتختلف تقييمات الخبراء كثيراً بشأن هذه المسألة، وأنا أعتقد أن الإخوان المسلمين يحاولون التأثير على صناع القرار من خلال التأكيد على حقوقهم الدستورية، واستخدام هذه الحقوق لخدمة مصالحهم. وفي نفس الوقت، أشك في استعدادهم لحماية هذا الدستور ونظام المجتمع، لأنه يحمي الحق في تغيير الدين، وحرية الخيارات المتعلقة بالحياة الجنسية، وهنا أيضاً تبرز مشكلة جهل الكثير من صناع القرار بالإسلام كدين، والكثير منهم لا يريدون أن يكونوا عدوانيين تجاه الإسلام والأجانب، ولذلك تراهم يقبلون بممارساتٍ لا تتناسب مع الدستور، وهذه الممارسات غالباً ما تكون غير إسلامية بالتأكيد، وأخيراً فإن بعض صناع القرار يأخذون مواقفَ ضعيفة للغاية تجاه المتطرفين، وهنا يبدأ التأثير الخطير.

اقرأ أيضًا: المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا: تاريخٌ موجز

* هل تعتقدين أن هناك محاولاتٍ من قبل المنظمات المتطرّفة لاستغلال اللاجئين؟

– نعم، أعتقد أنّ اللاجئين مستهدفون من قبل الجماعات المتطرّفة، فهم يتحدثون معهم على أنّهم “الآخرون” الذين يختلفون عن “بقية المجتمع الألماني” لأنّهم مسلمين، تقوم هذه المنظمات باستخدام هذه الاستراتيجية لعزل الناس عن مجتمعهم أو بالأحرى ليمنعوا اندماجهم بالمجتمع، لأن ذلك يسمح لهم باستقطاب المجتمع بين “نحن المسلمين” و”هم” (الآخرون). بالمجمل، ترحّب هذه التنظيمات بأي شيء يساعد على زعزعة استقرار المجتمع عن طريق التفكك والاستقطاب، إلّا أن ألمانيا تتمتع بمجتمعٍ منفتح مصحوب بدولةٍ محايدة دينياً، فلا فرق إن كنت ألمانياً مسيحياً، أو مسلماً، أو ملحداً؛ والمهم أن تكون متوافقاً مع الدستور.

مقر المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا

* عددٌ كبير من المؤسسات الإسلامية مرتبط بتركيا، وبحسب بعض الإحصاءات تبلغ نسبتهم ما يقارب 50%. هل تعتقدين بوجود تأثيرٍ سياسي على عمل هذه المؤسسات؟

– نحن ندرك أن تركيا تحاول التأثير على المجتمع والعلم والسياسة في ألمانيا بشتّى الطّرق، وهناك منظمات مرتبطة بـ”مديرية الشؤون الدينية التركيّة”، فالأتراك يزعمون أنهم يمثلون جميع المسلمين الموجودين في ألمانيا، وليس فقط الألمان من أصول تركية، بل العرب وغيرهم من المسلمين، وهذا يعزّز الادّعاء العام بأنّ تركيا هي الممثّل الأوّل في العالم الإسلامي.

*هل تعتقدين أن الاستراتيجية الألمانية لمواجهة التطرف الإسلامي واضحة؟ أم تعتريها ثغراتٌ تستغلها المنظمات المتطرفة؟

– أعتقد أنها يمكن أن تكون أكثر وضوحاً، وترجع ضبابيتها إلى عدم وجود مفهوم مشترك، فأولاً هناك السياسة الفيدرالية التي تصوغها ثلاثة أحزاب سياسية مختلفة، والتي تتكون منها الحكومة، وثانياً، لأن ألمانيا دولة اتحادية، حيث تتمتع المقاطعات بمساحةٍ واسعة من الاحتمالات للمشاركة في القضايا والعمليات السياسية المهمة، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على قضية التعامل مع التطرف، وكثيراً ما تتوصل المقاطعات المختلفة إلى نتائج مختلفة، عندما تحاول العثور على حلول لمواجهة التطرف، أيضاً بسبب اعتمادها على الأحزاب السياسية الحاكمة محلياً، لكن هذا الأمر طبيعي بالنسبة لنظامٍ سياسي فيدرالي يريد أن يكون منفتحاً وتعددياً، تتحكم به مجموعة من الضوابط والتوازنات، وقد يكون ثمن ذلك نقاط ضعف معينة تفتح عدداً من الثغرات في التعامل مع التطرف الإسلامي، وهنا يجب التوصل إلى توازن معين، القوة والتميز في مواجهة التطرف، مع المحافظة على مجتمعٍ منفتح في نظام متوازن يتحكم بالسلطة.

تحاول ألمانيا مواجهة التطرف بمختلف الطرق- وكالات

* هل انحسر تهديد التطرف في ألمانيا، في السنوات الأخيرة؟

– لا، لا أعتقد ذلك، ربما يكونون قد غيروا من استراتيجياتهم، وباتوا يستخدمون أساليب أكثر توافقاً مع القانون، إن تهديد الجماعات الإسلامية التي تعمل ضد النظام الديمقراطي الحر لا يزال قائماً وخطيراً، وهي تحاول استغلال الأزمة مع روسيا، بعد سنواتٍ من الضعف بسبب جائحة كوفيد-19 لزعزعة استقرار المجتمع، وهناك أمر لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا، هناك أشخاص ليسوا حريصين على المحافظة على النظام، ويرغبون بمجتمع يتميز بقيم ومعايير مختلفة، سلامنا غير سلامهم، وكل ما يؤذي ألمانيا هو مفيد لهم.

* هل تتوقعين تعديلاتٍ قانونية من البرلمان الألماني، فيما يتعلق بمواجهة التطرف ومكافحة غسيل الأموال؟

– ليس لديّ معلومات بهذا الشأن، ولكنني أعتقد أن القوانين الألمانية توفِّر الكثير من الخيارات لمكافحة التطرف، إذا ما تم تطبيقها.

* هل تعتقدين أنه من الصعب التوصل إلى صيغةٍ مشتركة لمواجهة التطرف في أوروبا؟

– بالتأكيد، إن التوصل إلى صيغة مشتركة هو أمر صعب، ويرجع ذلك لأسبابٍ عديدة. وقد تم البحث في المفاهيم الوطنية بشكلٍ مكثف ومتباين، كما ذكرت سبقاً، بما يعكس المواقفَ المختلفة ضمن المجتمع، انطلاقاً من البحث في كيفية التعامل مع الأديان. فمن ناحيةٍ، نجد مواقف تميل إلى الفصل التام بين الدين والدولة، ومن ناحيةٍ أخرى، هنالك مقاربات أكثر مرونة في التعامل مع الدين، تمنح الأديان إمكاناتٍ واسعة في صنع السياسات الداخلية في المجتمع ما دام أنها لا تتعارض مع الدستور. وهذا التعاطي المختلف مع الدين هو نتيجة لتطوراتٍ مختلفة في تاريخ الدين بين الدول الأوروبية.

علاوةً على ذلك، فهناك مفاهيم مختلفة للتطرف، متى يبدأ، وما هو تعريف التطرف، وهناك أيضاً جهل كبير في التعامل مع الإسلام بشكلٍ عام، وقد ساهم بهذا الأمر العديد من الصور النمطية والكليشيهات الجاهزة حول فكرة “الإسلام” في ألمانيا أو أوروبا، وهذا ما أدَّى إلى طرقٍ مختلفة في التعامل مع الإسلام السياسي، باعتباره أحد أشكال التطرف الديني.

اقرأ أيضاً:  “قرار تاريخي” كواليس استبعاد منظمة إخوانية من “مجلس مسلمي ألمانيا”

* هل تتوقعين أن يكون لصعود اليمين الأوروبي تأثيرٌ على مناهضة سياسات التطرف؟

– نعم، أتوقع تأثيراً سلبياً، وأخشى أن تؤدِّي سياسات اليمين الأوروبي إلى حالةٍ من الاستقطاب والتطرف بين المسلمين وغير المسلمين، لأن هذا هو هدف هذه السياسات، فاليمينيون لا يريدون مجتمعاً تعددياً منفتحاً، بل مجتمع مغلق، وهم في ذلك يتفقون مع الإسلاميين، وجميع المتطرفين الآخرين الذين لا يتقبلون إلا أسلوب حياتهم هم، وكلا الطرفين يحتاج الآخر كمفهوم للعدو، فاليمين الإسلامي المتطرف يدفع المسلمين إلى الافتراض بأن جميع المسلمين في خطر، وعليهم الدفاع عن أنفسهم. وعلى الجانب الآخر، يساعد الإسلاميون اليمين المتطرف في زعمه بأن “الإسلام” يشكل خطراً على الديمقراطية، لأنه يدفع باتجاه إلغاء الديمقراطية الدستورية.

هنا -وأنا أتكلم كعالمة سياسة- يجب أن نعزِّز المثل العليا للمجتمع المنفتح في الدولة الديمقراطية الدستورية، وحرية الدين هي أحد أعمدة هذه الفكرة في مجتمعٍ إنساني مسالم، إذ يجب على المجتمع المنفتح أن يحترم “الآخر”، ما دام أن هذا الآخر لا ينتهك القانون، وهذا الأمر ينطبق على جميع الأطراف، لأن الجميع هم “الآخر” في عيون “الآخر”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة