الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

إيران وطالبان: أصدقاء أم أعداء؟

كيوبوست – ترجمات

أكرم عمروف♦

أثار التوقيعُ على اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في الدوحة في 29 فبراير، نقاشاتٍ جديدة حول انعكاساته على الوضع الراهن في أفغانستان، وعلى مصالح القوى الخارجية الرائدة في الصراع الأفغاني. وفي هذا الصدد، قد يكون لدور إيران تأثيرٌ هائل على فرص السلام والاستقرار، وهو أمرٌ يشكِّل قدرًا من التحدي بصفة عامة للمنطقة. ذلك أن العلاقات الوثيقة والمتنوعة لطهران مع العديد من الجماعات السياسية والعسكرية القوية في أفغانستان تمنحها نفوذًا استثنائيًا على الديناميات السياسية الداخلية والخارجية للدولة. وهنا تبرز بشكلٍ خاص علاقات إيران مع طالبان، التي تطورت منذ أكثر من عقدٍ من الزمان. وفي السنوات الأخيرة، تحولت هذه العلاقة من العداء الكامل إلى التعاون متعدد الأوجه والجوانب. يتكئ هذا التعاون في معظمه على المصالح المتقاربة لمقاومة الوجود العسكري الغربي في أفغانستان، والالتزام المشترك الظاهري بمكافحة تنظيم “داعش”، وغيره من الأعداء المشتركين، الداخليين والخارجيين.

عرض موجز لتاريخ العلاقات الإيرانية مع طالبان:

صلات إيران بقيادة طالبان

في فترةِ التسعينيات، كانت لإيران علاقاتٌ عدائية مع طالبان لفترة بعد أن هاجمت طالبان الشيعة الهزارة في أفغانستان. وكانت ذروة المواجهة الاستيلاء على القنصلية العامة لإيران في مدينة مزار الشريف الأفغانية في أغسطس 1998، حيث قتلت طالبان العديدَ من أفرد الهزارة في المدينة، وتسعةَ مواطنين إيرانيين، وثمانيةَ دبلوماسيين، وصحفيًّا أيضًا1. لكن الأمور تغيرت بعد ذلك بوقتٍ قصير، وخلال رئاسة محمود أحمدي نجاد (2005-2013) عزَّزت إيران علاقاتها مع طالبان.

اقرأ أيضًا: الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان لا يضمن السلامَ في أفغانستان

وتحت حماية الحرس الثوري الإيراني، أقامت حركة طالبان مركزًا للقيادة في مدينة مشهد، داخل إيران، لتنسيق عملياتها العسكرية في غرب أفغانستان2. تحوَّل هذا المكتب إلى مجلس شورى (مجلس القيادة) على نطاقٍ واسع نتيجة لتعزيز التعاون بين الحرس الثوري الإيراني واثنين من قادة طالبان النافذين؛ هما أختر منصور وهبة الله أخوندزادا؛ اللذان كانا وظلَّا يزوران إيران بشكلٍ متكرر، حيث تلقيَا أنواعًا مختلفة من الدعم3. وقد قُتل منصور في الواقع أثناء عودته من إيران إلى باكستان.

الدعم العسكري والتدريب

قدَّم الحرس الثوري الإيراني دعمًا ماليًا وعسكريًا كبيرًا إلى حركة طالبان، بما في ذلك التدريب العسكري. وفي مارس 2011، اكتشفتِ القوات الخاصة البريطانية في أفغانستان أن إيران كانت تقدم أسلحة إلى حركة طالبان، بما في ذلك قذائف عيار 122 ملم، بالإضافة إلى التدريب والتمويل4. وذكر تقرير للبنتاغون عام 2014 أن الحرس الثوري الإيراني كان يساعد طالبان منذ عام 2007 على الأقل5. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن بعض فصائل من حركةِ طالبان حصلت على مدافع هاون 120 ملم، وصواريخ وقذائف مضادة للدبابات، و1,000 دراجة نارية، وبنادق دراغونوف دقيقة التوجيه، وبنادق دراسكوف الثقيلة طويلة المدى من الإيرانيين6. علاوة على ذلك، قدم الحرس الثوري تمويلًا كبيرًا وصل في بعض الفترات إلى 190 مليون دولار أمريكي سنويًا، وسمح لحركة طالبان باستخدام قاعدتين للتدريب في مدينتي زاهيدان وسيستان، حيث يمكنها من تجنيد السنّة في إيران7.

الحرس الثوري الإيراني – أرشيف

العوامل الدافعة للتعاون بين إيران وطالبان:

مقاومة الوجود العسكري الغربي

المستوى المتقدم لشراكة طهران مع طالبان يدل على استعداد طهران لوضع أي ضغينةٍ تاريخية جانبًا من أجل مواجهة الغرب، خاصة الولايات المتحدة. وقد أقام المسؤولون الإيرانيون علاقات مع العديد من قادة طالبان ذوي النفوذ، بمن فيهم أولئك الذين يتربعون على قمة الحركة، من أجل استنزاف القوات الغربية عسكريًا في أفغانستان، ومنع السيطرة السياسية الضمنية على أفغانستان -بما في ذلك الحدود مع إيران- من قبل الأمريكيين.

اعتبر النظام الإيراني أنه في صراع وجودي مع الولايات المتحدة منذ وصوله إلى السلطة في عام 1979، ولم تُفلح الإطاحة بحركة طالبان، ووضع القوات الأمريكية على أحد حدوده -ثم الحدود الثانية مع العراق- بالإضافة إلى خطاب “محور الشر” الذي ألقاه الرئيس جورج بوش، في تغيير هذا التصور8. هذا الدعم الواسع والطويل الأمد للجماعات القادرة على مواجهة المصالح الغربية على الأراضي الأفغانية كان أولوية للحرس الثوري الإيراني. وقد أعطت هذه القوة العسكرية -والاستثمار الواسع وغير المشروع في السياسيين الأفغان- طهران أوراقًا مختلفة لاستخدامها كلما تساومت مع الغرب بشأن قضايا مختلفة.

اقرأ أيضًا: اتفاق الولايات المتحدة و”طالبان”.. مجرد بداية لعملية السلام الأفغانية

مكافحة داعش

مع تمدد داعش إلى أفغانستان بعد الإعلان الرسمي عن وجوده في يناير 2015، ووضع “تنظيم الدولة الإسلامية -ولاية خراسان”- التي تغطي أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى، تحت إمرة حافظ سعيد خان، وهو زعيم سابق لحركة طالبان الباكستانية- وجدت طهران مصلحة مشتركة ظاهرية مع طالبان في مواجهة داعش9. في هذا الوقت، شاركت إيران بشكل كبير في جهود التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش على حدودها الغربية في العراق، وقد شكَّلت إمكانية تمكين داعش في أفغانستان مصدرَ قلقٍ حقيقي، وفرصةً في آن واحد.

تحت غطاء التهديد العالمي لداعش، يمكن لإيران أن تقدِّم دعمها لحركة طالبان كمحاولةٍ لمواجهة الإرهابيين الأسوأ، وتمكَّنَت طالبان إلى حد كبير من احتواء داعش في عدد قليل من المقاطعات الشرقية في أفغانستان، وهي كونار، وننجرهار، ونورستان، وجميعها تقع على الحدود مع باكستان. كان لطالبان أسبابها المحلية والمالية والسياسية الخاصة بها لمقاومة تعديات داعش، ومن هنا كانت المساعدة من الإيرانيين موضع ترحيب. وفي المقابل، نفَّذت حركة طالبان عملياتٍ لصالح طهران وأتاحت للإيرانيين تدفقًا مستمرًا من المعلومات الاستخباراتية من غرب أفغانستان10.

مسلحو “طالبان”- “رويترز”

الموازنة بين القوى الداخلية والخارجية في أفغانستان

من خلال دعم حركة طالبان، أظهرت طهران إرادة -وقدرة- على التفوق على باكستان والسعودية، وهما المؤثران الخارجيان التقليديان على السياسة الأفغانية. وطالبان مهتمة بتنويع الجهات الراعية لها؛ لأنه يضمن لها خيارات حال تراجع أحد الرعاة (أو إزاحته قسريًا)، وفي هذه الأثناء يمكن التلاعب بالرعاة ضد بعضهم بعضًا مع تقديم وعود بالنفوذ لتحسين إمدادات طالبان من المال والعتاد. وقد ساهم إنشاء “مجلس الشورى في مشهد” ومعسكرات التدريب في إيران في تقليل الاعتماد الساحق لحركة طالبان على مجلس “شورى كويتا”، وهي إدارة فعلية تابعة للشرطة السرية الباكستانية.

تدرك إيران أن طالبان ستكون على الأقل طرفًا مهمًّا في تشكيل الحكومة الأفغانية المقبلة، لذا فإن بسط النفوذ عليها قبل توليها السلطة أمر منطقي من الناحية الاستراتيجية. ومن الناحيةِ التاريخية، دعَّمت إيران الجماعات السياسية والعسكرية ذات الأغلبية الشيعية والفارسية في أفغانستان، ولكن حركة طالبان توسعت في غالبية المقاطعات الأفغانية، بما في ذلك بعض المقاطعات الشيعية، غير أن طهران براجماتية بما يكفي لتقبل هذه الحقيقة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التعاون مع جميع أطراف النزاع الأفغاني يمنح طهران قدرة أكبر على تشكيل أي محادثات مستقبلية بين الأفغان حول التسوية السياسية.

اقرأ أيضًا: مستقبل اتفاق “طالبان- واشنطن”.. نهاية 18 عامًا من الصراع أم انهيار وشيك؟

علاوة على ذلك، لإيران استخدام محدد جدًا لطالبان -أو أي جماعة أفغانية أخرى تهيمن على المنطقة- وهو ضمان تشغيل السدود المائية في كاجاكي وكمال خان وأماكن أخرى، شمالًا وجنوبًا في أفغانستان، حيث إن شبكات الأنهار تلك تزوِّد مقاطعتي خراسان وستان- بلوشستان الإيرانية11.

الخلاصة

لقد تحوَّلت علاقات إيران مع طالبان من العداء إلى التعاون الكامل على مدى ربع القرن الماضي. وقد كان تدهور العلاقات مع الغرب والسعودية عاملًا دافعًا في تواصل طهران مع طالبان، ولا شك أن التهديد الجديد من داعش يوفر دافعًا متناميًا لتعزيز هذه العلاقة. إضافة إلى ذلك، فإن الموارد المائية الإيرانية والمصالح الأخرى في أفغانستان تملي عليها أيضًا الاحتفاظ بعلاقاتٍ جيدة مع الجماعة التي من المرجح أن تكون القوة المهيمنة في المرحلة المقبلة.

ومع ذلك، فهناك محددات عدة محتملة لهذه الشراكة بين إيران وطالبان. أولًا، إيران بعيدة كل البعد عن السيطرة على طالبان فمعظم قادة طالبان لا يزالون مدينين لباكستان، ولدى إسلام أباد كل الحوافز لمحاولة سحب قادة طالبان بعيداً عن فلك إيران. ثانيًا، عملية السلام الجارية بين الولايات المتحدة وطالبان تزيد من غضب طهران، التي ليس لديها مصلحة في نجاح هذه العملية الدبلوماسية. ثالثًا وأخيرًا، العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، خاصة صناعة النفط ذات الأهمية البالغة، بالإضافة إلى الانهيار في أسعار النفط الناجم عن تفشي فيروس كورونا، قد يقلل من إرادة طهران وقدرتها على دعم وتأمين شركاء خارجيين مثل طالبان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦محلل سياسي من أوزباكستان، نال درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة الاقتصاد العالمي والدبلوماسية.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

المراجع:

 [1] Alireza Nader, Ali G. Scotten, Ahmad Idrees Rahmani, Robert Stewart, Leila Mahnad. Iran’s Influence in Afghanistan: Implications for the U.S. Drawdown. // The RAND Corporation, 2014. https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/research_reports/RR600/RR616/RAND_RR616.pdf

[2] Mohammed Harun Arsalai, Wil Patrick. Iran’s Shifting Afghan Alliances Don’t Fit Easy Narratives. // Foreign Policy, 18 February 2020. https://foreignpolicy.com/2020/02/18/suleimani-war-quds-iran-shifting-afghan-alliances-dont-fit-easy-narratives/

[3] Antonio Giustozzi. The Taliban at War: 2001 – 2018. // Oxford University Press, 2019.

[4] Julian Borger and Richard Norton-Taylor. British special forces seize Iranian rockets in Afghanistan. // The Guardian, 9 March 2011. https://www.theguardian.com/world/2011/mar/09/iranian-rockets-afghanistan-taliban-nimruz

[5] The United States Department of Defense. Progress Toward Security and Stability in Afghanistan. // Report of the Department of Defense to the Congress. October, 2014. http://archive.defense.gov/pubs/Oct2014_Report_Final.pdf

[6] Antonio Giustozzi. The Taliban at War: 2001 – 2018. // Oxford University Press, 2019.

[7] Ibid.

[8] Daniel Heradstveit and G. Matthew Bonham. What the Axis of Evil Metaphor Did to Iran. // Middle East Journal, vol. 61, no. 3, 2007, pp. 421–440. www.jstor.org/stable/4330418

[9] Clayton Sharb and Danika Newlee. Islamic State Khorasan (IS-K). // Center for Strategic and International Studies, 2018. https://www.csis.org/programs/transnational-threats-project/terrorism-backgrounders/islamic-state-khorasan-k

[10] Antonio Giustozzi. The Taliban at War: 2001 – 2018. // Oxford University Press, 2019.

[11] Aziz Amin Ahmadzai. Iran’s Support for the Taliban Brings It to a Crossroads With Afghanistan. // The Diplomat, 21 May 2018. https://thediplomat.com/2018/05/irans-support-for-the-taliban-brings-it-to-a-crossroads-with-afghanistan/

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة