الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

إيران في جنوب القوقاز.. التكيف والتطور

إيران قلقة بشكل خاص من تنامي النفوذ التركي.. تتعاون الدولتان بشأن سوريا وتحاربان الانفصاليين الأكراد.. ولكن النفوذ التركي المتزايد على طول حدودها الشمالية تنظر إليه إيران على أنه تحدٍ رئيسي

كيوبوست- ترجمات

إميل أفدالياني♦

موقع إيران في جنوب القوقاز؛ المنطقة التي ترى أنها جزء من مصالحها التاريخية، يتعرض إلى ضغوط هائلة. وقد أبرزت حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 حاجة طهران إلى تعديل نهجها فوراً في ضوء تنامي قوة تركيا وروسيا.

واتفاق السلام الذي أنهى الحرب بين أرمينيا وأذربيجان في نوفمبر 2020 أظهر جلياً موقع طهران الهش في التغيرات الجيوسياسية في جنوب القوقاز؛ فطهران لم تمتلك ما يكفي من القوة للتأثير على مجرى الصراع، وفي المقابل صاغت كل من روسيا وتركيا نتائجه، فرضتا وقفاً لاتفاق النار، وعملتا على تطبيقه. والآن تشير قوات حفظ السلام الروسية، وعودة الجنود الأتراك إلى جنوب القوقاز، إلى غياب إيران عن المنافسة المتجددة بين القوى الكبرى في المنطقة.

اقرأ أيضًا: صمت الغرب في ناغورنو – كاراباخ!

وقد وقع هذا الصراع على خلفية نزاع أوسع. التواصل الإقليمي هو إحدى نقاط الضعف الرئيسية في إيران. وروسيا تسعى إلى إحياء خط حديدي من العهد السوفييتي يربط بين أذربيجان وجيب ناختشيفان التابع لها، وبين روسيا وأرمينيا؛ وهذا سوف يحد من تأثير إيران على أذربيجان. منذ نهاية حرب ناغورنو كاراباخ الأولى عام 1994 أصبحت أذربيجان تعتمد على طرق الترانزيت عبر إيران؛ كي تصل إلى هذا الجيب، وهذه الحاجة سوف تنتفي قريباً. ومع ذلك فربما يكون هنالك بعد إيجابي بالنسبة إلى إيران؛ فالخط الحديدي الذي سيصل أرمينيا بروسيا عبر أذربيجان يمكن أن يستعمله الروس كحلقة وصل مع إيران إلى جانب الخط الحديدي بين إيران وروسيا عبر أذربيجان، الذي لا يزال قيد الإنشاء.

جيب ناختشيفان الأذربيجاني- أرشيف

إيران قلقة بشكلٍ خاص من تنامي النفوذ التركي؛ تتعاون الدولتان بشأن سوريا وتحاربان الانفصاليين الأكراد، ولكن النفوذ التركي المتزايد على طول حدودها الشمالية تنظر إليه إيران على أنه تحدٍ رئيسي. وقد بدأ هذا الاتجاه بالترسخ منذ أواخر التسعينيات مع التزايد التدريجي للنفوذ الاقتصادي والعسكري التركي في أذربيجان. ومع أن إيران لديها قدرة محدودة للغاية على الحد من تزايد النفوذ التركي، فقد تكون قادرة على بناء تفاهمات أفضل مع أذربيجان.

اقرأ أيضًا: هدنة هشة في ناغورنو كاراباخ بسبب الانتهاكات العسكرية

تغير سياسة إيران تجاه أذربيجان

هنالك بعد عرقي لا يمكن إنكاره في سياسة إيران تجاه أذربيجان. لطالما كانت طهران حذرة تاريخياً من طموحات باكو الجيوسياسية، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى محاولاتها في أوائل التسعينيات استخدام الإيرانيين من ذوي الأصول الأذرية في أجندة وحدوية، حاولت طهران في البداية جذب أذربيجان في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي إلى منطقة نفوذها، وطورت علاقاتها التجارية والثقافية، وبرامج التبادل الثقافي، والعلاقات الدينية؛ ولكن في نهاية المطاف تعمدت طهران أن تنأى بنفسها عن باكو.

في ذلك الوقت، لم يكن لدى القيادة الإيرانية أسبابٌ سياسية لتبني علاقات أقوى مع أذربيجان. وكانت أذربيجان تشهد فورة في المشاعر الوطنية إبان حربها مع أرمينيا، وكانت هنالك خشية من انتشار هذه المشاعر إلى المناطقة الشمالية من إيران التي تقطنها غالبية من ذوي الأصول الأذرية. وغالباً ما ارتبطت مخاوف الإيرانيين بالرئيس الأذربيجاني القومي أبي الفضل الشيبي، الذي تبنى أفكاراً قومية تركية، وحاول نشرها بين الأذريين في إيران. ورداً على نشوء فكرة “أذربيجان الكبرى” قامت إيران بدعم أرمينيا بإغلاق الحدود الإيرانية أمام اللاجئين الأذربيجانيين، ولعبت دور شريان الحياة لأرمينيا على مدى عقود.

الرئيس الأذربيجاني الأسبق أبو الفضل الشيبي- أرشيف

إلا أن حرب ناغورنو كاراباخ الأخيرة عام 2020 قد غيرت من المنظور الإيراني؛ فالقادة الدينيون في إيران كانوا أكثر دعماً لأذربيجان، وقالوا إن كاراباخ والأراضي المحيطة بها هي جزء لا يتجزأ من أذربيجان. كما أن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، قد أعرب عن سعادته لرؤية أذربيجان تستعيد أراضيها المحتلة، أثناء جولته الإقليمية الأخيرة التي هدفت إلى تعزيز التعاون الإقليمي في المنطقة.

اقرأ أيضًا: نزاع ناغورنو كاراباخ ومؤشرات فنون الحرب الجديدة

من نواحٍ متعددة، يعكس تغير المنظور الإيراني تغيرات موازين القوى في دول الجوار؛ فدعم أرمينيا من شأنه أن يستفز أذربيجان القوية، ويدفع بها أكثر باتجاه الحضن التركي، مما قد يهدد الطرق البرية والسكك الحديدية إلى روسيا، ويعقد الموقع الإيراني في منطقة حوض بحر قزوين. كما أن التوتر مع باكو قد يؤدي إلى إحياء فكرة أذربيجان الكبرى. ومع أن بعض هذه النتائج تبدو بعيدة، وغير محتملة، فإن العلاقات السيئة مع باكو تجعلها أكثر احتمالاً.

كما أن إيران قلقة من التعاون العسكري رفيع المستوى بين أذربيجان وإسرائيل. فموقع أذربيجان الجغرافي على حدود إيران يجعل منها الموقع المثالي لجمع المعلومات الاستخباراتية الاستراتيجية. زعمت مصادر إعلامية أن إسرائيل ساعدت باكو في بناء محطات تجسس إلكتروني على طول حدودها مع إيران في فترة التسعينيات. وفي عام 2012 زعم مارك بيري، في مقالٍ له في صحيفة “فورين بوليسي”، أن إسرائيل قد أقامت ترتيبات مع أذربيجان تسمح لها بالقيام بطلعاتٍ جوية انطلاقاً من أذربيجان.

اقرأ أيضاً: أردوغان يلوح مجدداً بورقة “المرتزقة السوريين” في صراع أذربيجان- أرمينيا

ترى إيران في العلاقات القوية بين إسرائيل وأذربيجان جزءاً من الجهود الأمريكية لإضعاف موقعها. وهذه النظرة لها ما يبررها؛ ففي أوائل التسعينيات شجعت واشنطن علاقة ثلاثية بين تركيا وأذربيجان وإسرائيل، وقد لاقى هذا النموذج الجيوسياسي نجاحاً جزئياً. ولا تزال إسرائيل وأذربيجان تنظران إلى علاقتهما الجيوسياسية على أنها حيوية بالنسبة إلى أمن المنطقة. وبالتالي، فإن تدهور علاقات إيران مع أذربيجان يمكن أن يعقد موقف إيران في جنوب القوقاز.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- أرشيف

رؤية إيران الإقليمية

يرتبط تطور الموقف الإيراني من أذربيجان بمنظورٍ إقليمي أو حتى أوراسي أوسع؛ فقد أصبح حوض قزوين وجنوب القوقاز مرتبطَين ارتباطاً وثيقاً بالشرق الأوسط. وروسيا وتركيا قد زادتا من حضورهما في المنطقة خلال العقد الماضي، والآن تعتبران منطقة جنوب القوقاز جزءاً من لعبة جيوسياسية كبرى تمتد من البحر المتوسط إلى بحر قزوين. ولا يمكن لإيران أن تتجاهل هذه التطورات ويجب عليها أن تتكيف معها. وعلى المدى البعيد، يمكن لهذا الأمر أن يزيد من أهمية جنوب القوقاز في حسابات السياسة الخارجية الإيرانية، وأن يضعها في مصاف المسارح الأخرى التي تنخرط فيها إيران في الشرق الأوسط.

لطالما أدركت إيران هذا المنظور الإقليمي، وعلى الرغم من التوترات التاريخية في إدارة علاقاتها مع أذربيجان وأرمينيا، تتبع إيران استراتيجية أمنية تعاونية تغطي دول جنوب القوقاز الثلاث، بالإضافة إلى روسيا وتركيا. فعلى سبيل المثال، خلال حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 تقدمت إيران بمبادرة للتهدئة في المنطقة، وأرسلت نائب وزير خارجيتها عباس عراقجي، إلى جميع دول المنطقة.

اقرأ أيضاً: كيف يرى الخبراء مستقبل المواجهات بين أذربيجان وأرمينيا؟

وبالفعل، ترى إيران هذه التغيرات في جنوب القوقاز جزءاً من تغير النظام العالمي. ويمكن رؤية حرب ناغورنو كاراباخ 2020 في هذا السياق: نظام العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، الذي تقف وراءه قوة الولايات المتحدة، يشهد تغيرات جوهرية. وفي الصراع الأخير بقي الغرب لاعباً خارجياً، بينما لعبت روسيا وتركيا دوراً محورياً.

روسيا نشرت قوات حفظ السلام في إقليم ناغورنو كاراباخ- “بي بي سي”

الاقتصاد الجغرافي يلعب دوراً رئيسياً؛ لا سيما في التواصل الإقليمي. وموقع إيران بعد الحرب الأخيرة سوف يتأثر بالجغرافيا الاقتصادية. فقد اتبعت إيران استراتيجية تطوير المرافئ، والسكك الحديدية أصبحت تشكل الآن جزءاً من خطوة أكبر لتضع نفسها في موقع حلقة الوصل بين المشروعات الاقتصادية الصينية والهندية والروسية. وبالنسبة إلى جنوب القوقاز، فإن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يكتسب أهمية كبيرة. وبالنسبة إلى إيران، فإن أذربيجان تحتل موقعاً حيوياً بالنسبة إلى طرق العبور للممر الاقتصادي بين الشمال والجنوب الذي يمتد بين موانئ المحيط الهندي وموانئ بحر البلطيق. والجهود الروسية لإحياء الخطوط الحديدية السوفييتية يمكن أن تحول إيران إلى مستفيد رئيسي من خلال توسيع علاقاتها التجارية مع المنطقة وروسيا.

تتكيف إيران ببطء مع الواقع المتغير في جنوب القوقاز، ولا يزال هنالك الكثير من عدم اليقين. كيف يمكن لإيران أن تقلب ميزان القوى لصالحها؟ ربما يكون بناء علاقات أفضل مع باكو إحدى الوسائل لتحقيق ذلك، واقتراح منصات تعاون إقليمي قد يكون وسيلةً أخرى؛ ولكن بغض النظر عن خياراتها، فإن إيران ستواجه نفوذاً روسياً وتركياً راسخاً في المنطقة.

♦أستاذ في الجامعة الأوروبية في تبليسي، جورجيا، متخصص في الجغرافيا السياسية لجنوب القوقاز وإيران وتركيا.

المصدر: مؤسسة روسي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة