الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

إيران توقفت عن التظاهر الخادع

الانتخاب المزور لإبراهيم رئيسي رئيساً لإيران يمكن أن يكون نقطة تحول للبلاد.. ولكن أهميتها لن تُفهَم بالكامل إلا بعد فوات الأوان

كيوبوست- ترجمات

كريم سجادبور♦

غالباً ما تكثر التنبؤات حول نقاط التحول في مصائر الأنظمة الاستبدادية المبهمة؛ ولكن في الحقيقة هذا أمر لا يمكن التنبؤ به. ومن المحتمل أن تكون الانتخابات المزورة التي جاءت بإبراهيم رئيسي، رجل الدين المتشدد ابن الستين عاماً، رئيساً لإيران، واحدة من هذه اللحظات، مع أن أهميتها لن تظهر بشكل واضح إلا بعد فوات الأوان. هل سيصف التاريخ انتخاب رئيسي -كما أكد بعض المؤرخين- على أنه خطوة استبدادية وقحة دمرت ما تبقى من شرعية الجمهورية الإسلامية وسرعت في زوالها؟ أم أنه سيكون مجرد نقطة فارقة أخرى في دورة حياة نظام حكم ديني تحدى جميع التوقعات، سواء بالانهيار أو بالإصلاح؛ مما سيمهد الطريق لرئيسي لخلافة قائده آية الله علي خامنئي (82 عاماً)، وتولي منصب المرشد الأعلى؟

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن انتخاب رئيسي -من منظور المفاوضات الجارية حول الاتفاق النووي مع إيران- يزيد من شعور إدارة بايدن بضرورة الإسراع في إبرام صفقة قبل تنصيب إدارة إيرانية أكثر تشدداً في الثامن من أغسطس المقبل. وعلى الرغم من أن السلطة في إيران سوف تبقى في يد المرشد الأعلى والحرس الثوري؛ فإن رئاسة رئيسي سوف تزيد من تعقد الهدف المعلن لإدارة بايدن في التفاوض على صفقة “أطول وأقوى” مع طهران.

اقرأ أيضاً: رئيس جديد في إيران.. ولكن هل سيحدث ذلك فرقاً؟

ولكن بالنسبة إلى الكثير من سكان الشرق الأوسط، فإن اختيار رئيسي يحظى بأهمية كبيرة لأسباب تتجاوز تأثيره على برنامج إيران النووي. في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ثار جدل في أوساط الباحثين وصنع القرار حول ما إذا كان الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط يمر عبر القدس أم بغداد. واليوم أضحى من الواضح للكثير من الليبراليين في الشرق الأوسط أن سياسة إيران مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسياسات بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء.. وغيرها. وعلى الرغم من أن الشعور بالامتعاض في الشرق الأوسط له العديد من الأسباب؛ فإن وجود إيران -كواحدة من أكبر وأغنى دول المنطقة تحت حكم سلطة دينية تستخدم عائداتها النفطية الهائلة لتمويل وتدريب ميليشيات مسلحة تتبنى أيديولوجيتها الثورية المتشددة- سوف يبقي آمال منطقة الشرق الأوسط في الاستقرار والازدهار حلماً بعيد المنال.

حلفاء إيران في الشرق الأوسط- مركز ويلسون

شخصية رئيسي الخاضعة وسجله الإجرامي يستحضران ملاحظات هانا أرندت، (مفكرة ومنظرة سياسية ألمانية تعتبر من أهم المفكرين السياسيين في القرن العشرين- المؤلف)، حول الطبيعة المبتذلة للشر. لقد كان شخصية رسمية في إيران منذ عام 2017 عندنا ترشَّح في مواجهة الرئيس الحالي حسن روحاني، في السباق الرئاسي، وخسر بهامش صوتَين مقابل صوت واحد. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الحكومية منحته -دون استحقاق- لقب آية الله الرفيع؛ فإن أهم مميزاته لا تتعدى كونه مساعداً موثوقاً لخامنئي الذي عيَّنه رئيساً لأكبر مؤسسة دينية في البلاد، ثم رئيساً للسلطة القضائية فيها.

اقرأ أيضاً: محافظ متشدد يتولى منصب رئيس إيران.. ماذا يعني ذلك لسياسة إيران الداخلية والخارجية؟

بالنسبة إلى الكثير من الإيرانيين يُعرف رئيسي بأعماله عندما كان واحداً من أربعة قضاة أشرفوا على عمليات التعذيب والإعدام الجماعي لما يقارب خمسة آلاف من أعضاء جماعة إيرانية معارضة -بمن فيهم نساء وأطفال- في صيف عام 1988. وكما لو كان عضواً في عصابة إجرامية يعزز مكانته بارتكاب أعمال عنف وحشية، تمكن رئيسي، القاضي المبتدئ ابن الثمانية وعشرين عاماً، من تعزيز أوراق اعتماده الثورية.

خامنئي يدلي بصوته- وكالات

يعتبر رئيسي أنه كان ينفذ الأوامر، ولا يبدو عليه الأسف على المآسي التي سبَّبها. روى لي زوجان مسنان باكيان، قابلتهما في طهران قبل سنوات، كيف جرى إجبارهما على دفع ثمن الرصاصة التي استخدمت في إعدام ابنتهما طالبة الطب ذات الواحد وعشرين عاماً؛ من أجل استلام جثتها ودفنها بشكل لائق. (ارتفعت قيمة هذه الرصاصة لتصل إلى 3000 دولار في السنوات الأخيرة).

اقرأ أيضاً: كيف قرأت الصحافة العالمية نتيجة الانتخابات الإيرانية؟

على عكس الانتخابات السابقة، وفي سياق استعراض إيران لمهرجانها الانتخابي -الخاضع للرقابة المشددة- لوسائل الإعلام العالمية، أفاد عدد قليل من الصحفيين الأجانب، الذين زاروا طهران هذه المرة، وجود مزيج من اللا مبالاة والغضب عند الإيرانيين. وربما يكون الصوت الأكثر تعبيراً عن هذا السخط الشعبي -المألوف لدى أي شخص عاش في إيران- هو ذلك الصوت الذي تم بثه عن غير قصد على قناة الإذاعة الوطنية الأمريكية “NPR”، عندما سأل مراسلها امرأة مُسنة في إحدى حدائق طهران، لمَن ستصوت. عندها قام المترجم بتلطيف إجابتها، وزعم أنها قالت “ليذهب الملالي إلى الجحيم”؛ ولكنَّ الناطقين بالفارسية سمعوا كلاماً أكثر فحشاً، حيث شتمت الملالي وقالت “إنهم يكذبون علينا منذ أربعين عاماً، وأنا سوف أصوت لمؤخرتي”.

على الرغم من الضجة الإعلامية التي أُثيرت حول الانتخابات الإيرانية؛ فإن رئيسي، شأنه كشأن كل الرؤساء الإيرانيين، سيلعب دوراً هامشياً في رسم سياسة البلاد الخارجية. ففي ظل قيادة خامنئي سوف تبقى هوية الجمهورية الإسلامية قائمةً على معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل، وسوف تستمر إيران في تسليح وتمويل وكلائها وحلفائها في الدول الفاشلة -بما فيها سوريا ولبنان واليمن والعراق وفنزويلا- التي تشكل ما يُعرف بمحور المقاومة.

الانتخابات الإيرانية الأخيرة شهدت نسبة إقبال منخفضة غير مسبوقة- وكالات

سيكون أكبر المستفيدين من انتخاب رئيسي الخصوم الخارجيين للنظام الإيراني والاتفاق النووي الإيراني؛ وعلى رأسهم الحزب الجمهوري وإسرائيل. وقد عبرت هذه الأطراف عن نفسها؛ فقد غرد وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد: “الرئيس الإيراني الجديد المعروف باسم جزار طهران، هو رجل متطرف ومسؤول عن موت آلاف الإيرانيين، وهو ملتزم بالطموحات النووية للنظام الإيراني وبدعمه الإرهاب العالمي”.

ومع ذلك، فإن انتخاب رئيسي من غير المرجح أن يقوض بشكل خطير قدرة إدارة بايدن على إحياء الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب عام 2018. ولأنه من غير الممكن وقف التدهور الاقتصادي في إيران دون رفع العقوبات الأمريكية؛ فسيكون من المنطقي لطهران -على الرغم من أن ذلك غير مؤكد حتى الآن- أن تعيد إحياء هذا الاتفاق قبل تنصيب رئيسي في الثامن من أغسطس المقبل. وهذا الأمر سوف يسمح للنظام بإلقاء اللوم بشأن عيوب الاتفاق على عاتق الرئيس روحاني، وفي الوقت نفسه يتيح للرئيس رئيسي أن يجني ثمار تخفيف العقوبات.

اقرأ أيضاً: النظام يختار إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران.. وربما مرشداً مقبلاً

وبعيداً عن مسألة العودة إلى اتفاق عام 2015، فإن انتخاب رئيسي يشير إلى أن إيران سوف تقاوم رغبة إدارة بايدن في التفاوض على اتفاق لاحق يتناول أيضاً برنامج طهران الصاروخي وطموحاتها الإقليمية. وهذا الأمر قد يخلق معضلة لبايدن، فإذا حاولت الولايات المتحدة إخضاع إيران بفرض عقوبات جديدة فربما سترد طهران باستئناف أنشطتها النووية ومهاجمة -من خلال وكلائها- مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، في ضوء سعي إدارة بايدن لتقليص وجود الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

الرئيس الإيراني المنتخب يرحب بالمفاوضات حول العودة إلى الاتفاق النووي.. ولكنه يحذر من أنها يجب أن تضمن المصالح الوطنية للبلاد- “بي بي سي”

الغرور هو كعب أخيل بالنسبة إلى جميع الديكتاتوريات؛ فالإرادة الحديدية التي غذَّت في السابق ترسيخ الأنظمة الاستبدادية لسلطتها، تتحول بشكل ثابت إلى الجشع والشعور بالصلاحية المطلقة. ومع أن رغبة خامنئي في البقاء في السلطة لا تزال قوية، إلا أنه يعاني مزيجاً من انعدام الأمن والثقة الزائدة. وقد كان حريصاً بما فيه الكفاية ليدرك أن وريثه المنتظر لم تكن لديه فرصة في الفوز في انتخابات تنافسية؛ ولكنه كان يمتلك ما يكفي من الثقة بالنفس للاعتقاد بأنه قادر على ترتيب فوزه دون أن يخشى عواقب ذلك.

تعتبر حالة خامنئي الصحية -وهو يبلغ 82 عاماً ويعتقد على نطاق واسع أنه يعاني سرطان البروستاتا- أحد أسرار الدولة الإيرانية التي تحرص على إخفائها؛ ولكنه عاش أكثر من رجال أصغر منه سناً كان يعتقد أنهم سيخلفونه. وعلى الرغم من رغبة خامنئي في أن يخلفه رئيسي؛ فإن تداول السلطة في الدول الشمولية هو أمر لا يمكن التنبؤ به. من المتوقع أن تتضاءل شعبية رئيسي المتدنية أصلاً -كما ظهر من الانخفاض غير المسبوق في أعداد الناخبين- بمجرد تنصيبه وتوليه مسؤولية الوضع الاقتصادي المتردي الذي سيعجز عن إصلاحه، ومسؤولية القمع السياسي والاجتماعي الذي سوف يزداد في عهده.

اقرأ أيضاً: هندسة الانتخابات.. حسم خامنئي هوية الرئيس الجديد لإيران

أحد الأسباب الرئيسية لطول بقاء خامنئي في السلطة -منذ عام 1989- هو قدرته على استخدام المؤسسات الإيرانية غير المنتخبة لتعزيز سلطته، وفي الوقت نفسه استخدام المؤسسات المنتخبة لتجنب تحمل المسؤولية؛ فهو يوكل أعمال الاضطهاد السياسي والقمع إلى الحرس الثوري، ويُحمِّل الرئيس الإيراني مسؤولية فشل الاقتصاد في البلاد؛ ولكن هندسته لانتخاب تلميذه رئيسي وتدخله فيها سيجعل من الصعب على خامنئي الاستمرار في إلقاء اللوم على إخفاقاته على عاتق الرئيس الإيراني.

الأمر المجهول الآخر هو ما إذا كان الحرس الثوري الإيراني -الذي طغى منذ فترة على رجال الدين باعتباره أقوى مؤسسة في إيران- سيستمر بالإذعان لرجال الدين المتقدمين في السن واعتبارهم قادة عامّين له، أم أنه سوف يسعى للمزيد من السيطرة المعلنة. وبالنظر إلى صعود الطبقة السياسية الإيرانية الشابة وغير المتدينة، فإن نسخة إيرانية من فلاديمير بوتين -ضابط عسكري أو استخباراتي يستبدل بالهوية الشيعية الهوية الفارسية- من المرجح أن يحكم الأجيال الإيرانية القادمة، وليس رجل دين مسن آخر.

الحرس الثوري الإيراني يستخدم الانتخابات الرئاسية الإيرانية لتعزيز نفوذه- وكالات

كتب جورج أورويل، في روايته 1984: “إن جوهر حكم الأقلية يقوم على استمرار رؤية معينة للعالم وأسلوب حياة معين يفرضهما الأموات على الأحياء. المجموعة الحاكمة تبقى مجموعة حاكمة طالما امتلكت القدرة على تسمية خلفائها”. واليوم يعيش الإيرانيون المعاصرون في قلب التجربة الثيوقراطية لآية الله روح الله الخميني، الذي كان يؤمن أن الإسلام هو علاج كل المشكلات وأن الاقتصاد “هو للحمير”. وكما تم اختيار خامنئي ليكون الوصي على رؤية الخميني، فهو يرى في رئيسي تلميذاً موثوقاً لحمل عباءة الخميني.

مع مرور كل عقد يتوصل جيل جديد من الإيرانيين إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن إصلاح الجمهورية الإسلامية عبر صناديق الاقتراع. وبدلاً من البقاء والمخاطرة بحياتهم كمعارضين، يختار القادرون على تحمل تكاليف السفر مغادرة البلاد. وقد قدَّر وزير العلوم والتكنولوجيا الإيراني، ذات مرة، كلفة هجرة الأدمغة من إيران بنحو 150 مليار دولار سنوياً؛ أي ما يزيد على عائداتها النفطية. وانتخاب رئيسي هو بمثابة تذكير بأن طموحات الإيرانيين في حياة أفضل تتعارض مع نظام يبدو في الوقت الحالي غير قابل للإصلاح وغير قابل للكسر. وطالما بقيت الأجهزة الأمنية الإيرانية متماسكة ومستعدة للقتل الجماعي، وطالما بقي المجتمع الإيراني غير موحد وغير مستعد للموت الجماعي، فإن نقاط التحول ستستمر في صالح النظام.

♦أستاذ مساعد في جامعة جورج تاون، وزميل أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يركز على إيران والسياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط.

المصدر: صحيفة ذا أتلانتيك

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة