الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

إيران تقابل احتجاجات رفع أسعار البنزين بالرصاص

الشرطة تقتل 3 محتجين على الأقل.. وتظاهرات تعمّ الشوارع.. وتوقعات بأسوأ أداء اقتصادي

كيوبوست

عمَّت موجة من الغضب الشوارع الإيرانية، منذ الجمعة الماضية، في أعقاب قرار حكومي بتحريك أسعار البنزين؛ حيث خرج آلاف المتظاهرين في الشوارع وأشعلوا النيران في محطتَي وقود على الأقل، في وقت قالت فيه تقارير للمعارضة الإيرانية إن “3 قتلى على الأقل سقطوا على يد الشرطة” التي استخدمت العنف لتفريق المتظاهرين ومنعتهم من التجمع والتظاهر في الميادين.

وحسب الحكومة الإيرانية فإن عملية رفع أسعار البنزين تهدف إلى تقنين توزيعه في وقت زادت فيه الأسعار بنسبة 50% على الأقل؛ حيث أكدت “الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع النفط” أنه سيكون على كل شخص يملك بطاقة وقود دفع 15 ألف ريـال (13 سنتًا) لأول 60 لترًا من البنزين يتم شراؤها كل شهر، وسيُحسب كل لتر إضافي بـ30 ألف ريـال، بينما كان سعر لتر البنزين المدعوم من الدولة يبلغ 10 آلاف ريـال (أقل من 9 سنتات).

إيراني يراقب أسعار الوقود- الصورة من “AFP”

وحسب ورقة بحثية أعدها المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، فإن الآثار الاقتصادية التي تركتها العقوبات الأمريكية أثَّرت على المواطن بعدما زاد باطّراد معدَّل التضخُّم، وتراجع سعر العملة؛ حيث وصلت قيمة الدولار الأمريكي الواحد إلى 115 ألف ريـال إيراني خلال أكتوبر 2019، بينما كان الدولار الأمريكي الواحد يساوي 30000 ريـال إيراني قبل عامَين، كما انخفض الإنفاق العسكري الإيراني بمقدار 29%، وتراجع تمويل طهران لميليشياتها في المنطقة، وخلال الشهور الأخيرة بعد العقوبات الأمريكية التي طالت صناعات البتروكيماويات والمعادن الإيرانية خسرت إيران 10 مليارات دولار وانكمش اقتصادها بنسبة 6%.

صندوق النقد الدولي

تراجع اقتصادي

وحسب تقرير صندوق النقد الدولي، الصادر الشهر الماضي، فإن عام 2019- 2020 سيكون الأسوأ لإيران منذ عام 1983 إبان الحرب الإيرانية- العراقية؛ حيث فنَّد الصندوق توقعاته من خلال الإشارة إلى احتمال تراجع النمو الاقتصادي في إيران في عام 2019 بنسبة 9.5%، خلافًا لتوقعات سابقة في أبريل من العام نفسه قدَّرت معدَّل الانكماش بـ6%، كما أشار التقرير إلى تراجع صادرات إيران من النفط الخام بنسبة تقارب 80% منذ استعادة العقوبات الأمريكية على قطاعَي النفط والتعاملات المالية في نوفمبر 2018.

ويتوقع الصندوق أن يختم الاقتصاد الإيراني السنة المالية 2019- 2020 بحجم يقل 90% عما كان عليه قبل عامَين، كما يتوقع أن يبلغ التضخُّم السنوي معدل 35.7% العام القادم، وأن يتزايد انهيار العملة؛ لا سيما أن سعر الصرف الرسمي للريـال الإيراني، خلال أكتوبر 2019، بلغ 42 ألف ريـال مقابل الدولار، في حين أن سعر السوق السوداء بلغ نحو 115 ألفًا. ولا يزال الاقتصاد الإيراني معرَّضًا لتحديات عميقة مع تهديد الإدارة الأمريكية بفرض مزيد من العقوبات. وتواجه الدول والشركات والبنوك الأجنبية صعوبات في التعامل مع إيران؛ بما فيها الشركات الصينية والروسية.

اقرأ أيضًا: ضرورة أن يعزل العالم إيران دبلوماسيًّا وسياسيًّا

حراك اقتصادي

الكاتب الصحفي العراقي أحمد حميد، قال في تعليق أدلى به إلى “كيوبوست”: “إن الاحتجاجات الشعبية في إيران انطلقت وَفق عامل مهم جدًّا هو العامل الاقتصادي؛ حيث يعيش الإيرانيون نتيجة العقوبات المفروضة على بلادهم أوضاعًا اقتصادية مزرية جعلتهم يختنقون من الفاعل السياسي الداخلي المتمثل في السلطتَين التنفيذية والتشريعية”، مشيرًا إلى أن التظاهرات في إيران تمثل ردة فعل على أداء السلطة مع دول العالم؛ لا سيما أمريكا وحلفاءها من الغربيين، إذ كلما زاد التطرف السياسي الإيراني حيال العالم الغربي اختنقت إيران اقتصاديًّا جراء الحصار المفروض عليها من قِبَل واشنطن، فبات المواطن الإيراني ضحية هذا التطرف بين بلاده والآخرين.

واعتبر حميد أنه من الطبيعي أن تستخدم الحكومة الإيرانية مختلف أدوات العنف مع المتظاهرين ضدها؛ لأن العنف بات هوية سلوكية لهذا النظام، وهذا ما فعلته السلطة الإيرانية مع المتظاهرين والمشاركين في الثورة الخضراء عام 2009، لافتًا إلى أن الحكومة الإيرانية تواصل قمعها للتظاهرات الرائجة في مختلف أرجاء البلاد؛ فهي تخشى أن تكون هناك ثغرة داخلية من الممكن أن تؤثر على استقرار النظام، خصوصًا بعد اندلاع احتجاجات صاخبة في مناطق نفوذها داخل الشرق الأوسط؛ كالعراق ولبنان حاليًّا.

اقرأ أيضًاخبراء:العقوبات الجديدة تزيد القيود على إيران

وتوقع الكاتب الصحفي العراقي أن يرتفع صوت التشدد الديني؛ لتخوين وتكفير المحتجين وشيطنة كل التظاهرات الغاضبة على السلطة، حيث الاختناق الداخلي أصبح فرضية حتمية ستثقل كاهل الكيان السياسي الإيراني. أما خارجيًّا فستحاول إيران اللعب على أكثر من ورقة في مناطق نفوذها في الشرق الأوسط؛ بغية جر واشنطن إلى طاولة مفاوضات تقيها الخسائر الجسيمة.

المواطن يدفع ثمن الخلاف مع واشنطن

الباحث بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية في الرياض محمود حمدي أبو القاسم، قال في تعليق لـ”كيوبوست”: “إن الحكومة الإيرانية تحاول علاج مأزقها الاقتصادي على حساب المواطن، دون التفات إلى جوهر الأزمة وهو العقوبات”، مشيرًا إلى أن رفع سعر البنزين يعني فشل خطة الحكومة للاكتفاء الذاتي منه، والتي سبق وأعلن عنها في مطلع العام. فرغم اعتبار إيران من كبرى الدول التي لديها احتياطات؛ فإنها لم تكن تملك معامل تكرير كافية لتغطية الاحتياجات المحلية من البنزين.

محمود حمدي أبو القاسم

ولفت أبو القاسم إلى أنه من الصعب القول إن رفع أسعار البنزين سيعالج أزمة الموازنة؛ لأن الموازنة تعاني خللًا كبيرًا نتيجة العقوبات الأمريكية التي فرضت على صادرات النفط حتى انخفضت من أكثر من 2.8 مليون برميل إلى 100 ألف برميل يوميًّا، والاقتصاد الإيراني بالأساس اقتصاد ريعي يعتمد على صادرات النفط، فضلًا عن أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على صادرات المعادن والبتروكيماويات، وكذلك تفرض عقوبات على تعاملات إيران المالية، ولا تسمح إلا بالتحويلات الخاصة بالسلع الغذائية والدواء، والاتحاد الأوروبي عجز عن تفعيل آلية مالية من أجل التبادل المالي مع إيران رغم أنه أعلن عنها؛ وهو ما يعني أن اقتصاد إيران فعليًّا تحت حصار كبير.

وتابع الباحث بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية في الرياض بأن المشكلة ليست خارجية فقط؛ بل لها أبعاد داخلية مرتبطة بفساد واسع النطاق، وعمليات ممنهجة لتهريب الأموال إلى الخارج، فضلًا عن توجيه موارد الميزانية إلى دعم مشروع إيران الخارجي، دون الالتفات إلى الصعوبات التي تواجه الحكومة في الداخل؛ مثل الدعم الذي يذهب إلى الميليشيات في الخارج، وإلى الأنشطة الأيديولوجية والعسكرية لأجنحة النظام العسكرية والأيديولوجية، بالإضافة إلى الصراع بين جناحَي السلطة من الإصلاحيين والمتشددين الذين أسهمت خلافاتهم في نقل حالة إحباط إلى الشارع الإيراني؛ حيث لا يبدو أن النظام لديه تصور متكامل للخروج من الأزمة الحالية.

الرئيس الإيراني حسن روحاني

واعتبر أبو القاسم أن تصريحات روحاني وخامنئي الأخيرة عكست أبعاد هذا الخلاف؛ حيث يرى روحاني أن إيران تعاني أزمة كارثية لم ترها من قبل منذ الثورة نتيجة العقوبات، وبالتالي يري أهمية إعادة النظر في التفاهم مع الولايات المتحدة، بينما يصر خامنئي والجناح المتشدد على خيار المقاومة والمواجهة.

ونوه الباحث بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية في الرياض بأن الحكومة مررت قرار زيادة الأسعار بعد اجتماع المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية، ومن المقرر أن ينعقد البرلمان لمناقشة الأزمة، وفي حال استمرار الاحتجاجات قد لا يقر البرلمان الزيادة؛ من أجل تهدئة الأوضاع وعودة الاستقرار، لافتًا إلى أن الاحتجاجات حتى الآن لم تصل إلى مراكز التأثير الرئيسية، والنظام لديه خبرة واسعة للتعامل معها، وقد تمكن من استيعاب احتجاجات ديسمبر 2017- يناير 2018، والتي كانت أوسع نطاقًا.

اقرأ أيضًا: إيران سبب فشل الاحتجاجات في لبنان والعراق

وأوضح أبو القاسم أن هذه الاحتجاجات دون قيادة ودون جهات منظمة، ومن ثَمَّ من الصعب أن تواجه بهذه الصورة النظام الذي لا يزال متماسكًا ولا تزال لديه القدرة على قمع هذه التظاهرات؛ لا سيما أن زخمها في مناطق الأقليات والأطراف التي يمارس النظام ضدها القمع بقسوة، لكنها قد تدفع إلى إعادة التفكير في التعاطي مع مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة؛ لأنها مربط الفرس الآن في كل ما يعانيه النظام من أزمات داخلية وخارجية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة