الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

إيران تستعمر دولًا عربية فكريًا، والضحية سوريا واليمن والعراق

طهران تدير مؤسسات تعليمية للسيطرة على العقول العربية

كيو بوست – أحمد أمين نمر

في ظل مساعي إيران لفرض وتوسيع نفوذها وسيطرتها السياسية والاقتصادية على بعض الدول في المنطقة العربية كسوريا والعراق واليمن، يسعى النظام الإيراني إلى عزل هذه الدول عن واقعها وتهميش دورها الحضاري وإضعافها مستقبلًا، لتدميرها عبر جنود الغزو الفكري ودعاة التبعية الحضارية؛ إذ تعمل طهران ضمن خطط مدروسة على فرض سيطرتها الثقافية لتسهيل مهمتها في تصدير الثورة الإيرانية، وغرس فكرها الشيعي الفارسي في عقول شعوب الدول التابعة لها.

اقرأ أيضًا: هل يمكن مواجهة التمدّد الشيعي دون فهم قوة إيران الناعمة؟

ولم تكتفِ إيران بأدوارها التخريبية في دعم ميليشيات موالية في حربها بالوكالة على الدول العربية لزعزعة استقرارها وتوسيع نفوذها في المنطقة، بل تمادت حتى وصلت إلى زرع أفكارها الشيعية في المناهج الدراسية بالمناطق التي نجحت بالسيطرة عليها، إذ تنتهج سياسة الاستعمار الثقافي بإنشاء مدارس ترتكز على مناهج فكر الخميني الفارسي.

 

تكريس فكر الخميني في سوريا

وبالعودة إلى تحركات إيران في المنطقة، خصوصًا في دول العراق وسوريا واليمن، نجد مدى سرعة انتشار المدارس والجامعات الإيرانية فيها؛ ففي سوريا، ومع انطلاق الثورة السورية، كثفت إيران جهودها في توسيع المؤسسات التعليمية الداعمة للفكر الخميني، لإعداد جيل يمكن استعماله مستقبلًا في خدمة مشاريعها التوسعية، فأنشأت المدارس والجامعات بشكل مكثف -في ظل دعم وموافقة النظام السوري- حتى وصل عدد الجامعات والكليات التابعة لها في سوريا إلى 5 جامعات هي “المصطفى والفارابي وأزاد إسلامي وكلية المذاهب الإسلامية”، وآخرها “تربية مدرس” التي أعلن عن إنشاء فرعها في سوريا، وزير العلوم والتكنولوجيا الإيراني، منصور غلامي، الأربعاء الماضي، وفق ما نقلته وكالة “إرنا” الإيرانية.

ويأتي تأسيس الجامعات الإيرانية في سوريا، في إطار استكمال مشروع إحكام السيطرة على العقل السوري عقائديًا وسياسيًا وتكريس تبيعته للفكر الخميني الفارسي، إذ كانت طهران قد أسست في السنوات الماضية مدارس باسم (الرسول الأعظم) تدرس المرحلتين الإعدادية والثانوية، وفق منهج دراسي تطلق عليه إيران اسم (منهج آل البيت)، التي تأسست في قلب سنيي الثورة السورية، ليتم إعداد الطالب السوري، وفق الأجندة الإيرانية العقائدية الخمينية. كما افتتحت في يونيو/حزيران الماضي 3 مدارس ابتدائية في مدينتي البوكمال وواحدة في الميادين قرب محافظة دير الزور شرق سوريا بكادر تعليمي إيراني، حيث تم توزيع المناهج الإيرانية باللغة الفارسية على 250 طفلًا سوريًا تتراوح أعمارهم بين 8 و15 سنة.

اقرأ أيضًا: مترجم: إيران تنتهج سياسة إمبريالية تدريجية تهدف إلى بسط نفوذها على دول المنطقة

نظام بشار الأسد التابع عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا لطهران، ساهم بشكل كبير في تعزيز توجهات إيران الاستعمارية على العقول السورية، وهو ما يمكن ملاحظته في تحركات وتصريحات مسؤوليه، عبر مباركة الرئيس السوري بشار الأسد بتوقيعه على مراسيم إنشاء الجامعات، بالإضافة إلى جهود مسؤوليه في تكريس التبعية للنظام الإيراني، باقتراح رئيس لجنة الصداقة البرلمانية السورية الإيرانية، حسين راغب الحسين، لتأسيس “مركز دراسات” يجمع بين وزارة التعليم السورية ووزارة العلوم والتكنولوجيا الإيرانية، حسب ما ذكرت وكالة “سانا” الناطقة باسم النظام السوري. وأكد البرلماني خلال لقائه رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني في طهران يوم الثلاثاء 13 تشرين الثاني/نوفمبر أن دماء الشهداء الإيرانيين التي سقت التراب السوري، ستسجل في المناهج الدراسية للبلاد.

 

الحوثي أداة طهران في اليمن

أما على مستوى اليمن، فاستغلت إيران سيطرتها على المدن والمحافظات عبر مليشياتها الحوثية التي دمرت البنية التحتية، واستهدفت المنشآت العامة والخاصة، وتعمدت على وجه الخصوص تدمير الكثير من المدارس في اليمن خلال الحرب، ليصل مجموع المدارس المدمرة إلى 1700 مدرسة في مختلف المحافظات، مرتكبة خلال السنة الماضية فقط 279 انتهاكًا ضد العملية التعليمية، الأمر الذي حرم 4.5 مليون طفل يمني من التعليم بحسب تقارير رسمية.

وهنا جاء دور النظام الإيراني في بدء مؤامرته لزرع الفكر الشيعي الفارسي في عقول أطفال اليمن، فأنشأ المدارس، ووجه قادة جماعة الحوثي للتدخل في المناهج التعليمية، التي عمدت إلى تغيير المناهج الدراسية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، حيث جرى إضافة مواد تتعلق بمؤسس الجماعة المدعومة من إيران، وكذلك إضافة وتعديل المناهج لما يخدم الفكر الشيعي، الذي تتبناه الجماعة، ابتداء من تدريس “كراسات” مؤسس جماعتهم حسين الحوثي في مدارس صعدة، ووصولًا إلى إجبار الطلاب على ترديد شعاراتهم الطائفية والعنصرية في الطابور الصباحي، وإحياء المناسبات المتعلقة بالجماعة.

اقرأ أيضًا: النفوذ الإيراني في 4 عواصم: لماذا يفشل العرب في صد طهران؟

وتضمنت المناهج الدراسية التي طبعت في العاصمة صنعاء، نشر مفاهيم تمس العقيدة الإسلامية، وتغيير اسم الفاروق عمر بن الخطاب باسم محمود في القصص التي وردت في بعض الكتب، فضلًا عن وضع صور لمؤسس الجماعة حسين الحوثي، بالإضافة إلى التغييرات التاريخية التي طالت ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 التي يعتبرها الحوثيون انقلابًا على حكم الأئمة، إذ تعمدوا محو كل ما يشير إلى هذه الثورة، بينما جرى تغيير مفهوم الإمامة “ليصبح مفهوما إيجابيًا يمجد حكم الأئمة الكهنوتي”. وفي تصريحات سابقة لوزير التربية والتعليم اليمني عبد الله لملس في مارس/آذار من العام الماضي، قال إن الحوثيين تعمدوا استخدام أسهل الطرق وأبسطها من خلال الدخول على صفحات محددة في المناهج، “بمعنى تعديل آية قرآنية أو حديث شريف، وهو ما فعلوه مثلًا في سورتي الشمس والنور، والإساءة للسيدة عائشة وحذفها من الكتب، وكذلك حذف أسماء الصحابة، في مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان”.

وكان وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، قد حذر في وقت سابق في تغريدة على “تويتر” من خطر تلاعب ميليشيات الحوثي بالمناهج الدراسية، مشيرًا إلى أن تلقين ‎الميليشيات الحوثية لأطفال اليمن أفكار إيرانية ضالة ومنحرفة ودخيلة على ثقافة وهوية المجتمع اليمني يعد أخطر الوسائل التي تزرعها الميليشيات لتدمير النسيج الاجتماعي، معتبرًا أن استمرار سيطرة ‎الميليشيات على صنعاء وعدد من المحافظات، وفرض أفكارها المستوردة من طهران وتلاعبها بالمناهج، سيفرز جيلًا من المؤدلجين بالأفكار الخمينية المنحرفة.

 

امتيازات لجذب طلاب العراق

وفي العراق، وبعد غزوه في 2003 وتدهور المؤسسة التعليمية بالبلاد، كانت لإيران الفرصة سانحة لتنفيذ غزوها الثقافي، فبدأت سيناريوهاتها بضرب المؤسسات العلمية وتدميرها، بجانب البنى التحتية عبر ميليشياتها الموالية، ومن ثم شرعت في بناء المدارس ودور الأيتام، ومنظمات المجتمع المدني على شكل مساعدات تتبع للنظام الإيراني ويديرها أشخاص تابعون له، إذ بدأت طهران بإنشاء المدارس الإيرانية في العراق منذ 2013، وذلك بافتتاح أول مدرسة في البصرة للمراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية بتاريخ 18 يونيو/حزيران، لتتوسع بعدها وتشمل محافظة ذي قار والنجف وكربلاء وبغداد، بالإضافة إلى الموصل التي شهد فيها افتتاح أول مدرسة إيرانية رسمية في مناطق الشمال السنية، تحديدًا في محافظة نينوى، باسم مدرسة الإمام الخميني.

اقرأ أيضًا: تركيا وإيران: الاستعمار الجديد في الوطن العربي!

ويرمي المخطط الإيراني إلى بناء المئات من المدارس والمراكز الثقافية في جميع محافظات العراق؛ وذلك بهدف ترسيخ مفاهيم الأيديولوجية الثورية الإيرانية في أذهان أجيال من الأطفال. وتنتشر في العراق حاليًا أكثر من 14 مدرسة إيرانية في وسط وجنوب العراق، حيث يتولى التدريس فيها أساتذة إيرانيون، يقومون بتدريس مناهج خاصة، وتشرف على تلك المدارس الملحقية الثقافية في السفارة الإيرانية ببغداد، وتسعى إدارة تلك المدارس إلى استقطاب أكبر عدد من الطلبة في العراق من خلال الامتيازات التي يحصل عليها الطالب في هذه المدارس، حيث تقدم للطلبة ملابس ووجبات طعام، فضلًا عن المستلزمات الدراسية التي توزع بشكل مجاني، إضافة إلى تخصيص مبلغ من المال لكل طالب.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة