الواجهة الرئيسيةترجمات

إيران تخسر تعاطف المجتمع الدولي بعد الهجمات على منشآت النفط السعودي

ترجمات – كيوبوست

منذ عام مضى، حازت زيارة كلٍّ من الرئيس الإيراني ووزير خارجيته إلى نيويورك اهتمامًا غير مسبوق؛ حيث توجها حينها لحضور الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وتم استضافتهما بعد ذلك في عدد من المؤتمرات واللقاءات التليفزيونية، وكان الإعلام يترقب ما سيقوله المسؤولان الإيرانيان؛ خصوصًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ومن ثَمَّ لم يفوِّتا الفرصة لانتقاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتباره غير جدير بالثقة. وكان الاتحاد الأوروبي قد بذل جهودًا رهيبة لإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الذي تم عقده عام 2015.

فجأة، وبعد مرور عام، يجد الرئيس الإيراني حسن روحاني، ووزير خارجيته جواد ظريف، نفسيهما في وضع الدفاع عن موقف إيران المتأزم؛ فبعد أن نجح ظريف مرارًا في هزيمة نظيره الأمريكي خريج أفضل الجامعات، يجد نفسه مضطرًّا إلى محاولة إنكار تورط إيران في الاعتداء الغاشم الذي تم خلال الأيام الماضية على البنية التحتية للنفط السعودي، وهو الإنكار الذي لم يصدقه حتى المتعاطفون مع الموقف الإيراني. جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، على سبيل المثال، لم يصدق تأكيدات إيران ببراءتها من الهجمات على الأراضي السعودية، وهو نفسه الذي أظهر تعاطفًا كبيرًا مع إيران وقت الاتفاق النووي منذ 4 أعوام.

خطوات إلى الخلف

الآن، تعترف إيران بمدى التدمير الذي ألحقته العقوبات الاقتصادية الأمريكية بها، والتي أدَّت إلى انهيار العملة الإيرانية وانحدار الاقتصاد الإيراني من حالة الازدهار إلى حالة الكساد. وكان ظريف قد اعتاد على توجيه غضبه إلى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، حتى إنه وصف الأخير ذات مرة باعتباره “الشخص الذي لا يكف عن إثارة الحروب”، لكن ظريف هذه المرة كان يتوجه باللوم إلى الأوروبيين؛ على اعتبار أن الاتحاد الأوروبي فشل في الوفاء بأي من الوعود التي اتخذها على نفسه، حيث كان الاتحاد الأوروبي قد وعد بتعويض إيران عن الخسائر في إيرادات النفط بعد العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا عليها، وهو ما استغله وزير الخارجية الإيراني للدفاع عن نفسه خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد الأحد الماضي، قائلًا: “لقد فشل الأوروبيون في الوفاء بكل تفصيلة صغيرة من كل الوعود الضخمة التي قطعوها على أنفسهم”.

وزيرا الخارجية الفرنسي والإيراني في نيويورك هذا الأسبوع

“لابد أن الأوروبيين يجلسون في انتظار الضوء الأخضر من أمريكا”، كانت هذه هي الجملة التي استخدمها ظريف لوصف موقف الاتحاد الأوروبي من إيران خلال الفترة الماضية، وهو يقصد من وراء ذلك أن كلًّا من بريطانيا وفرنسا وألمانيا لم تكن لديها النية الكافية للالتزام بوعودها حيال إيران؛ خصوصًا إذا كان الوفاء بتلك الوعود سيستتبع تأزُّم علاقاتها مع إدارة ترامب المتأزمة أصلًا.

اقرأ أيضًا: لماذا يُعد الهجوم الأخير على السعودية فرصة إيران المنتظرة؟

ويشهد الوضع الإيراني المزيد من التعقيد؛ خصوصًا مع التصريحات التي أطلقتها القيادات السياسية في بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ليلة الإثنين الماضي، والتي اتهمت فيها الدول الثلاث إيران، في تصريحات مشتركة، بالاعتداء على الأراضي السعودية، كما دعت الدول الثلاث إلى عدم الاكتفاء بالنظر إلى الملف الإيراني النووي بل إلى ضرورة مناقشة بعض التجاوزات الأخرى التي تتعلق بإيران. وقد توجَّه رؤساء الدول الثلاث إلى اجتماع عاجل بالأمم المتحدة؛ وهو ما نتج عنه صدور تلك التصريحات المشتركة التي لا يخفى على أحد اتفاقها مع الموقف الأمريكي تجاه إيران. ومن هنا يمكن القول إن هناك تغيُّرًا مفاجئًا يحدث في موقف الاتحاد الأوروبي من إيران.

ومنذ عام مضى، كان المسؤولان الإيرانيان قد توجها إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة بعد 3 أشهر فقط من انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، محمَّلَين بنية مبيتة للإيقاع بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. بينما يشهد هذا العام تحركات الرئيس الإيراني ووزير خارجيته بين المؤتمرات ووسائل الإعلام في نيويورك وهما مهمومان بكشف العجز الأوروبي عن إيجاد حلول قاطعة للوضع المتأزِّم؛ حتى إن القرض الذي قررت فرنسا منحه لإيران بقيمة 15 بليون دولار، لتعويض خسائر تجارة النفط الإيرانية، فشل في تحقيق أهدافه. ولا يعتقد أحد أن واشنطن على الجانب الآخر ستقدم أي تنازلات، كما أن البنوك الأوروبية لم تكن ستقدم على منح أي قروض؛ خصوصًا إذا كانت تلك القروض لن يتم ردّها بالدولار الأمريكي.

وعلى ما يبدو أن إيران كانت مستعدة لقبول تحدي ترامب قبل أسبوعين من الآن، حينما عرض الرئيس الأمريكي على الإيرانيين الجلوس إلى مائدة المفاوضات؛ لكن الهجمات الأخيرة وما أعقبها من اتهامات للإيرانيين بالتورُّط دفعت المسؤولين الأمريكيين إلى الإشارة إلى فوات الأوان على إمكانية التفاوض مع إيران.

وبينما انتقد وزير الخارجية الإيراني القرار الذي اتخذته إدارة ترامب، يوم الجمعة الماضي، وهو القرار الذي تم توصيف البنك المركزي الإيراني فيه باعتباره ممولًا للإرهاب، أصبح من الواضح أن قرارًا كهذا جدير بمنع المؤسسات الدولية كافة من التعامل مع البنك المركزي الإيراني؛ وهو ما يعني، على حد تعبير ظريف، أن الرئيس الأمريكي نجح في إغلاق الأبواب كافة أمام المفاوضات؛ سواء قصد ذلك أو لم يقصد.

اقرأ أيضًا: ترجمات: المواجهة الإيرانية- الأمريكية.. كيف آل الوضع إلى ما هو عليه؟

ومن جانبه، لم يتهاون وزير الخارجية الأمريكي في اقتناص الفرصة، فقبل أن ترِد أيّة أدلة قضائية تشير إلى تورط إيران في الهجمات بشكلٍ دامغ، قام بومبيو بتوجيه أصابع الاتهام إلى الإيرانيين؛ وهو ما غيَّر من الاتجاه الذي كانت تسير فيه المفاوضات. وكان بومبيو يعلم أن باتخاذه خطوة كتلك سيكون قد اقتنص الفرصة التي ظل يبحث عنها لمدة 18 شهرًا، وهي أن يقطع الطريق على الاتحاد الأوروبي ويجهض محاولاته للتخفيف من حدة العقوبات الاقتصادية على إيران.

كل أوراق اللعبة

من المتوقع خلال الأيام القليلة القادمة، أن تقوم الأطراف كافة بإظهار كل ما لديها؛ حيث يحضر روحاني الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ومن المزمع أن يقوم بالإعلان عما يُسمى بـ”ائتلاف الأمل”، وسيدعو روحاني عددًا واسعًا من الدول خلال الاجتماع؛ للانضمام إلى ما دعاه ظريف بقوات “تأمين مصادر الطاقة وحرية الملاحة”.

ومن بين الأشياء المخطط لها أيضًا خلال زيارة روحاني إلى الأمم المتحدة، اجتماع يضم وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، مع الدول الموقعة على الاتفاق النووي لعام 2015، وهو الاجتماع الذي سيشهد غيابًا بارزًا لأحد الأطراف الموقعة؛ أي الولايات المتحدة الأمريكية. وبينما أشار ظريف إلى ترحيبه بحضور بومبيو للاجتماع الذي سيناقش مستقبل الاتفاق النووي، لن تكون الولايات المتحدة قادرة على فعل ذلك قبل تعهدها بالالتزام مرة أخرى ببنود الاتفاقية القديمة.

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في جدة الأسبوع الماضي لمناقشة الهجمات الأخيرة على المنشآت النفطية السعودية

وربما يكون هناك دعم حقيقي لبنود الاتفاقية القديمة من قِبَل الأطراف التي ستحضر الاجتماع، فما زال الأوروبيون عند وجهة نظرهم حيال العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران؛ حيث ينظرون إلى الضربات التي وجهتها إيران إلى حركة الملاحة والهجمات الأخيرة على السعودية باعتبارها نتيجة مباشرة للعقوبات الاقتصادية، لكنهم في الوقت نفسه ينظرون إلى الهجمات الأخيرة باعتبارها تهديدًا لكل الآمال التي تتعلق باستعادة إيران إيراداتها المستحقة من النفط.

اقرأ أيضًا: الطائرات دون طيار الإيرانية.. سلاح الحوثيين الجديد ضد السعودية

ولم تتوقف تصريحات ظريف المتحدية للولايات المتحدة؛ حيث قال: “على الولايات المتحدة أن تظهر كونها شريكًا جديرًا بالثقة قبل أن نفكر في خوض أي مفاوضات معها”، وأضاف مستخدمًا تعبيرًا أمريكيًّا لانتقاد الأمريكان أنفسهم: “ليس من الحكمة أن نشتري الحصان نفسه مرتَين”. كما لم يتوانَ ظريف على تأكيد الأمر نفسه؛ فعلى حد تعبيره كان قد سبق لإيران منح الثقة للولايات المتحدة عام 2015، مشددًا على الصعوبة التي عاناها، حينذاك، لإقناع القادة الإيرانيين المتشككين، والقادة العسكريين على وجه الخصوص، بضرورة التخلي عن التسليح النووي.

وعلى ما يبدو أن إيران نفسها قد تراجعت عن الالتزام بكل بنود الاتفاق النووي؛ حيث بدأت في ربيع العام الجاري في زيادة استثماراتها النووية حين تخطَّت الحد المسموح به لإنتاج المواد النووية، فضلًا عن رفع معدلات التخصيب خلافًا لبنود الاتفاق. وكان روحاني قد سبق ووعد بتصميم برنامج دقيق لاستخداماتها النووية قابل للقياس والمراجعة من قِبَل المنظمات الدولية، إلا أنه عاد لتأكيد إحساسه بالخذلان. فعلى حد تعبيره كان “كلما يمضي في الالتزام بوعوده يُواجَه بتفريغ الاتفاق النووي من مضمونه”. وأخيرًا جاء تصريح ظريف الذي يبدو أنه يختصر كثيرًا من الأمور، حين طالب الأوروبيين بعدم الانصياع للولايات المتحدة، وهو الحل الذي يبدو صعبًا عليهم، إلا أنه الطريق الوحيد لحل الأزمة، على حد تعبيره.

المصدر: نيويورك تايمز

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة