الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

“إمبراطورية الدم”.. تاريخ من التدمير الممنهج على يد الأتراك

يوثق الكتاب الصادر مؤخراً ضمن سلسلة "كتاب اليوم" التدمير التاريخي والممنهج الذي قام به الأتراك بحق العرب والحضارة الإسلامية على مدى القرون الماضية

كيوبوست

“مَن يقرأ التاريخ يفهم نصف الحاضر ويملك نصف المستقبل”، بهذه العبارة اختار الكاتب الصحفي الدكتور أسامة السعيد، بداية كتابه «إمبراطورية الدم.. حقيقة الوجود التركي في المنطقة العربية»، والصادر مؤخراً ضمن سلسلة “كتاب اليوم”، وتضمن ما وصفه الكاتب بـ”زيارة جديدة للتاريخ”، مستلهماً العبارة الشهيرة للكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، عند العودة للنظر في الدور العثماني التخريبي في الوطن العربي، منطلقاً عبر 10 فصول ليقدم رصداً ورؤية لما وصفها بـ”الأكاذيب العثمانية”.

اقرأ أيضاً: دعم تركيا ميليشيات السراج يهدد بتدويل المعركة العسكرية في ليبيا

أسامة السعيد

كذبة تاريخية

في الفصل الأول الذي حمل عنوان “كذبة عمرها 500 عام”، يتطرق الكاتب إلى ما يُسميه بـ”اللعبة الخطيرة” حول اعتماد الأتراك على تفسير غزوهم الأراضي العربية باعتبارها فتوحات، والتلاعب والابتزاز السياسي باسم الدين؛ في محاولة منهم لتوظيف الفكرة الدينية من خلال مصطلحات “الفتح” و”الخلافة”، لتوفير القبول الشعبي للاحتلال وتقديمه في صورة مقبولة.

لكن القراءة المتأنية للتاريخ تكشف عن أن الوجود العثماني لم تكن له علاقة بالدين ولا استعادة أمجاد الإسلام؛ بل كان خصماً من رصيد الإسلام الحضاري، وأسس لسنواتٍ طويلة من العزلة والظلام التي أضعفت الإسلام

والمسلمين لتسلمهم لاحقاً لقمة سائغة لقوى الاستعمار الأوروبي، فجعلت الأراضي العربية تخضع لهيمنة القوى الأجنبية، ولا يزال العرب والمسلمون يدفعون ثمناً فادحاً لها حتى اليوم.

يؤكد الكاتب أن تيارات الإسلام السياسي التي أخذت في التصاعد بشكل واضح منذ سبعينيات القرن الماضي، تبنَّت مسألة الدفاع عن تاريخ العثمانيين العرب وغسل سمعتهم؛ بل وقامت بدور خطير في تصوير “العثمانيين” باعتبارهم امتداداً لدولة الخلافة، التي تعتبر وفق اعتقادهم امتداداً للخلافة الراشدة حتى عصر الرسول.

غلاف الكتاب

خيانة عثمانية

من خلال إعادة قراءة في بدايات الدولة العثمانية، يوثِّق الكتاب العلاقات التي جمعت بين الدولة العثمانية والدولة المملوكية، وكيف كانت العلاقات طيبة حتى وصول سليم الأول إلى السلطة؛ حيث كان يسعى لتخليد اسمه، وفي سبيل حبه للحرب تخلص من أشقائه وأبنائهم حتى ينفرد بالسلطة، وقام باستصدار فتاوى من شيوخ دولته لمحاربة الدولة المملوكية التي كانت حدودها تمتد من حدود العراق وجنوب الأناضول حتى شمال إفريقيا وجنوب السودان، مستغلاً حالة الضعف ومنتزعاً الفتوى الدينية بعد وقوف المماليك على الحياد في الحرب العثمانية مع الدولة الصفوية الشيعية الناشئة في فارس والعراق.

يبرز هنا نهج التفكير العثماني لتوظيف الدين في السياسة؛ فالحروب العثمانية في أوروبا ليست بحاجة إلى تبرير ديني، وكذلك الصراع مع الدولة الصفوية الشيعية؛ لكن مسألة قتال المسلمين السُّنة من المماليك كانت بحاجة إلى فتوى دينية صريحة، وذلك من أجل إقناع الجنود للقبول بالقتال لتنفيذ أطماع سلطانهم التوسعية؛ وهو ما حدث عبر قاضي عسكر الأناضول، آنذاك، كمال باش زادة، بينما تلاعب سليم الأول بالسلطان الغوري وظل يرسل رسائل ود إليه، نافياً نيته الاقتتال مع حاكم إسلامي في الوقت الذي كان يتحرك فيه عسكرياً للوصول إلى القاهرة.

سعى العثمانيون للسيطرة على الثروات العربية

وعلى الرغم من المقاومة التي واجهت العثمانيين قبل دخول القاهرة، والقوات المملوكية التي دافعت عنها مع السلطان “طومان باي”؛ فإن أعمال السلب والنهب التي نفذتها القوات العثمانية، سواء في الشام أو مصر بعد دخولها، عكست الطبيعة البربرية للنهب، والتي كانت تتم بشكل ممنهج وبصورة شهدت تمادياً من القوات في ظل عدم وجود ردع من القيادة العثمانية، وهو ما أطال المقاومة ضد العثمانيين.

لكن أبرز ما يوثقه الكتاب هو ما حدث من قيامهم بحرق مسجد “شيخو” ومداهمة الأزهر ومسجد السيدة نفيسة والمساجد التي احتمى بها المماليك؛ لتقوم القوات العثمانية بقتلهم وإلقاء جثثهم في النيل أو للكلاب الضارية بأوامر من السلطان سليم شخصياً في معركة قُتل فيها نحو 10 آلاف شخص.

عمد العثمانيون لتدنيس المساجد بما فيها الأزهر

وهنا ينتقل الكتاب لتوثيق عملية السرقة الممنهجة التي جرت للوثائق والكتب التاريخية والمخطوطات الموجودة في مصر والشام، ونقلها إلى إسطنبول، ووصل عددها إلى ما يزيد على 250 ألف مخطوطة نادرة باتت في مكتبات إسطنبول.

اقرأ أيضاً: الاختراق التركي المقلق في ليبيا

قرون الظلام

في المقابل، فإن سنوات الحكم العثماني هي “سنوات الظلام”، وهذا تحديداً ما ركز عليه الفصل الرابع في الكتاب، معتبراً أن الدولة العثمانية تسببت في قرون من الظلام بعدما عاشت المنطقة 400 عام من العزلة تتخبط في جنبات الجهل والخرافات التي نشروها في الوطن العربي، وقاموا خلالها بمعاداة العلم والثقافة والتنوير؛ وهو ما يظهر جلياً في الفارق بين الميراث الفكري والثقافي والعلمي الذي تركته الخلافتان الأموية والعباسية مقارنة بالحكم العثماني.

بخلاف استقطاع الأموال والجبايات للسلطان، فإن الدولة العثمانية أظهرت عنصرية غير مسبوقة بتهميش أجناس كاملة وعزلهم وقمعهم لصالح إبراز العنصر التركي في الوقت الذي لم يقدم فيه الأتراك إنجازاً حضارياً حقيقياً مقارنةً بما حققه العرب في القرون السابقة؛ بل إنه عيَّن ولاة على الأقاليم الخاضعة له بشكل بعيد عن الكفاءة، معتمداً على الرشاوى المتلقاة.

يتطرق الكتاب أيضاً إلى كارثة الامتيازات الأجنبية التي قامت بإقرارها الدولة العثمانية في عز قوتها، ووصلت إلى درجة عدم خضوع الأجانب المقيمين التابعين لبعض الدول لقوانين الدولة التي يقيمون على أرضها ويرتكب الجرائم بحق مواطنيها؛ حيث مهدت تلك الامتيازات الطريق أمام الاستعمار الأوروبي للدول العربية مع ضعف الدولة العثمانية لاحقاً.

خسرت الدولة العثانية حروبها وسلمت الدول العربية للاستعمار

يوثق الكاتب أسامة السعيد، في الفصل السادس من الكتاب، الوقوف العثماني في اللحظات الفارقة ضد المصلحة العربية في مواقف عدة، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، التخلي عن مسلمي الأندلس إبان سقوط الدولة الأموية. فرغم رفع العثمانيين راية الدفاع عن الإسلام؛ فإن حكامهم رفضوا إنقاذ غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وعوضاً عن ذلك وجهوا الجيوش العثمانية نحو بلاد الشام ومصر؛ من أجل الإطاحة بحكم المماليك.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة