الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

“إلغاء مقاطعة إسرائيل”.. الخرطوم تحث الخُطى نحو التطبيع الكامل

مراقبون لـ"كيوبوست": قرار مقاطعة إسرائيل كان حبراً على ورق.. وإلغاؤه سيفتح الباب أمام الازدهار والنمو الاقتصادي في السودان

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

ما كان لسوداني واحد أن يجرؤ بالحديث جهراً عن التطبيع مع إسرائيل قبل انقلاب الإخوان المسلمين على الحكومة  الديمقراطية 30 يونيو 1989، كما لم يكن الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، سيتمكن من ترحيل الفلاشا إلى إسرائيل 1984 لولا تحالفه مع الإسلاميين، ووجودهم الكثيف في حكومته بعد إعلانه -بإيعازٍ من الترابي- تطبيق ما سُمي وقتها بقوانين الشريعة الإسلامية 1983. حينها لم يعترض الترابي، الذي كان وزيراً للعدل، النسخة الإسلامية من حكومة النميري.
وبإجازة 
مجلس الوزراء، الثلاثاء الماضي، مشروع قانون جديد يلغي بموجبه “قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958م”، مع تأكيده موقف السودان الثابت تجاه إقامة دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين، كان طبيعياً أن تأتي الأصوات المعترضة على مشروع القانون منخفضة ولا أثر لها في الواقع السوداني المتشابك بقضايا أكثر تعقيداً.

نتنياهو والبرهان- صورة مركبة

الآن، تم إلغاء القانون الذي لم يحترمه أحد منذ أن أطلق في عام 1958، ولم يبد أي حزب سياسي سوداني اعتراضاً جدياً عليه؛ فحزب الأمة القومي كان الوحيد الذي أصدر بياناً رسمياً، وهو أكبر حزب مشارك في حكومة عبدالله حمدوك الحالية، كما أنه أكبر الأحزاب السياسية تمثيلاً في مجلس السيادة برئاسة الفريق عبدالفتاح البرهان، فضلاً عن أنه يعتبر تاريخياً أول حزب سياسي طبَّع مع إسرائيل منذ عام 1957، قبل صدور القانون مثار الجدل نفسه.

مصلحة وطنية

خبير قانوني من وزارة العدل السودانية، قال لـ”كيوبوست”: إن العملية التقنية لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1958 لم تكتمل بعد، ولا تزال بانتظار جلسة مشتركة بين مجلسَي الوزراء والسيادة؛ لإجازة المشروع بشكل نهائي، توطئة لدخوله حيز التنفيذ.

اقرأ أيضاً: السودان.. التطبيع مقابل رفع العقوبات.. “صفقة رابحة أم خاسرة“؟

وأضاف الخبير، الذي فضَّل حجب اسمه: المادة (2) من القانون قيد الإلغاء تحظر على أي شخص أن يعقد بالذات أو بالوساطة اتفاقاً من أي نوع، مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو مع هيئات أو أشخاص يعلم أنهم ينتمون بجنسيتهم إلى إسرائيل أو يعملون لحسابها، كما يحظر التعامل مع الشركات والمنشآت الوطنية والأجنبية التي لها مصالح أو فروع أو توكيلات عامة في إسرائيل، ويُحدد مجلس الوزراء تلك الشركات والمنشآت، بينما تحظر المادة (3) دخول أو تبادل أو الاتجار في البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية المنقولة في السودان، سواءً وردت من إسرائيل مباشرة أو بطريق غير مباشر.

رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك

وكشف الخبير لـ”كيوبوست” عن أن اتفاق أبراهام الذي وقعه وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين، في الخرطوم 5 يناير 2021، مع حكومة السودان، نص على ترسيخ التسامح والحوار، والتعايش بين مختلف الشعوب والأديان بمنطقة الشرق الأوسط والعالم؛ بما يخدم تعزيز ثقافة السلام، والعمل على الوصول إلى سلام مستدام بالمنطقة والعالم عبر التعاون المشترك والحوار بين الدول لتطوير جودة المعيشة؛ وبالتالي كان لا بد للحكومة السودانية من إزالة كل المعوقات التي تعترض تطبيق الاتفاق والوفاء به؛ وأولها قانون مقاطعة إسرائيل.

اقرأ أيضاً: السودان يقترب من التطبيع مع إسرائيل بعد لقاء نتنياهو والبرهان

وائل عابدين

من جهته، اعتبر المستشار القانوني وائل عابدين، أن قرار إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958م يجسد تحيزاً تاريخياً للمصالح القومية العليا للسودان، ووصفه بالقرار الشجاع، وذلك في إطار توجه الحزب الداعم بالكامل للحكومة الانتقالية؛ ومن ضمنها مشروع قانون إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل.

وأشار عابدين، في حديثة إلى “كيوبوست”، إلى أن إنهاء حالة العداء وتطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل، جاء ضمن خطوات وإجراءات ملزمة للحكومة السودانية لرفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وعدَّه اختراقاً إيجابياً يعزز فرص حماية الأمن القومي، ووحدة السودان وسلامة مواطنيه، مضيفاً أن “إسرائيل ظلت منذ الاستقلال حتى قيام الثورة المجيدة في ديسمبر، مهدداً حقيقياً للاستقرار في السودان؛ بدعمها بعض الحركات المسلحة المتمردة، ما أسهم في إطالة أمد الحروب والنزوح، وأدى إلى تشرد العديد من الأُسر السودانية وتسرب أكثر من 3 ملايين طفل في عمر الدراسة خارج العملية التعليمية”، مشدداً على أن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل تُعظِّم فرص جذب الاستثمارات المباشرة للسودان، دون أن يتعارض ذلك مع دعم حقوق الشعب الفلسطيني المعترف بها وفقاً للقانون الدولي.

اقرأ أيضاً: وفد إسرائيلي في الخرطوم.. والحكومة السودانية (لا تعلم)!

حبر على ورق

وفي السياق ذاته، شددت الصحفية والباحثة السياسية خالدة ود المدني، لـ”كيوبوست”، على أن أحزاب الإسلام السياسي؛ وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، لم تصدر بياناً رسمياً حول إلغاء مجلس الوزراء قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1958 حتى الآن، عدا بعض الخطب التي يلقيها منسوبوها من على منابر المساجد أو مقاطع الفيديو التي يبثونها على مواقع التواصل الاجتماعي.

خالدة ود المدني

وأضافت ود المدني: في الواقع، فإن هذا القانون لا وجود له إلا على الورق؛ فقد ظل دائماً عرضة للاختراقات حتى في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين التي رفعت شعاراتٍ راديكالية عقب انقلابها على النظام الديمقراطي 1989، واستضافت كل أعداء إسرائيل، ووفرت لهم الحماية وسهَّلت عليهم الحصول على السلاح “حركة حماس”؛ ما أدى إلى قصف طائرات إسرائيلية في أكتوبر 2012 مصنعَ اليرموك للأسلحة بالخرطوم وتفجيره، وأعقبه استهداف مماثل لسيارة مواطن سوداني يعمل سراً على توريد السلاح لحركة المقاومة الفلسطينية حماس؛ في ما يعرف بين العامة على أنه تاجر مواشي، وكان ذلك في مدينة بورتسودان الواقعة على ساحل البحر الأحمر.

اقرأ أيضاً: السودان وإسرائيل.. تاريخمنالعلاقاتغيرالمتسقة

ومنذ ذلك الوقت، تغير الخطاب السياسي للحركة الإسلامية السودانية إزاء إسرائيل، وارتفع صوت تيار جديد داخلها يطالب علناً بالتطبيع مع إسرائيل؛ على رأسه كرم الله عباس الشيخ، القيادي البارز في جماعة الإخوان، وحاكم ولاية القضارف (شرق السودان).
تواصل
ود المدني: لاحقاً التقى مسؤولون كبار في حكومة البشير المُطاحة؛ في مقدمتهم مدير جهاز الأمن والمخابرات الأشهر الفريق صلاح قوش؛ مسؤولين أمنيين إسرائيليين؛ حيث التقى قوش رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين، على هامش مؤتمر ميونخ للأمن الذي عُقد في ألمانيا مارس 2019.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد السودان من تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟

واستطردت ود المدني: يجب أن لا ننسى تعاون نظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، في ترحيل اليهود الإثيوبيين (الفلاشا) إلى إسرائيل في عملية موسى 1984، لذلك فإن أنسب عبارة لوصف قانون مقاطعة إسرائيل الملغي، الثلاثاء الماضي، هي أنه “حبر على ورق”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة