الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

إفريقيا مسرحاً أمريكياً جديداً للحرب على الإرهاب

الحرب على الإرهاب لم تنته بعد وما حدث هو نقل لساحة المعركة من آسيا الوسطى إلى إفريقيا قِبلة الاستثمار العالمي

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

نهاية أُغسطس الماضي، لم تكن نهاية الحُلم الأمريكي في أفغانستان فحسب، بل كانت لحظة تاريخية صريحة جليّة كشفت للشعب الأفغاني عن عشرين عاماً من الخداع المستمر، لينتهي كل ذلك بوضعه أمام (الكابوس) مباشرة. كان ذلك عندما غادرت آخر طائرة شحن أمريكية من طراز C-17، مطار كابول، وأخلته لحركة طالبان المتشددة، كما وضعت كل الشعب الأفغاني بين يديها، لقمة سائغة.

اقرأ أيضاً: “لا توجد كابول إفريقية”.. فهل ستُنقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا؟

قال الرئيس الأمريكي جو بايدن: “لن نمكث هنا إلى الأبد”. ونشرت نيويورك تايمز، لاحقاً، 10 سبتمبر الجاري، تقريراً مُفصّلاً وضافِياً، تحت عنوان “عشرون عاماً من الحرب الطاحنة على الإرهاب، ولا نهاية تلوح في الأفق”، سلَّطت فيه الضوءَ على ما جرى في أفغانستان، وهل يعني الانسحاب منها نهاية الحرب على الإرهاب أم نقلها إلى جُغرافية أُخرى، إفريقيا على الأرجح، بل إفريقيا تحديداً.

الرئيس النيجيري يتفقد قوات مكافحة الإرهاب- وكالات

تقول اليومية واسعة الانتشار، إن المخابرات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه)، ظلّت تعمل بهدوء ودون ضوضاء على إنشاء وتوسيع قاعدةٍ عسكريّة سريِّة في عمق الصحراء الإفريقية، قبل الانسحاب من أفغانستان بسنواتٍ، وأنها ما انفكت تُدير من هناك عملياتِ رقابةٍ واسعة لتحركاتِ مُقاتلي داعش والقاعدة في ليبيا، وتحصي سكنات وخفقات الجماعات المتطرفة الأخرى في تشاد ومالي والنيجر، من خلال طائرات الدرونز التي تنطلق من قاعدتها في الصحراء الإفريقية.

إن إسدال الستار على المشهد الأفغاني، لا يعني بالضرورة توقف الحرب على الإرهاب، تؤكد “نيويورك تايمز” ذلك، مستخدمة عبارة “ومع ذلك تستمر الحرب” عنواناً جانبياً لاستعراضِ تفاصيل وتطورات نقل مسرح الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا، حيث تكشف عن استئنافِ القيادة العسكرية الأمريكية، الضرباتِ الجويّة بطائراتٍ بدون طيار، ضد حركة الشباب المرتبطة بالقاعدة في الصومال، فيما تدرس وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إمكانية إرسال عشرات المدربين العسكريين الأمريكيين إلى الصومال لمساعدة القوات المحلية في محاربة الإرهابيين.

اقرأ أيضاً: بعد هزائم ساحقة.. “داعش الموزمبيقي يتقهقر أمام الجيش الرواندي”

لم تنته بعد

بين كل هذا وذلك، تزداد المخاوف في إفريقيا، بين مؤيدٍ ومناوئ، لاتخاذِ القارة الفقيرة منصة حربٍ جديدة على الإرهاب، عبر التدخل الأمريكي المباشر. ويُفضّل كثيرون من القادة الأفارقة، عبّر عنهم الرئيسُ النيجيري محمّدو بُهاري، في مقالٍ ضافٍ نشرته دورية “فاينانشيال تايمز” البريطانية، وأشارت إليه كيوبوست في تقريرٍ سابق، أسلوبَ الشراكة الشاملة التي دعَت إليها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، والتي تتطلب أموراً أخرى غير المساعدات العسكرية؛ حتى لا تصبح إفريقيا الهشة ساحةً لأنشطة الإرهابيين في السنوات القادمة؛ منها: الاستثمار الأجنبي المباشر، من خلال الدعم التقني والاستخباري للجيوش الإفريقية.

مفرزة من الجنود الأمريكيين في الصومال- وكالات

وفي هذا السياق، يقول الباحث السياسي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي؛ فتحي عثمان، إنّ الحرب على الإرهاب لم تنته بعد، وما حدث هو نقل لساحةِ المعركة من آسيا الوسطى إلى إفريقيا التي أصبحت قِبلة الاستثمار العالمي، حيث تمتلك، وفقاً لتقارير دولية متطابقة، ثُلثي الأراضي الزراعية غير المُستغلة في العالم، ويوجد بها أغنى تجمع للمواد الطبيعية، كالنفط والماس والذهب والنحاس واليورانيوم والليثيوم وغابات الأخشاب الصلبة والفواكه الاستوائية. إنها القارة الواعدة، يضيف عثمان، ويمضي قائلاً لـ”كيوبوست”: إن اختيار إفريقيا ساحة بديلة للحرب على الإرهاب، صار أمراً واقعاً، لكن على الإدارة الأمريكية أن تتجنب الوقوع في ذات الأخطاء التي ارتكبتها في العراق وأفغانستان، تلك الأخطاء التي أنتجت جماعاتٍ إرهابية جديدة مثل (داعش) وغيرها.

اقرأ أيضاً: إفريقيا الوسطى.. من الهيمنة الفرنسية إلى السيطرة الروسية!

جيوش إفريقية وإسناد أمريكي

فتحي عُثمان

بالنسبة لعثمان، فإن التدخل الأمريكي المباشر، لن يكون مجدياً في إفريقيا، كما لم يكن في العراق وأفغانستان، لذلك على إدارة بايدن أن تعي الدرس جيداً، وأن تعمل على إسناد وتدريب الجيوش الإفريقية لتتولى وحدها هذه المهمة، وهذا ما حققه الجيش التشادي ضد إرهابيي بوكو حرام، والجماعات الأخرى، وما حققه الجيش الرواندي في إفريقيا الوسطى وموزمبيق، والآن في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان.

يواصل عثمان حديثه إلى “كيوبوست”، من وجهة نظري، فإنّ تجارب مشاركة الجنود الأمريكيين بشكلٍ مباشر في الحرب كانت فاشلة، وقد تعرضوا عام 1993 للسحل في الصومال، وقتل أربعة منهم في كمين نصبته داعش في النيجر، 2017، كما أن هناك أمراً آخر مهمّاً، ينبغي النظر إليه بجدية في هذا السياق، وهو نظرة الشعوب الإفريقية إلى الغربيين عموماً ما تزال تلخصهم في محض مستعمرين، لا يمكن أن يتكبدوا وعثاءَ السفر وعناء المغامرة من أجل عيون الإفريقيين، وإنما لديهم مآرب أخرى، وبالتالي ربما تحفز المشاركة الأمريكية المباشرة هذا الجانب، عبر النظر إلى الجندي الأمريكي كعدو وليس منقذاً، وهذا حدث من قبل في الصومال، قبل ظهور القاعدة وداعش وهجمات سبتمبر، وبروز مصطلح الحرب على الإرهاب.

لذلك من وجهة نظري أن تكتفي إدارة الرئيس بايدن، بدعم الجيوش الإفريقية تسليحاً وتدريبياً واستخبارياً ولوجيستياً، ولا تتدخل في الحرب إلا إذا استدعت الضرورة القصوى، وقبل ذلك كله عليها دعم الديمقراطية وتشجيعها، والمساعدة في التنمية الاقتصادية والبشرية، غير ذلك فإنها ستعيد تجربتيّ العراق وأفغانستان، وهذا ما تخشاه النخب والشعوب الإفريقية على حد سواء.

اقرأ أيضاً: أبوبكر شيكاو الإرهابي الأكثر وحشية.. هل مات منتحراً؟

ليست ناجحة، ولم تكن فاشلة

حسن طويل

بالنسبة للصحفي والمحلل السياسي؛ حسن طويل، فإنّ وصف الحرب الإرهاب في العراق وأفغانستان بالفاشلة، ليس منصفاً، بل يتسم بقراءة سياسية أحادية؛ لأنها ليست كذلك بالنسبة للأمريكيين، فهم على الأقل تمكنوا من نقل ساحة المعركة إلى خارج أمريكا، فيما كانت القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى تخطط لجعل أمريكا ساحة لها، وقد بلغ هذا التخطيط أوجه في هجمات 11 سبتمبر، 2001. هذا أولاً، وبناء عليه يمكننا القول إن الخطة الحالية التي تستهدف نقل المعركة إلى إفريقيا، ينبغي أن تكون مختلفة، وأن تتلافى الأخطاء الكبيرة التي شابت العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان.

يواصل طويل حديثه لـ”كيوبوست”، مشيراً إلى أن أيَّ إخفاقٍ في الحربِ القادمة على الإرهاب، التي ستتخذ من إفريقيا ميداناً لها، سيترتب عليه نتائج وخيمة، إذا ما أخذنا الوجود الإفريقي الكثيف في الولايات المتحدة نفسها، فمجتمع الأمريكيين من أصول إفريقية خالصة، يعتبر الكتلة البشرية الثانية في الولايات المتحدة، بنحو 50 مليون شخص، هذا غير المختلطين منهم بأعراقٍ أخرى، كما أن هناك وجوداً إفريقياً مُقدَّراً في دولِ غرب أوروبا، خاصة بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وشمال أوروبا، لذلك فإن هؤلاء يمثلون ظهيراً لحماية مصالح القارة، كما يمكن لبعضهم أن يكونوا خلايا نائمة محتملة لتوجيه ضرباتٍ إلى العمق الأمريكي والأوروبي، حال انحراف الحرب على الإرهاب عن مسارها وأهدافها، وحال تضرر المدنيين من السكان الفقراء منها، تماماً مثلما حدث من تفجيراتٍ إرهابية كردود فعل على الحرب على العراق وأفغانستان، كتفجير قطار مدريد عام 2004، وتفجيرات مترو الأنفاق في لندن عام 2005، وهجمات عام 2015 على ملهى ليلي وملعب كرة قدم في باريس، التي كان معظم المتهمين فيها من أصولٍ عربية أو آسيوية، لذلك فإن الحرب المحتملة القادمة لن تنجح دون مراعاة كلِّ هذه الجوانبِ، والاستفادة من التجارب السابقة، بتجنب عمليات التعذيب والقتل.

قائد قوات الاتحاد الأوروبي إلى (غرب إفريقيا) يصافح جندياً ماليّاً- وكالات

لا للتدخل المباشر

يستطرد طويل: في الواقع لم تتوقف الولايات المتحدة عن قتالِ الجماعات الإرهابية في إفريقيا، إما بالتدخل المباشرة عبر الضربات الجوية الخاطفة بالمُسيرات أو عن طريق وكلائها في كينيا ومالي ونيجيريا وليبيا وتونس، لكن ذلك يجدي على المدى الطويل، ما لم تتخل عن سياساتها في الميليشيات، كما حدث مع الأكراد في سوريا، والميليشيات القبلية في ليبيا، عليها أن تتعامل مباشرة مع الجيوش النظامية، فهي الأكثر كفاءة وتأييداً شعبياً.

اقرأ أيضاً: ترحيب دولي بانضمام الإمارات إلى جهود مكافحة الإرهاب في إفريقيا

ويضيف: نقل الحرب إلى إفريقيا ليس نزهة، ولن تجدى معه التصورات الأمريكية الكلاسيكية التي خاضت على أساسها الحرب في جُغرافياتٍ أخرى، فهذه الحرب المحتملة تتطلب خططاً واستراتيجياتٍ وتكتيكات مختلفة، باختلاف الجغرافيا والسياسة والديموغرافيا والثقافة، وإلا فالنهاية ربما تكون أكثر درامية مما شاهدناه في مطار كابول.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة