الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

“إعلان فاس” يدعو إلى العيش المشترك وتحالف الحضارات

المغرب- حسن الأشرف

خلص المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات الذي اختتمت فعالياته وأشغاله الأربعاء 23 نوفمبر الجاري بالمغرب إلى إصدار “إعلان فاس”، والذي يتضمن التنصيص على العديد من الأسس والركائز التي قام عليها التحالف، كما يرسم أوليات الاشتغال، وبرنامج العمل في المرحلة المقبلة.

وفي سابقةٍ من نوعها شهد المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات بمدينة فاس المغربية حضوراً لافتاً ونوعياً ضم أكثر من 1500 مشارك، من بينها وفود رسمية تمثل دولاً وحكومات وجمعيات ووسائل إعلام دولية، كما حضر 42 مشاركاً من مستوى وزاري، و9 رؤساء منظمات إقليمية ودولية، و12 رئيساً سابقاً لدولة أو لحكومة، فضلاً على مشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

اقرأ أيضاً: نموذج التدين المغربي يحارب التطرف بالتسامح و”إمارة المؤمنين”

النموذج المغربي

وناقش المشاركون في المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات العديد من المواضيع والملفات، من بينها موضوع الهجرة والهوية والتراث، وقيم التعايش في القارة الإفريقية، ومجابهة التمييز والتعصب الديني، علاوة على مجابهة “الإسلاموفوبيا”، كما أوصوا بضرورة التقريب بين الحضارات لتقليل الفجوات الثقافية والاجتماعية، ومحاربة التشدد في مواقع التواصل الاجتماعي.

ودعا “إعلان فاس” إلى “التنفيذ الكامل لما تم التوافق عليه، والالتزام التام به في هذا المنتدى، حتى تتمكن الحكومات، بدعمٍ من المجتمع المدني، من تجاوز التحديات والتقدم نحو أهداف العيش المشترك، في مجتمعاتٍ سلمية ودامجة، تحقيقاً للتنمية المستدامة”.

جانب من المنتدى

وفي السياق، أثنى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ضمن ندوة مشتركة مع الممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، ميغيل أنخيل موراتينوس، على مخرجات “منتدى فاس” بالنظر إلى كونه شكَّل منعطفاً بارزاً في تاريخ وعمل التحالف، وبالنظر إلى نوعية الحوارات والنقاشات التي عرفها هذا الموعد.

المسؤول الحكومي المغربي تطرق إلى السياق الذي يأتي فيه المنتدى، حيث “يحتاج العالم إلى ترسيخ قيم الحوار والتفاهم والتسامح، والإنصات إلى لغة العقل والحكمة”، مشيداً بما سماه “العبقرية المغربية” في تكريس التعايش بين الحضارات لنشر السلام باعتبار أن الاستثمار في الحوار والسلم أقل تكلفة من خوض الصراعات والحروب.

اقرأ أيضاً: 9 مبادرات جعلت الإمارات عاصمة للتسامح وتلاقي الحضارات

من جهته، أفاد الممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، ميغيل أنخيل موراتينوس، بأن النموذج المغربي يشكِّل مصدر إلهام للمجتمع الدولي في مجال العيش المشترك، وهو ما توقف عنده أيضاً الأمين العام لمجلس الطوائف اليهودية بالمغرب، سيرج بيرديغو، الذي شدَّد على أن “إمارة المؤمنين مؤسسة فاعلة ومركزية لترسيخ الانسجام واحترام الأقليات”.

ووفق بيرديغو، فإن “خطاب الأخوة والعيش المشترك الذي يقدمه المغرب إلى العالم، هو خطاب سيتجاوز الحدود وسيظهر أن المغرب على مدى أجيال ومنذ قرون، كان بلداً لقيم التعايش واحترام الأقليات والعيش المشترك”.

تفاعل الحضارات الإنسانية

المحجوب بنسعيد

ويرى الدكتور المحجوب بنسعيد؛ باحث في التواصل وحوار الحضارات، أن محافل ومنظماتٍ كثيرة دعَت إلى حوار الحضارات منذ الستينيات من القرن العشرين، كما أن الدعوة إلى هذا الحوار تُعتبر سمة من سمات النصف الثاني من القرن العشرين.

وأورد بنسعيد، في تصريحاتٍ لــ “كيوبوست”، أنه “بعد سنة 2001 التي أعلنتها منظمة الأمم المتحدة سنة للحوار بين الحضارات، شكَّلت قضايا الحوار بين الحضارات والثقافات والديانات محور العديد من المؤتمرات والاجتماعات التي عقدتها الأمم المتحدة، التي صدرت عنها قرارات وإعلانات وبرامج كان لها أثر بارز، لاسيما التأكيد على وجوب تسخير الحوار لخدمة جملة من الأهداف، منها تعزيز أوجه التشابه والقيم المشتركة، مع الحرص على احترام أوجه الاختلاف، والعمل على تبني وتعزيز توجه يروم استئصال آفة الفقر والميز العنصري وكراهية الأجانب والإرهاب والتطرف وعدم التسامح، باعتبار ذلك واجباً أخلاقياً على كل فرد”.

وتابع الباحث قائلاً “بذلك تشكَّل تيار قوي ما فتئ يتنامى على الصعيد الدولي يسعى جاهداً إلى تعزيز أطروحة مفادها أن الخيار البديل لصدام الحضارات هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية مع بعضها البعض، بما يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة، على اعتبار أن التفاعل عملية صراعية، ولكنها متجهة نحو البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الراهن، عكس نظرية صدام الحضارات التي هي مقولة صراعية تدفع الغرب بإمكاناته العلمية والمادية للممارسة الهيمنة ونفي الآخر والسيطرة على مقدراته وثرواته تحت دعوى وتبرير أن نزاعات العالم المقبلة سيتحكم فيها العامل الحضاري، وأن مجالها الجغرافي سيكون بين العالم الإسلامي والعالم الغربي”.

اقرأ أيضاً: هكذا يروِّج الإعلام الديني الرسمي بالمغرب للوسطية والاعتدال

مواضيع السلام والعيش المشترك

بنسعيد أكمل حديثه “لقد تابعت هذه الموضوعات والقضايا من موقعي الأكاديمي والمهني في منظمة الإيسيسكو منذ عام 2001، وبالتالي فإن السؤال الجوهري يظل ما هي الإضافة التي سيقدمها المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة؟

خاصة أنه قد تم الإعلان على أن المشاركين سيناقشون مواضيع السلام والعيش المشترك في ظل الاحترام المتبادل، وبناء مجتمعات سلمية ومتماسكة وعادلة من خلال تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات، ودور القيادات الدينية في تعزيز السلام والاحترام المتبادل والوئام الاجتماعي، وكذا الجهود الرامية إلى منع التطرف العنيف ومكافحته.

وذهب المتحدث إلى أنه “كان من الأفضل والأنجع أن تخصص دورة المنتدى في فاس مضمون عدد من المبادرات الميدانية والخطط وبرامج العمل ووسائل التمويل الكفيلة بتحقيق تحالف فعلي ومستدام لحوار الحضارات، بل بتفاعلها وتلاقحها بما يضمن انتشار السلم بين الشعوب والتضامن فيما بينها”، مشيراً إلى أن “أزمة كوفيد كانت اختباراً حقيقياً لهذا التحالف، حيث ساد التهافت على اللقاحات، وطغَت الأنانية والمصلحة الخاصة بشكلٍ كبير ومخجل”.

خالد التوزاني

من جهته، يرى الدكتور خالد التوزاني، رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن اختيار مدينة فاس لاحتضان هذا المنتدى العالمي له دلالات عديدة في إظهار ريادة المغرب في إرساء جسور التعايش، لعل أبرزها أن مدينة فاس تضم أول جامعة في التاريخ، وهي جامعة القرويين التي بنتها فاطمة الفهرية عام 244 هجرية، وفاس هي أول عاصمة للدولة المغربية قبل اثني عشر قرناً، وفاس تضم أول حي لليهود يسمى الملاح بجوار القصر الملكي، قبل أن يتم إنشاء أحياء لليهود في باقي المدن المغربية.

مدينة فاس، وفق التوزاني، تعد رمزاً للتسامح الديني، وعلامة على السلام العالمي، لأنها المدينة التي عرفت تعايش الثقافات والحضارات، على مر التاريخ دون أن تحدث بها صراعات مذهبية أو حروب طائفية أو أعمال تمييز عنصري، وعاش المغاربة وضيوفهم من الزوار والمستوطنين في سلام وأمن وتسامح داخل هذه المدينة العريقة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة