الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

إعلان أردوغان حول غاز البحر الأسود يخفق في إنقاذ الاقتصاد التركي

كيوبوست

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 21 أغسطس، اكتشاف أكبر حقل في تاريخ تركيا، لاستخراج الغاز في البحر الأسود، باحتياطات تصل إلى 320 مليار متر مكعب من الغاز في بئر “تونا”، مشيراً إلى احتمال وجود حقول أخرى في نفس المنطقة، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء التركية الرسمية “الأناضول”. وزعم أردوغان “اليوم سنترك إرثاً مهماً للأجيال القادمة”.

وأكد أردوغان أنه “ينتظر أنباءً سارة مماثلة من المتوسط”، موضحاً أن “أنقرة ستواصل السير نحو أهدافها، دون أن نسمح لهم بالاستيلاء على حقوقنا”، مؤكداً أن هدفه يتمثل في أن تتحول تركيا إلى دولة مصدرة للطاقة[1].

مزاعم كاذبة:

يلاحظ أن إعلان أردوغان والمسؤولين الأتراك عن الاكتشاف الجديد يكشف عن وجود عدد من التناقضات والمبالغات، والتي يمكن توضيحها في التالي:

  • تضارب التقييمات: أشار أحد المسؤولين الأتراك إلى أن الاحتياطي المتوقع لبئر تونا يبلغ نحو 26 تريليون قدم مكعب، أو 800 مليار متر مكعب، وأنه سيلبِّي حاجات تركيا لنحو 20 عاماً[2]، في حين أن الرئيس التركي قدر حجمه بنحو 320 مليار متر مكعب فقط، وتلقي هذه التقييمات المتضاربة الشك حول الحجم الحقيقي للحقل الغازي، وأن أنقرة عمدت إلى المبالغة في تقدير حجم الاحتياطات التركية؛ في محاولة للبحث عن أي إنجاز داخلي تسعى من خلاله أنقرة إلى التغطية على ملف إخفاقاتها، سواء في تحسين أوضاع الاقتصاد، أو مغامراتها الخارجية الفاشلة.
  • اكتشاف مؤجل: كشف مسؤولون أتراك عن أن بدء الإنتاج قد يستغرق من سبع إلى عشر سنوات، كما قدرت التكاليف الاستثمارية بما بين مليارين وثلاثة مليارات دولار؛ وهو ما يعني أن أردوغان لن يستفيد من هذا الاكتشاف على المدى القصير في وقف تدهور أوضاع الاقتصاد التركي.
  • فرص استثمارية محدودة: لا تتمتع أنقرة بأية خبرة في مجال التنقيب عن الغاز في المياه العميقة؛ حيث يتوقع أن يكون حقل تونا؛ نظراً لأنه يبعد نحو 150 كيلومتراً عن السواحل التركية، وهو ما يعني أنه سوف يتوجب على أنقرة أن تسعى إلى الحصول على دعم إحدى كبرى شركات الطاقة ذات الخبرة في استغلال الحقول البحرية العميقة. ولكن إذا أخذنا في الاعتبار ظروف أسواق الطاقة حالياً، فإن هذا الحقل قد لا يغري الشركات الكبرى على الاستثمار فيه، ولعل من المؤشرات على ذلك هو أن حقول الغاز الرومانية في كتلة “نيبتون” في البحر الأسود، والذي اكتشفته شركتا “بتروم” و”إكسون” قبل ثماني سنوات، لم يتم استغلاله، حتى الآن، وذلك على الرغم من كونه أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي على مدار عقود عدة في البحر الأسود.
  • تضاؤل فرص اكتشافات أخرى: أعلن أردوغان أن هذا الاكتشاف سوف يفتح الباب أمام سلسلة من الاكتشافات الأخرى، غير أن هذه الادعاءات لا تكتسب أية مصداقية، بالنظر إلى أن الحقل التركي المكتشف “تونا” يقع على بعد 150 كيلومتراً من السواحل التركية، وبالقرب من المياه الإقليمية لكل من بلغاريا ورومانيا، كما أنه لا يبعد عن كتلة “نيبتون” البلغارية؛ حيث يوجد أكبر احتياطات للغاز الطبيعي المكتشف حتى الآن، وهو ما يعني أن أي حقول واعدة، سوف تكون موجودة في الجانب البلغاري من الحدود البحرية، وليس التركية.
  • المبالغة في تقدير قيمة الاكتشاف الاقتصادية: أشار الرئيس التركي إلى أن حجم الحقل المكتشف يُقدر بنحو 320 مليار متر مكعب. وفي حين أكد أردوغان أنه سيمثل إرثاً للأجيال القادمة، كشف مسؤول آخر عن أنه سيغطي احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي على مدار 20 عاماً، غير أن هذه التقديرات مبالغ فيها؛ إذ تستهلك تركيا سنوياً بين 45 و50 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي[3]، أي أن حقل تونا لن يلبي حاجة الاقتصاد التركي سوى لست أو سبع سنواتٍ تقريباً، على أفضل تقدير، وبتوقع ثبات الاستهلاك الحالي، وقدرة الحقل الجديد على إنتاج نحو 50 مليار متر مكعب سنوياً، وهو ما يجعل من المستحيل أن يتمكن هذه الحقل من تحقيق الاكتفاء الذاتي التركي لعشرين سنة قادمة، كما أكد المسؤولون الأتراك.

اقرأ أيضًا: أنقرة تستنفر قواتها في “المتوسط” بعد اتفاق الترسيم المصري- اليوناني

ومن جهةٍ ثانية، غاب عن الإعلان التركي عن الكشف الجديد عددٌ من المعلومات الفنية المهمة؛ مثل كميات الغاز الطبيعية التي يمكن أن تنتجها أنقرة سنوياً من هذا الحقل، وهو ما يؤشر على عدم امتلاك أنقرة هذه المعلومات، وهو ما يكشف عن أنهم لا يزالون في مرحلة مبكرة جداً من تقييم الجدوى الاقتصادية للحقل[4].

أهداف أردوغان:

سعى أردوغان لتحقيق عددٍ من الأهداف من خلال إعلانه هذا الكشف المزعوم، والتي يمكن توضيحها في التالي:

  • محاولة مساندة العملة التركية: رفع إعلان أردوغان عن هذا الكشف الغازي الجديد أسهم شركات الطاقة التركية، فضلاً عن الليرة التركية[5]، والتي تعاني تدهوراً في قيمتها على مدار العامين الماضيين، دون أن تنجح السياسات النقدية لحكومة أردوغان في وقف تدهورها. ويمكن القول إن أردوغان فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق هذا الهدف، فعلى الرغم من أن الليرة التركية ارتفعت في يوم 20 أغسطس مع تسريب المسؤولين الأتراك الخبر لوسائل الإعلام؛ فإنه في أعقاب إعلان أردوغان بنفسه عن هذا الكشف في اليوم التالي مباشرة، واصلت الليرة التركية تراجعها، فبلغ سعر صرفها 7,34 للدولار الواحد[6]، كما تراجعت البورصة التركية بنحو 1,8%؛ لتعكس حالة الإحباط التي انتابت الأسواق التركية من الحجم المتواضع للحقل الغازي الذي تم الإعلان عنه[7].
  • التغطية على الانتكاسات الأخرى: يسعى أردوغان من خلال الاكتشاف المزعوم لتعزيز شعبيته المتراجعة؛ بسبب تدهور أوضاع الاقتصاد التركي، كما أنه من الواضح أن تركيا تسعى لتوجيه الرأي العام التركي بعيداً عن إخفاقاتها في شرق المتوسط، والتي تتضح في المؤشرات التالية:
  • غياب المساندة الأمريكية والأوروبية: لا تدعم أي من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي المحاولات التركية لتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط؛ نظراً لأنها تدخل في المياه الإقليمية لليونان وقبرص، فقد اعتبرتِ الخارجية الأمريكية في أغسطس أن تحركات تركيا تزيد التوتر في المنطقة، في إشارة إلى محاولتها التنقيب بالقرب من جزيرة كريت اليونانية[8].
أحد حقول الغاز في المتوسط – رويترز

ولم يقتصر الدعم الأمريكي على المستوى اللفظي، بل تعداه إلى تقديم المساندة العسكرية لخصوم أنقرة، وتحديداً قبرص واليونان. ولعل من المؤشرات على ذلك رفع الكونجرس الأمريكي في ديسمبر 2019 الحظر المفروض على مدار عقود على تزويد قبرص (اليونانية) بالأسلحة، في خطوة تعد تحدياً لتركيا، ودعماً لقبرص في مواجهة التحرشات العسكرية التركية غير المشروعة[9]، كما أجرت اليونان والولايات المتحدة مناورة عسكرية مشتركة في شرق المتوسط جنوب جزيرة كريت، في شهر أغسطس[10].

ومن جهةٍ ثانية، أقدمتِ الدول الأوروبية على دعم اليونان؛ وهو ما وضح في إجراء تدريبات عسكرية بين اليونان وفرنسا وقبرص وإيطاليا من 26 أغسطس وحتى 28 من الشهر نفسه، في جنوب جزيرة كريت في شرق المتوسط؛ حيث تسعى أنقرة للتنقيب بصورةٍ غير مشروعة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان[11].

اقرأ أيضًا: عثمانية أردوغان الجديدة.. واقع مؤسف وسياسات غير مدروسة

  • اعتماد خط المنتصف في شرق المتوسط: درج القانون والعرف الدولي، وكذلك أحكام محكمة العدل الدولية، على منح الدول نحو مئتي ميل كحد أقصى من خط الأساس باعتبارها المياه الاقتصادية الخالصة للدول، وفي حال تعذر ذلك، نظراً لأن المسافة بين الدول المتقابلة، أو المتجاورة لا تكفي لإعطاء كل دولة مئتي ميل؛ فإنه يتم التقسيم بناء على خط المنتصف بين الدول المتشاطئة[12]. واعتمدت كل دول شرق المتوسط على هذه القاعدة في تقسيم مياهها الاقتصادية، على نحو ما وضح في اتفاق رسم الحدود البحرية بين إيطاليا واليونان في البحر الأيوني في يونيو 2020، أو في اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان في أغسطس 2020[13]، وتعارض تركيا هذه الاتفاقات.

وسعت أنقرة بعد توقيع “مذكرة التفاهم” غير الشرعية بشأن تقسيم المناطق البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، التي وقعتها في نوفمبر 2019 مع حكومة الوفاق الليبية، للتنقيب عن النفط والغاز بالقرب من جزيرة كريت في سبتمبر. غير أن مثل هذا الاتفاق لن يكون له أي تأثير قانوني، حتى لو دخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ؛ نظراً لأنه لا يمكن أن يكون له أي تأثير على حساب أطراف ثالثة، وتحديداً اليونان، والتي تسعى أنقرة لسرقة ثرواتها في شرق المتوسط بهذا الاتفاق غير المشروع[14]. وتكشف اتفاقات الدول الأخرى عن أن تركيا تقف وحيدة في شرق المتوسط؛ خصوصاً أنه لا توجد دولة واحدة يمكن أن تدعم ادعاءاتها هناك.

السراج مع الرئيس التركي أردوغان- MEO
  • تراجع فرص سرقة أنقرة للغاز العربي: تسعى أنقرة للسيطرة على موارد الغاز الطبيعي العربية، وعلى الرغم من نفي المسؤولين الأتراك ذلك، فإن سياستهم العملية وكذلك تصريحات أردوغان، تؤكد مساعيهم الحثيثة لسرقة ثروات الطاقة الليبية؛ فقد أكد أردوغان “سندخل سرت لوجود آبار النفط، وبعد ذلك ستكون العمليات أكثر سهولة، لكن وجود آبار النفط والغاز يجعل العمليات حساسة”[15].

غير أن فرص تركيا في تحقيق ذلك لا تزال معدومة؛ فقد بات من الواضح أن أنقرة غير قادرة على تنفيذ تهديداتها العسكرية باحتلال سرت، كما أن حقول الغاز البحرية بالقرب من سواحل طرابلس تقوم بالاستثمار فيها شركات إيطالية؛ وهو ما يجعل أي اكتشافات غازية جديدة في هذه المنطقة، سوف تقع في المياه العميقة؛ أي في المناطق التي لا تستطيع الشركات التركية التنقيب فيها.

 اقرأ أيضًا: لماذا يعيد أردوغان تصدير أزمة الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط؟

وفي الختام، يوضح العرض السابق أن قدرة أنقرة على استغلال آبار الغاز الطبيعي في البحر الأسود تعد محدودة، كما أن فرص استيلائها على ثروات اليونان وقبرص في شرق البحر المتوسط، أو حتى ثروات ليبيا، أمر مستبعد؛ خصوصاً أن الشركات الدولية العاملة في مجال الطاقة لن تشارك في أي مشروعات تركية للاستيلاء على موارد الدول الأخرى، وهو ما يجعل السياسات الدعائية لأنقرة، ومحاولة التهديد بالقوة العسكرية للاستيلاء على ثروات الآخرين تفشل في تحقيق أي من أهدافها، بل وسوف تؤدي إلى تقديم تركيا كدولة سلطوية طاردة للاستثمارات، وهو ما يعمق خسائر الاقتصاد التركي، والذي يعاني على مدار العامين الأخيرين، دون أن يتمكن أردوغان من وقف تدهوره.

المراجع:

[1] https://cnn.it/3jkaQhy

[2] https://bit.ly/31yd46A

[3] https://bit.ly/31zaNs9

[4] https://bit.ly/32ryvFX

[5] https://bit.ly/31yd46A

[6] https://bit.ly/2EEfJ61

[7] https://bit.ly/2YFsaWb

[8] https://bit.ly/3jfofaz

[9] https://bit.ly/2YFWMad

[10] https://bit.ly/2G2WhAv

[11] https://bit.ly/3jfofaz

[12] https://bit.ly/3llTTEZ

[13] https://al-ain.com/article/1596721714

[14] https://bit.ly/32yP7LM

[15] https://al-ain.com/article/experts-asked-erdogan-reach

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة