الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

إعفاء الحافي.. ضربة موجعة لإسلاميي ليبيا

تعيين أبو رزيزة رئيساً للمحكمة العليا الليبية خطوة تُفقد الجماعة جزءاً من سيطرتها على القضاء

كيوبوست

تسلم المستشار عبدالله محمد أبو رزيزة، منصبه كرئيس للمحكمة العليا، خلفاً لسلفه المستشار محمد القمودي الحافي، بعد أزمة حادة جرت بين الأخير ورئيس البرلمان الليبي. وسعى الحافي، المدعوم من الإسلاميين في ليبيا، إلى المماطلة ورفض قرارات البرلمان؛ سواء المتعلقة بتعيين بعض المستشارين الجدد أو تلك المرتبطة بإعفائه من منصبه، ومسألة تغيير مقر المحكمة.

وتأتي التحركات التي افتعلها الحافي في إطار محاولات الإسلاميين في ليبيا المحافظة على بعض المكاسب؛ بعد تأكدهم من مسألة إعفاء حليفهم على رأس المحكمة العليا بكل ثقلها على المستوى القضائي، والتي من بينها ضمان بقاء مقر المحكمة في طرابلس لضمان إمكانية التحكم فيها عبر ميليشياتهم المنتشرة في ليبيا وتتولى باستمرار تأمين مصالحهم.

اقرأ أيضاً: انقسام إخوان ليبيا.. خلاف حقيقي أم مناورة للتمويه؟

وانتُخب أبو رزيزة رئيساً للمحكمة العليا خلال جلسة رسمية لمجلس النواب الليبي في مدينة بنغازي (شرق)؛ حيث صوت 160 نائباً في البرلمان على تعيين أبو رزيزة من أصل 200 نائب، بينما امتنع 40 نائباً عن التصويت، في حين يتطلب الوصول إلى المنصب موافقة ثُلثي أعضاء البرلمان على المرشح، وذلك بعد تزكية أبو رزيزة من المجلس الأعلى للدولة والجمعية العمومية للمحكمة.

وجرى التوافق حول تكليف عبدالله أبو رزيزة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بعد أن اتفق الطرفان على استبعاد شروط الترشح للرئاسة من القاعدة الدستورية، وترك الأمر للمجلس التشريعي الجديد.

وتعتبر المحكمة العليا في ليبيا أعلى سلطة قضائية، وتمارس اختصاصاتها كمحكمة دستورية، ومحكمة نقض، في المسائل المدنية والتجارية والأحوال الشرعية، ومحكمة للقضاء الإداري، ومحكمة خاصة بالطعون الانتخابية، بالإضافة إلى دور الفتوى والتشريع.

افتعال أزمة مع عقيلة صالح لتحصيل بعض المكاسب- (صورة وكالات)

جدل واسع

وكانت ليبيا قد شهدت في الفترة الأخيرة جدلاً كبيراً بين المستشار محمد الحافي رئيس المحكمة السابق، ومجلس النواب، وذلك بعد قرار الأخير إجراء تعديلات على قانون مجلس القضاء الأعلى وتعيين عشرات المستشارين الجدد في المحكمة العليا، ونقل مقرها من العاصمة طرابلس إلى مدينة البيضاء شرق البلاد، وتغيير الرئيس الحالي للمحكمة. ففي الأول من سبتمبر الماضي، وجه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، رسالة إلى رئيس المجلس الأعلى للقضاء ومستشاري المحكمة العليا؛ قال فيها إن “محمد الحافي غير شرعي؛ كون قرار تكليفه صدر عن المؤتمر الوطني السابق بعد انتهاء ولايته”.

وأغضبت هذه القرارات رئيسَ المحكمة العليا السابق محمد الحافي، الذي بادر في البداية برفض تنفيذ قرار البرلمان بشأن تعيين 45 مستشاراً؛ معللاً ذلك بحرصه على “الحفاظ على هيبة واستقلال القضاء”، وعدم السماح بتمرير “مخالفات قانونية”. وترك مهمة رفض انعقاد جلسات المحكمة العليا في مدينة البيضاء لرئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، الحليف التقليدي لإسلاميي ليبيا، الذي لم يتردد في القيام بهذه الخطوة.

اقرأ أيضاً: هل تكتب محاكمة عناصر “داعش” في ليبيا نهاية الإفلات من العقاب؟

ويرى متابعو الشأن الليبي أن الحافي كان يدرك أنه سيترك محله لا محالة؛ ولكن وبدفع من حلفائه الإسلاميين، اضطر إلى المناورة والتعنت بإعلان رفض قرارات البرلمان، مستعيناً بالمشري الذي كان جزءاً من هذه المناورة؛ من أجل هدف واحد وهو أن لا تكون خسارة الإسلاميين داخل الجسم القضائي أكبر من رحيل الحافي. بمعنى أن الجماعة تَعِي أهمية أن تفقد أحد رجالاتها على رأس هيكل كبير مهم ومتعدد السلطات والصلاحيات؛ ولكنها تدرك أن خروج المحكمة من طرابلس هو الخسارة الأكبر، فوجود المحكمة العليا في طرابلس يعني أنها داخل منطقة نفوذها التي تنظمها ميليشياتها المسلحة، وبالتالي ضمان ترويض الجسم القضائي عبر قوة السلاح؛ سواء بالتهديد أو الخطف أو حتى الاغتيال في حال تضاربت قرارات هذه السلطة مع مصالحها أو حاولت فتح ملفاتها المتراكمة. أما خروجها فيعني إفلاتها من سطوة ميليشياتها، وبالتالي ستعمل هذه المحكمة دون ضغط وترهيب السلاح، ومن المرجح أن تفتح بعض الملفات التي اقترفتها الحكومات الإخوانية أو المدعومة من الإخوان في طرابلس؛ لا سيما المتعلقة بدمج الميليشيات الحليفة لهذه الجماعات تحت راية وزارة الداخلية أو الدفاع وإدراجها في كشوف الرواتب الرسمية رغم ارتكابها جرائم كبيرة بحق الليبيين، كما تؤكد ذلك جملة من تقارير المنظمات الحقوقية الدولية.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، عيَّن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، التي كانت تتخذ من طرابلس مقراً لها، زعيم ميليشيا قوة الأمن المركزي أبو سليم، عبدالغني الكيكلي، والمعروف أيضاً باسم غنيوة، رئيساً لكيان جديد يُسمى “جهاز دعم الاستقرار”، المسؤول مباشرةً أمام الرئاسة. علماً بأن غنيوة أقوى قادة الميليشيات في طرابلس منذ 2011، وقد تم توثيق جرائم حرب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ارتكبتها قوات تحت قيادته على مدى السنوات العشر الماضية. وكانت حكومة الوفاق الوطني قد وفرت بالفعل الشرعية والرواتب لميليشيا غنيوة منذ عام 2016، وذلك من خلال دمجها في وزارة الداخلية الخاصة بها؛ مما سهَّل أكثر عمليات القتل غير المشروع، وعمليات الاختطاف والتعذيب؛ بما في ذلك العنف الجنسي ضد المحتجزات.

قضاء ترهبه الميليشيات في طرابلس- (صورة وكالات)

كما تم تعيين هيثم التاجوري، الذي ترأس ميليشيا كتيبة ثوار طرابلس، المتورطة في عمليات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب، نائباً لغنيوة في يناير 2021. وفي طرابلس أيضاً، تم دمج قوة الردع الخاصة بقيادة عبدالرؤوف كاره، في وزارة الداخلية في 2018، ثم نقلتها حكومة الوفاق الوطني لتكون تابعة للمجلس الرئاسي في سبتمبر 2020. علماً بأن منظمات دولية؛ بما في ذلك الأمم المتحدة، وثقت تورط قوات الردع في عمليات الاختطاف، والاختفاء القسري، والتعذيب، والقتل غير المشروع، والعمل القسري، والاعتداء على الحق في حرية التعبير، واستهداف النساء. وفي سبتمبر 2020، قامت حكومة الوفاق الوطني أيضاً بترقية عماد الطرابلسي، الذي قاد ميليشيا “الأمن العام”، إلى نائب رئيس المخابرات على الرغم من تورط الميليشيا في جرائم ضد المهاجرين واللاجئين؛ بما في ذلك حالات الاختفاء القسري.

اقرأ أيضاً: “إخوان ليبيا”.. واستغلال الدين لتحقيق التمكين!

وحافظ عبدالحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الليبية في طرابلس، على نفس النهج الذي اتبعه سلفه فايز السراج، في التعاطي مع الميليشيات التابعة للإسلاميين؛ بل وزاد من حوافزهم من أجل تمكينه من الحكم ومن ورائه حفاظ الجماعة على مصالحها في العاصمة طرابلس. ولهذا يخشى الإسلاميون وحلفاؤهم، خصوصاً ممن قادوا الحكومات، انتقالَ مقر المحكمة العليا خارج دائرة نفوذهم طرابلس؛ خصوصاً بعد إعفاء رجلهم من مهامه على رأس هذا الهيكل، لأن ذلك قد يفتح أبواب الجحيم عليهم.

يقول القاضي والباحث الليبي مروان الطشاني، لـ”كيوبوست”: “إن القضاء الليبي فقدَ فعاليته منذ فرض الصراع المسلح وما صاحبه من انتهاكات جسيمة، والسؤال حول كيفية بلوغ العدالة، وعقاب مرتكبي الانتهاكات التي تفشت في البلاد طولاً وعرضاً عن أعمالهم الإجرامية وقدرة القانون على الردع؛ حيث أصبحت العوائق التي تحول دون قدرة المؤسسة القضائية في ليبيا على القيام بهذه الأدوار؛ والتي من أبرزها تدخل الحكومات المتلاحقة، خصوصاً الإسلامية، وتعديها على استقلال السلطة القضائية بعدة طرق من أجل تطويعه؛ إذ تعرض الـكثير منهم إلى اعتداءات وانتهاكات وصلت حد الاغتيال، وهو وضع ينتفي فيه الحديث عن استقلال القضاء في ليبيا؛ بل قضاء في وضع لا دولة فيه ولا صوت فيه يعلو على الميليشيات”.

الدبيبة على خطى السراج في التعامل مع القضاء- (صورة وكالات)

ويضيف: “هذا الوضع دفعت السلطة القضائية وحدها ثمنه بانحسار الثقة فيها واهتزاز مكانتها؛ ففقدت الأحكام قيمتها القانونية الملزمة، وصارت في كثير من الأحيان معطلة التنفيذ، وأفلت الجناة من العقاب، واستمرت الانتهاكات بلا رادع. اليوم، من المستبعد أو من المستحيل أن تتراجع الأطراف التي استفادت من سيطرتها على القضاء ومن إضعافه عن مكاسبها وستفعل ما في وسعها حتى تجعله يراوح مكانه؛ حتى إن فقدت أحد أبرز رجالاتها على رأس المحكمة العليا بكل أهميتها”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة