ثقافة ومعرفةمقالات

إعصار إيرما.. عندما استجابت الطبيعة للعلم وتجاهلت أدعية السّحرة!

كتب: عنان العجاوي

كان الإنسان البدائي يحيل تقلّبات الطبيعة التي لا يستطيع تفسيرها إلى قوى غيبيّة، لا يراها، فاعتبر الزلازل والأعاصير والصواعق والحرائق وكل الكوارث التي كان يخشاها نتيجة لغضب إلهي، ولذلك قام بإطلاق اسم إله على كل ظاهرة تعجّب منها، وقد كثرت الآلهة في الحضارات القديمة، قبل التوحيد، لدرجة أن شاعراً رومانياً وصف تعدد الآلهة في الأمبروطورية الرومانية قائلاً: “عندما أسير في روما أقابل من الآلهة أكثر مما أقابل من البشر”. فقد أطلق الإنسان القديم اسم إله على كل ظاهرة، ولم يكن حينها يملك من الإمكانيات ما يجعله يتفادى تلك الكوارث، فقام باختراع “القربان” لتقديمه لذلك الإله، وكان المصريون القدماء يقدّمون الفتيات العذروات قرباناً لنهر النيل، حتى لا يفيض على أرضهم الزراعية ويخرّب المحصول، بينما كان السومريون يقدّمون الثور قرباناً..

وبطريقة مشابهة، لم يستخدم الإنسان البدائي القرابين لمنع الضرر فحسب، بل قدمها لآلهته لكي تجلب له الخير، فقد قدم الكنعانيون القدماء القرابين للإله “بعل”، لأجل أن يروي محاصيلهم بالأمطار، ولا زال الفلسطينيون إلى اليوم، يسمّون المزروعات التي تعتمد على مياه الأمطار بـ”البعلية”. كما ويزخر التراث الإغريقي بقصص من هذا النوع، لاستجلاب النصر، مثلما فعل الملك “أجمامنون” الذي حرق ابنته وقدمها قرباناً للإلهة لتمنحه النصر في حرب طروادة!.

ومع تطور العلم، استطاع الإنسان تفسير الظواهر التي كان أسلافه يخشونها، فعلم سبب الصواعق، وتنبّأ بالزلازل قبل وقوعها، واستطاع إخماد الحرائق. وبعد أن استطاع فهم ما يدور حوله، صار هو المتحكم بالطبيعة، بدل أن يكون ضحية لها، وبالعلم صار سيد الأرض، ولذلك قلّتْ أعداد الضحايا من البشر، مقارنة مع الأزمان السابقة، لمّا كان حريقاً هائلاً، لثلاثة أيام فقط، بمقدوره التهام مدينة لندن بأكملها (1966م)، وتشريد جميع سكانها..
وبالعلم وحده استطاع الإنسان أن يجلب الخير لنفسه، ويحقق النصر.

كما تفعل الساحرات..

المعروف أن اليابان بلد التكنولوجيا والزلازل، والدول العربية هي بلاد الاستبداد والحروب الأهلية معاً. أمريكا بلد كل شيء، ومقر الأعاصير بلا منازع، استطاعوا التكيّف عليها لدرجة أنّ الإعصار لو ضرب بلداً أقل استعداداً لقلبها رأساً على عقب مثل “سدوم”، ومن لطائف التكيّف العلمي مع الأعاصير، أن العلماء أسموها مرة باسم مذّكر، كإعصار “هارفي” السابق، ومرّة باسم أُنثى كإعصار”إيرما” الحالي، وهكذا…

وقدّر اقتصاديون خسائر الإعصار الحالي بـ 240 مليار دولار، ربما لم يلتفت العالم للخسائرالإقتصادية الهائلة، بينما انصبّ التعاطف العالمي على الأحياء، وهم يهربون بالملايين، ونقلت لنا شاشات التلفزة صلوات الناس من كل بقاع الأرض، كلٌ شعبٍ صلّى بلغتهِ الخاصة، ولإلههِ الرحيم. فالكارثة وإن جاءت متقاربة مع مشاكل سياسية عدة تملأ العالم، وبعد تفجير كوريا الشمالية لقنبلة هيدروجينية، والتي هي كارثة أخرى ولكنها من صنع الإنسان، انقسمت مشاعر الناس حيالها، بين كاره لأمريكا أو محب للإنجاز الكوري، مثلها مثل أي معادلة سياسة في العالم، كلٌ يراها من منظوره السياسي وعواطفه، وتقيميه للسياسة الأمريكية التي يجمع أغلب البشر على عدوانها. حتى الذين فرحوا بامتلاك كوريا تلك التقنية، سيعيدون حتماً حسابتهم لو علموا أنه سيتم استخدامها. فالإنسان ومهما بلغ مدى حقده أو كرهه لسياسة دولة ما، لا يمكن أن يشرب نخب كارثة قد تقع ضد شعب كامل، لم يكن له دور بسياسة بلده. ولكن الحقد الإنساني إن عمل في النفس فـلا حدود لدماره، كالثقب الأسود يبتلع كل من أمامه؛ أطفال ونساء وعجزة.

وكان من العادي لو سمعنا هذا الحقد من بعض الدروايش المغيبين، أبناء القرن الواحد والعشرين، الذين يقدمون أدعيتهم وقرابينهم لأجل أن ينتصروا، بعقلية إنسان الغاب، ولكن الغريب أن نسمع تلك الشماتة والحقد من

“النُّخب” التي يتبعها ملايين المتلقين يؤمِّنون وراء أدعيتهم، في الوقت الذي يستميت المسلمين في محاربة “الإسلامفوبيا” وتقديم دينهم كدين سلام، يخرج أحد الناطقين باسم هذا الدين، الداعية المصري المقيم في تركيا د.محمد الصغير، ويحمد ربّه على أنه أرسل الإعصار كما يرسل “جنوده” ليقتل 20 مليون مدني أمريكي، وكأن الله هو “رب الجنود” فقط، ثم يردد وراءه ألف مؤمن على صفحته بـ”آمين”.

ولكن ربما خاب أمل الشيخ وخيّب معه أمل مريديه، بعدما لم يتجاوز عدد الضحايا العشرات فقط، نتيجة للتخطيط العلمي للأزمات، وهم أقل من ضحايا الحر في موسم الحج كل عام!. وهذه الشماتة المؤدلجة دينياً، لم تقتصر على من يدّعون تمثيل الدين، بل ظهرت على ألسنة بعض أدعياء العقل والإعلام، أمثال الإعلامي الشهير في قناة الجزيرة، أحمد منصور، الذي وصف الإعصار بأنه آية من آيات الله، وسمّى إجلاء المنطقة من السّكان بـ “الهروب الكبير”، مصحوبة بنبرة من الفرح والتشفّي، وكأن الله لا يُنزّل آياته ولا يثبت وجوده إلا عبر وسائل الدمار الشامل!. وقد علّق أحد متابعي السيد منصور ممن لم تلوّثهم الأفكار الضالة: “كان يكفيك ان تنشر صورة وردة لترينا آية الله، وليس بنشر صور أُناس يلاحقهم رعب الموت!”.

والسيد منصور وأمثاله ممن يصنعون وعياً عربياً غير مقترن بالواقع، ليسوا حالات فردية، بل أصبحوا ظاهرة تملأ العصر العربي الحالي وشاشاته، وسُخِّر لأجلهم منابر لا تحصى، قاموا من خلالها بتنشأة جيل يتربى على التكفير بدلاً من الموضوعية في إطلاق الأحكام. وتبنّي كوارث الآخرين، بدلاً من التعاطف معهم. والشماتة بمصائبهم، بدلاً من منافستهم بشرف. وهذه الرؤية للعالم، صار قوامها بأن لا نبذل الجهد لنتقدم على الآخر، بل صرنا نبذل كل طاقتنا في تدميره، لأننا آمنا تلقائياً، نتيجة لثقافة الكراهية التي تحجب العقل، بأننا أعجز من منافسته ومن ثم تجاوزه والتفوق عليه، فاعتمدنا على جوارحنا في شدّه للوراء، ليأتي هو إلينا.. إلى القاع، بدلاً من التفكير بالقفز عنه والتقدم أمامه.

سمعنا من قبل خطبهم عن الملائكة التي تُقاتل في صف الطرف المرضي عنه، وبدلاً من خوض الصراعات السياسية بالسياسة وحدها، قاموا بتديين كل شيء وصنّفوه إلى كافر ومؤمن، وهم أبناء الجيل الأول من الدّعاة الذي فرحوا بهزيمة 67 أمام إسرائيل، وسجدوا لله شاكرين، لأن الجيوش العربية كانت تُقاتل “بالسلاح السوفيتي الكافر”.

ثم لم نسمع تبريراتهم لماذا يُهزم كل يوم الصف الذي تقاتل الملائكة إلى جانبه؟ ولماذا يكون الإعصار مؤمناً، ويعلم طريقه جيداً حين يضرب بلاد “الكفار!”، وإذا ضرب بلاد المسلمين زلزال مثلاً.. هل سيكون كافراً ذلك الزلزال الفاسق؟! ألسنا نعيش في أكثر البلدان تخلفاً وجهلاً واقتتالاً في العالم، بلادٌ لا يحفظ فيها المواطن اسم عالم عربي واحد يقتدي به، فاستبدلنا العلم الحقيقي بالعلم الغيبي ودعاته من عشّاق الفتن، يتلون علينا كل يوم قصص من قاع التاريخ، عن سبي النساء، وقطع رؤوس الروافض أو النواصب، ودُخنا ونحن نفتش معهم في قلوب المسلمين منذ 1400 عام وإلى الآن عن “الفرقة الناجية” من العذاب، وصرنا نتعامل مع الواقع كما الساحرات، نعتقد أننا بواسطة التمائم والتعاويذ قادرين على تغيير الواقع، وبالأدعية والرقى الشرعية نستطيع التفوق على أعدائنا..تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة