الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

إعادة جهاديين مغاربة في سوريا.. بين الاجتماعي والأمني

مراقبون لـ"كيوبوست": العودة الآمنة لهذه المجموعات تتطلب تنسيقاً استخباراتياً من أجل التأكد من هوياتهم وطبيعة المهام التي كانوا يقومون بها

المغرب- حسن الأشرف

بعد تعرُّض سجن “غويران” بالحسكة في شمال شرق سوريا، قبل أيام خلت، إلى هجوم من طرف عناصر من تنظيم داعش، أفضى إلى مصرع عشرات المعتقلين، الشيء الذي أقضّ مضجع عدد من العائلات في المغرب التي لديها أبناء أو أقارب في ذلك السجن.

وفي الوقت الذي لا توجد فيه تأكيدات رسمية بسقوط ضحايا من المعتقلين المغاربة بعد أحداث العنف تلك، فإن معطيات هيئات حقوقية غير حكومية تشير إلى أن معتقلين مغاربة ما زالوا أحياء.

اقرأ أيضاً: التعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين: أفكار من الخبرات المغربية

وبسبب الأحداث والمستجدات الأخيرة، تجدد الاهتمام الإعلامي والحقوقي بموضوع “الجهاديين المغاربة” في سوريا والعراق، حيث إن عائلات هؤلاء المعتقلين والمحتجزين باتت تطالب -بشكل أكثر إلحاحاً- السلطات المغربية بترحيلهم إلى البلاد، دون الاعتراض على إمكانية محاكمتهم محاكمة عادلة بعد عودتهم إلى المغرب، ثم دعمهم نفسياً ودمجهم ودمج أطفالهم الذين رافقوهم أو ولدوا هناك؛ اجتماعياً.

بن الأمني والإنساني

ويبدو أن هذا الملف الشائك يختلط فيه ما هو إنساني بما هو أمني؛ فالوضع الاجتماعي لأطفال ونساء وعائلات هؤلاء المعتقلين والعالقين في كل من العراق وسوريا، يعتبر مزرياً يحتاج إلى تدخل سريع؛ لكن بالمقابل هناك تخوفات أمنية منطقية بشأن تبني “الجهاديين العائدين” فكراً متطرفاً عند رجوعهم إلى البلاد.

أم تحمل صورة ابنها الموجود في سجن الحسكة- (صورة: هسبريس)

وكان عبداللطيف وهبي، وزير العدل الحالي، عندما كان رئيساً للمهمة الاستطلاعية البرلمانية، قد أشار إلى هذه الثنائية (الأمني والإنساني)، عندما قدم رسمياً في الصيف الماضي خلاصات تقرير المهمة الاستطلاعية بشأن هذا الملف.

وتحدث وهبي عن معاناة الأطفال والنساء والرجال المغاربة العالقين في بعض بؤر التوتر، كما أشار إلى أن “أطفالاً مغاربة كانوا يلعبون الكرة برؤوس البشر وحضروا عمليات إعدام”، مبدياً تخوفه في نفس الوقت من كون “بعض المقاتلين نسجوا علاقات دولية في مجال شراء السلاح”.

التقرير البرلماني المذكور أوصى بإصدار قوانين لحل ملف الأطفال والنساء المغاربة العالقين في بؤر التوتر في سوريا والعراق؛ من أجل تسهيل ترحيلهم إلى الوطن ودمجهم في ظروف اجتماعية ونفسية سليمة.

اقرأ أيضًا: فيروسات التكفير والتطرف تنبعث في زمن “كورونا” بالمغرب

وبالنظر إلى الجانب القانوني، فإن إعادة المغاربة من سوريا متاح وممكن، بالنظر إلى وجود اتفاقيتَين ثنائيتَين تخصان ترحيل المحكوم عليهم وتسليم المجرمين، بينما بخصوص العراق توجد مشروعات قوانين لم يوقع عليها الطرفان بعد؛ مما لا يسمح بترحيل المقاتلين والعالقين هناك، باستثناء إذا تمت اتفاقات مباشرة بينهما بشأن كل حالة معينة.

وتفيد أرقام رسمية أن 1659 “جهادياً مغربياً” رحلوا من المغرب صوب “جماعات جهادية”، ضمنهم 290 امرأة و628 طفلاً.

وتبعاً لذات الأرقام، فإنه يوجد حالياً 250 مغربياً في تلك البؤر القتالية؛ 232 في سوريا، و12 في العراق، و6 في تركيا، و138 امرأة؛ بينهن 134 سيدة يوجدن في المخيمات التي تقع تحت سلطة القوات الكردية، فضلاً عن 400 طفل.

يوجد مقاتلون مغاربة ضمن سجن الحسكة- (وكالات)

أوضاع المعتقلين المغاربة في السجون السورية

وبعد الوقفة التي نظمتها “التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين المغاربة في سوريا والعراق” في 28 يناير الماضي، تعتزم الأُسر تنظيم وقفات جديدة في الأيام المقبلة؛ من أجل التذكير بهذا الملف لدى الرأي العام والمنظمات الحقوقية وقبلها المسؤولين المغاربة، وحلحلته نحو الانفراج.

وتقول التنسيقية إن سجن غويران يضم العديد من المعتقلين المغاربة الذين يُجهل مصيرهم حتى الآن؛ هل هم أحياء أم لقوا حتفهم، في ظل الاقتتال الدائر بين قوات “قسد” ومسلحي “داعش”، وكذلك الحالة المزرية والكارثية التي تعرفها مخيمات الاحتجاز بمخيمَي “روج” و”الهول”؛ والتي يقبع فيها مئات النساء والأطفال المغاربة.

اقرأ أيضًا:  على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

وفي هذا السياق، يقول عبد العزيز البقالي، مؤسس التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين بسوريا والعراق، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، إنه قبل الأحداث التي وقعت في سجن “غويران”، أرسلت إلينا منظمة الصليب الأحمر 30 رسالة تتضمن تحيات المعتقلين لذويهم، ولم يكن في حسبانهم أن يقع ما وقع.

عبدالعزيز البقالي

واسترسل البقالي بأنه “بعد الأحداث الأخيرة علمنا أن الأمور تغيرت بشكل سلبي؛ حيث انقطع التواصل، ونجهل حتى الآن أوضاع المغاربة، ولكن بفضل الوسائل الخاصة للتنسيقية علمنا أن الأكراد رحَّلوا كثيراً من المعتقلين إلى سجون أخرى، كما علمنا أن المعتقلين تعرضوا إلى التعذيب.

ويكمل المتحدث ذاته بأن “العائلات المعنية نظمت وقفة تحسيسية؛ حتى تبعث برسالة إلى المسؤولين المغاربة، ولكل مَن له علاقة بالملف، مفادها الإسراع لترحيل أبنائنا وبناتنا قبل أن تتفاقم الأمور”.

وجواباً عن سؤال “كيوبوست” بخصوص ردة فعل السلطات المغربية من مطلب إرجاع المعتقلين المغاربة في سجون سوريا، أكد البقالي أن “التنسيقية تتوقع ذلك في ظل المجهود المبذول من كل الأطراف التي لها علاقة بالملف هنا في المغرب”.

اقرأ أيضاً: تونس: إرهابي الداخلية يحيي المخاوف حيال خطر العائدين

وأما بشأن الأوضاع الاجتماعية لعائلات المعتقلين والمفقودين المغاربة في بؤر التوتر، فأفاد الحقوقي ذاته بأنها “أوضاع صعبة وتختلف من أسرة إلى أخرى، غير أن أغلب هذه العائلات تنتمي إلى طبقات فقيرة”، وَفق تعبيره.

تحديات أمنية جمة

وبالتطرق إلى أهم التحديات التي تواجه عودة المعتقلين لدى تنظيم داعش أو في السجون العراقية، يؤكد إحسان الحافظي، الخبير في الشؤون الأمنية، أنها تكمن في التهديدات الأمنية التي يحملها هؤلاء المقاتلون السابقون لدى التنظيمات الإرهابية.

إحسان الحافظي

ويشرح الحافظي، ضمن حديث مع “كيوبوست”، أن العودة الآمنة لهذه المجموعات تتطلب تنسيقاً استخباراتياً مع السلطات الأخرى؛ من أجل التأكد من هوياتهم وطبيعة المهام التي كانوا يمارسونها، والخطر الممكن أن يشكلوه على أمن وسلامة المغرب.

وزاد الحافظي بالقول: إن الأمر يتطلب أيضاً ضبط البيانات الجنائية الخاصة بالمقاتلين العالقين لدى السجون العراقية؛ وهي عملية تتطلب التنسيق عبر مصالح وزارة الخارجية لجرد لائحة بأسماء المقاتلين المغاربة لدى “داعش”.

واسترسل المتحدث بأن القانون المغربي الخاص بمكافحة الإرهاب يعاقب مبدئياً على الالتحاق بجبهات القتال وبؤر التوتر المسلحة؛ سواء أكان ذلك من أجل المشاركة في القتال أم لأغراض أخرى.

عائلات المقاتلين تطالب بمحاكمة عادلة في حالة إرجاعهم إلى البلاد

ولفت الحافظي إلى أن “التشريعات المغربية تعفي الأشخاص المدانين في قضايا الإرهاب من المحاكمة لو ثبت أنهم عوقبوا أمام محاكم أجنبية بعقوبات لها علاقة بنشاطهم الإجرامي الإرهابي”، مشدداً على أن “هذه قاعدة قانونية، إذ لا يمكن أن يعاقَب شخص ما على فعل ارتكبه مرتين”.

بالمقابل، يكمل الحافظي، تثير عائلات المقاتلين، بينهم نساء وأطفال، إشكالات تتعلق بضرورة البحث عن سبل جديدة وإعادة دمجهم في المجتمع من خلال مقاربة أمنية اجتماعية تأخذ بعين الاعتبار وضعهم كضحايا رافقوا أزواجهم الجناة.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة