الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبةمقالات

«إطلاق الروح البرية للمرأة».. الأمومة روح العالم

من رفوف المكتبة

إيهاب الملاح♦

“يوجد داخل كل امرأة مخلوق بري وطبيعي، قوة جبارة مليئة بالغرائز الطيبة، والإبداع العاطفي والمعرفة الدائمة، اسمها Wild Woman»

( كلاريسا بينكولا لا إستيس)

– 1 –

يتذكر كل من شاهد فيلم الأنيميشن الشهير “موانا” (إنتاج 2016) رحلة بحثها المثيرة بمساعدة روح جدتها لأبيها  للوصول إلى “قلب تي فيتي” القلب الأخضر أو قلب “المرأة المقدسة” روح العالم وسر الوجود.

الملصق الدعائي لفيلم الأنيميشن الشهير “موانا”

ببساطة شديدة يعالج هذا الكتاب الصادر أخيرًا هذه الفكرة معرفيا وفلسفيا، في تاريخيتها وإثنولوجيتها وفولكلوريتها، إنه بالجملة بحث آخر مواز في تاريخنا الفكري والثقافي والأسطوري عن تلك الروح البرية التي تحمينا وتمدنا بالطاقة والقدرة اللازمة على الحب لمواجهة قسوة العالم وعنفه وشراسته.. بحث عميق الجذور، ممتد، ومتشعب عن صورة “الأم المقدسة” في التراث الإنساني العالمي، والحكايات الشعبية، والثقافات البدائية والقديمة. الأم التي عُرفت في العالم، وفي التاريخ، وعبر العصور والأزمان، بأسماء كثيرة وصور عديدة وظهرت للناس عبر العالم في عصور زمنية مختلفة، في صور وأشكال تكون الروح فيها أكثر ما تكون استعدادًا لفهمها.

اقرأ أيضًا: الفريسة: الإسلام والهجرة وتآكل حقوق المرأة

– 2 –

«إطلاق الروح البرية للمرأة»؛ هو بمثابة الجزء الثاني من الكتاب الشهير «نساء يركضن مع الذئاب» للباحثة والكاتبة الأمريكية من أصول مجرية مكسيكية كلاريسا بينكولا لا إستيس، وهي أيضًا شاعرة ومحللة نفسية تحمل درجة الدكتوراه في التحليل النفسي عن أطروحة بعنوان (الحب هو الحقيقة الوحيدة وما عداه وهم ـ في مداواة الفقد وعلاج الصدمات النفسية وتبديد الاكتئاب).

غلاف كتاب «نساء يركضن مع الذئاب»

استغرق كتابها الأشهر «نساء يركضن مع الذئاب» عشرين عامًا كاملة حتى ظهر للنور، وحين ظهوره حقق شهرة عارمة غير مسبوقة، ومثل نقطة فارقة في تاريخ النشر وأفضل الكتب رواجًا؛ إذ تربع على عرش الأكثر مبيعًا لسنواتٍ طويلة في أمريكا وأوروبا وتُرجم إلى أكثر من ثلاثين لغة من بينها العربية، صدرت الترجمة العربية عام 2003 عن المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة، وبعد عشرين عامًا أخرى أصدرت كتابها هذا «إطلاق الروح البرية للمرأة» الذي ترجمه إلى العربية المترجم مصطفى محمود، وصدر عن دار العين للنشر قبل أشهر قليلة.

غلاف كتاب “إطلاق الروح البرية للمرأة”

– 3 –

أما الذي تقصده كلاريسا بينكولا بـ “الروح البرية للمرأة”، من وجهة نظر علم النفس، وفي عُرف الروائيين والشعراء أيضًا،‏ هي روح الأنثى،‏ بل مصدر الأنوثة والأمومة،‏ إنها كلُّ ما هو فطري في كلا العالمين الظاهر والباطن،‏ إننا جميعًا نأخذ منها الخلية التي تحوي كل الغرائز والقلب الأمين،‏ وهي فصيحة في لغات الأحلام والعشق والشعر،‏ إنها الأفكار والمشاعر والذاكرة،‏ ورائحة الطين والخصب والصوت الذي يصرخ فينا‏:‏ هذا هو الطريق، والتي تصرخ في وجه الظلم،‏ وهي التي نهجر الوطن بحثًا عنها، والتي نعود إليه من أجلها، والحاضنة التي نرعى فيها براعم الأفكار والعلاقات الوليدة‏..‏

الكاتبة الأمريكية كلاريسا بينكولا

ولكن أين نجدها؟ تسأل الكاتبة وتقول إنها تجوب الصحاري والغابات والمحيطات والمدن والقلاع،‏ في المصنع،‏ في السجن والجبل النائي،‏ مع الأقليات المعزولة،‏ في الشارع والجامعة،‏ تترك لنا آثار أقدامها لنتبعها،‏ وهل هناك برهان علي وجودها؟

تجيب الكاتبة أن‏:‏ نعم‏..‏ لقد قابلناها ملايين المرات، وخبرناها في اشتياقاتنا وإلهاماتنا،‏ إنها تعيش في قاع البئر وعلى سطح الماء،‏ في الأثير،‏ تعيش في الدموع والمحيطات،‏ يسمع أزيزها في لحاء الشجر عندما ينمو،‏ إنها آتية من المستقبل ومن فجر الزمان،‏ تعيش في الماضي وتحضر حين نستدعيها،‏ تأخذ مكانها في مائدتنا،‏ تقف خلفنا في الصف وتقودنا إلى الأمام عبر الطريق،‏ إنها تعيش في الجيوب الخضراء تحت الجلد،‏ في حفيف عيدان القمح التي تموت عند الخريف،‏ تعيش على رؤوس الموتى عندما يقبلهم الأحياء ويصلون عليهم،‏ تعيش في المكان الذي تصنع فيه اللغة،‏ تعيش في الإيقاع والشعر والغناء،‏ في النوتة الموسيقية،‏ إنها اللحظة التي تسبق تفجر الإلهام فينا‏.‏

لوحة عن كتاب “نساء يركضن مع الذئاب”

تتجلى في روح الذئبة حين تضطر لأن تقتل جروًا من ولدانها عندما يُصاب بجرح قاتل، تقول المؤلفة “فعلمني هذا أن أسمى درجات الشفقة، في ضرورة أن نسمح للموت أن يأتي إلى من يعانون سكراته”.

وتقول أيضًا “وتعلمت الإخلاص والمثابرة من الديدان الغامضة التي كلما سقطت من على أغصانها، عاودت الزحف إليها، وتعلمت كيف يكون لجلد البشرة أن يصير مخلوقًا حيًّا، عندما أشعر بدغدغة تلك الديدان وهي تزحف على يدي. وعرفت النحو الذي سيكون عليه الإحساس الجنسي يومًا ما من تسلق قمم الأشجار”.

اقرأ أيضًا: المرأة في المنظومة الأبوية للأديان التوحيدية

– 4 –

أما كيف تجمعت لها هذه المادة الهائلة والغزيرة والمتشعبة من المواد المثيرة الشائقة، فإنها تستعين بالحكايات الشفاهية‏:‏ حكايات الجان، والفولكلور، والأساطير القديمة في عناصرها الأولى قبل أن تضيف الثقافات والأيام عليها طلاء يبدل من مواضع العظام في بنائها،‏ وهي من أجل ذلك تجوب البلدان تقارن بين النسخ المتعددة لنفس الحكاية تجمع أكبر عدد من هياكلها القديمة والجديدة لتبحث عن الأصل الذي تعلمت منه البشرية كل ما يتعلق بالحب والزواج والميلاد والموت.. إلخ.

غلاف النسخة الإسبانية لكتاب “نساء يركضن مع الذئاب”

لقد ظلت تدرس الأنماط الأولية لهذه القصص على مدى عشرين عامًا كاملة،‏ واستغرقت وقتًا أطول في دراسة الأساطير حتى حصلت علي قدر هائل من الهيكل العظمي لهذه القصص، وباتت قادرة على معرفة المواضع التي تئن فيها هذه الشظايا بحثا عن عظامها الضائعة‏.‏

وتجميع القصص،‏ هو نوع من التنقيب في الحفريات،‏ وكلما توفر لنا قدر أكبر من عظام القصة كانت هناك فرصة أكبر للتوصل إلى القصة الكاملة، وبقدر ما يتوافر قدر أكبر من القصص الكاملة تنكشف لنا ثنايا النفس الغامضة وحناياها،‏ وتتهيأ لنا فرصة أفضل لفهم أعماق الروح، وحينئذ تفصح المرأة البرية المتواصلة مع روح الأم المقدسة عن نفسها بشكل أكبر،‏ تقول المؤلفة إنها بحثت عن هذه الحكايات على موائد الطعام وتحت أشجار العنب، وفي مزارع الدواجن، وحظائر الماشية‏.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة