الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

إضاءة على عدن في ذكرى سقوطها (1994)

لم تشهد عدن استقراراً مشابهاً لأيام الاستعمار البريطاني حتى بعد الاستقلال وقبل الوحدة.. ولم يبقَ اليوم بين أبنائها سوى ذكريات وأحلام وربما أمل خجول بأن يبتسم لهم الحظ من جديد

كيوبوست- منير بن وبر

الزائر لمدينة عدن اليوم سيجدها مدينة منكسرة الخاطر، حزينة وخائفة، تفتقر إلى الحد الأدنى من خدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وسيجد سكانها في حالة يُرثى لها من العناء. وعند الحديث مع كبار السن، ممن عايشوا بعض السنوات من الاحتلال البريطاني للمدينة، سيرى في عيونهم حسرةً وحنيناً إلى تلك الأيام التي كانوا ينعمون فيها بالأمن والتعليم الجيد والخدمات المتاحة في ذلك العصر.

كانت عدن عاصمة لليمن الجنوبي منذ رحيل الاستعمار البريطاني عام 1967 حتى الاتحاد مع اليمن الشمالي عام 1990، لكن هذه الوحدة لم تدم طويلاً؛ إذ سرعان ما اندلع ما يُعرف بحرب الانفصال بين الشمال والجنوب. كانت حرباً قصيرة بدأت في مطلع مايو 1994، وسرعان ما تمكنت القوات الشمالية من الدخول إلى عدن في السابع من يونيو من نفس العام.

اقرأ أيضاً: اليمن.. ستون عاماً من البحث عن الدولة

في اليوم التالي لسقوط عدن، وصف خبر نُشر بصحيفة “النيويورك تايمز” بعضاً مما جرى بالقول: “توغلت قوات الحكومة المتمركزة في الشمال في وسط الميناء على متن دبابات وناقلات جند مصفحة… لكن آلاف الرجال والنساء والأطفال فروا في شاحنات صغيرة وعربات صغيرة مكتظة”[1]. منذ ذلك اليوم، لا تزال ذكرى الحرب عالقة بأذهان الجنوبيين الذين لم يتوقفوا مطلقاً عن النضال لاستعادة دولتهم، وهم يذكرون يوليو، الذي مرّ عليه اليوم 27 عاماً، يوليو الأسود.

نكبة مستمرة

 ذكر تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش”، صدر في أكتوبر 1994، أن قصف حكومة الشمال لعدن تسبب في سقوط معظم الضحايا من المدنيين.[2] وفقاً لتصريح وزير التخطيط اليمني حينها، عبدالكريم الإرياني، بلغ عدد ضحايا الحرب نحو 7 آلاف قتيل من العسكريين والمدنيين، و15 ألف جريح.[3]

الصليب الأحمر تساعد الأسر المتضررة من العرب.. عدن 1994- منظمة الصليب الأحمر

أشارت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية، في تقرير أكتوبر 1994، إلى قلق بالغ -حينها- جراء انتهاكات حقوق الإنسان أثناء وبعد النزاع المسلح؛ منها على وجه الخصوص قتل وجرح المدنيين “من خلال القصف العشوائي لمدينة عدن، وتعمُّد المهاجمين تدمير محطة ضخ المياه، وقطع إمدادات المياه عن عدن في 28 يونيو، وترك عدن وضواحيها دون ماء بالكامل تقريباً لأسابيع”.

اقرأ أيضاً: في شهر رمضان الكريم.. لنتذكر نساء اليمن

كما أشار التقرير إلى المزيد من التفاصيل؛ منها تأكيد وقوع أسوأ قصف على عدن في الفترة من 23 إلى 25 يونيو، مما أدى إلى “سقوط نحو ثلاثين قتيلاً و200 جريح يومياً. منذ ذلك الحين وحتى نهاية الحرب، في 7 يوليو، استمرت النيران في التسبب في مقتل 15 إلى 20 شخصاً وإصابة 150 بجروح يومياً في عدن”.

عانى اليمن تحديات اقتصادية هائلة بعد الحرب؛ لكنه تلقى مساعدات سخية من الخارج مقابل التزامه بحزمة من التدابير الرامية للاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، كما تذكر الموسوعة البريطانية، بحلول أواخر التسعينيات، أظهر نظام الرئيس اليمني علي صالح، نقصاً متزايداً في الإرادة والقدرة على تبني وتنفيذ الإجراءات الاقتصادية والإدارية اللازمة.[4]

حي المعلا- عدن في ستينيات القرن الماضي- أرشيف

ولم يأتِ عام 2005 حتى بات الاقتصاد اليمني بالكاد يخلق وظائف كافية وخدمات عامة ضرورية؛ ويعود هذا الإخفاق، حسب الموسوعة البريطانية، إلى نظام حكم القلة الذي يسيطر عليه ضباط الجيش وشيوخ القبائل ورجال الأعمال الشماليون، وعمل الدولة على إثراء القلة على حساب الشريحة الأوسع من الشعب.

دعوات للحرب وأخرى للسلام

عند اندلاع الأزمة، جمع علي صالح شيوخ القبائل ورجال الدين والجيش؛ لاستشارتهم والحصول على تأييدهم، وكان موقفهم أن الوحدة اليمنية “خط أحمر” لا ينبغي تخطيه لأي سبب. ولتحقيق النصر، انضمت إلى الجيش اليمني أعداد هائلة من أبناء القبائل الموالية لصالح، ومن مقاتلي تنظيم الجهاد الإسلامي، وميليشيات حزب الإصلاح الذي يُعد ذراع الإخوان المسلمين في اليمن.[5]

اقرأ أيضاً: خليج عدن.. خط التهريب المزدهر منذ عقود

يصف يوسف ندا، مفوض العلاقات السياسية الدولية للإخوان المسلمين، دور إخوان اليمن في حرب الانفصال بالقول: “إن الإخوان كان لهم دور كبير في إخضاع تمرد الجنوب”.[6] للإخوان المسلمين دور كبير ومهم في اليمن منذ ما قبل حرب 94؛ يقول الدكتور حمادة حسني، في كتابه (حسن البنا وثورة اليمن 1948): “الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، ومرشدها الأول، تدخل في اليمن قبل تدخل جمال عبدالناصر فيه.. بقاعدة أن أرض اليمن ممهدة لانتشار دعوة جماعة الإخوان المسلمين فيها”.[7]

على المستوى الخارجي، قامت عدة مبادرات لإنهاء الأزمة حتى منذ ما قبل تطور الصراع إلى العنف، كما بعثت الحكومة اليمنية بالوفود إلى عدة دول؛ لدعوتها إلى إنصافها أثناء الحرب. في مطلع أبريل 1994 -مثلاً- دعت عدة دول؛ بينها مصر والإمارات، في إطار وساطة عمانية، طرفَي الصراع إلى تبني وحدة فيدرالية أو كونفيدرالية؛ لإنهاء الأزمة وتصحيح ما آلت إليه الأمور بعد الوحدة الاندماجية، لكن الحرب كانت أسرع خُطى من مساعي السلام.

اقرأ أيضاً: عدن.. مدينة التسامح والتعايش والسلام

انطلقت عدة نداءات عربية وغير عربية لوقف إطلاق النار والانخراط في مباحثات سياسية بعد تطور الصراع إلى حرب بين الشطرَين؛ لكن تلك المبادرات لم تلقَ استجابة. حمَّل الشيخ زايد، رئيس دولة الإمارات، الرئيسَ اليمني علي صالح، مسؤولية استمرار الحرب، وأبلغه في اتصال هاتفي أنه يأسف لعدم استجابته للنداءات المتكررة لوقف القتال. الرئيس المصري، حسني مبارك، حمَّل صالح مسؤولية اندلاع القتال أيضاً، وأكد في مؤتمر صحفي أن “استخدام القوة ليس نوعاً من الوحدة؛ ولكنه نوع من الاحتلال، لأن استمرار الوحدة يحتاج إلى رغبة الطرفين”.[8]

كان موقف دولة الإمارات يماثل نظيره المصري أيضاً؛ خلال الأيام الأخيرة من الحرب زار وفد علي صالح، الإمارات، وهناك قال الشيخ زايد لأعضاء الوفد بوضوح إن “الوحدة لا تُفرض بالقوة والحرب”، وذلك كما يذكر الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، شيخ مشايخ قبيلة حاشد وأحد أعضاء الوفد، في مذكراته. ويضيف الأحمر أن النقاش اشتد بين أعضاء الوفد والشيخ زايد، وكان مما قاله الشيخ زايد -رحمه الله- لهم: “أنتم تجبرتم واعتديتم عليهم”.[9]

أحلام وذكريات

تُعد عدن أصغر محافظات جنوب اليمن، وثاني أصغر محافظات اليمن الموحَّد، إلا أنها تحظى بأهمية ومكانة كبيرة نتيجة موقعها الجغرافي المهم وإرثها الحضاري. عبَّرت الملكة البريطانية إليزابيث، عن ثقتها في مستقبل عدن، والتي وصفتها بالمتميزة، وذلك أثناء زيارتها لها في منتصف الخمسينيات قبل انسحاب بريطانيا منها.

إحدى المدارس في عدن عام 1963- أرشيف

لكن المستقبل لم يحمل لعدن وسكانها الرخاء المأمول، وبقيت ذكرى الاستقرار الذي شهدته عدن خلال فترة الاستعمار هي معيار المقارنة بالنسبة إلى السكان؛ ففي ذلك العصر كان هناك تعايش بين الأديان والمذاهب، وتأسس النظام والقانون بمشاركة قوى المجتمع، وازدهرت النوادي الثقافية والأدبية والاجتماعية، وانتشرت عشرات المطابع والمكاتب والمدارس والمعاهد، وأُسس أول مستشفى في عام 1885[10]، ناهيك بالمشروعات التجارية مثل ميناء عدن، ومطار عدن الذي يُعد أحد أقدم مطارات العالم، ومصافي عدن.. وغيرها من المشروعات.

لم تشهد عدن استقراراً مشابهاً لأيام الاستعمار البريطاني حتى بعد الاستقلال وقبل الوحدة، ولم يبقَ اليوم بين أبنائها سوى ذكريات وأحلام، وربما أمل خجول بأن يبتسم لهم الحظ من جديد.

المراجع:

[1] صحيفة النيويورك تايمز، عن وكالة أنباء أسوشييتد برس، 8 يوليو 1994.

[2] تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” أكتوبر 1994.

[3] موسوعة مقاتل من الصحراء. الأمير خالد بن سلطان بن عبدالعزيز.

[4] الموسوعة البريطانية. روبرت بروس ومجموعة من المساهمين.

[5] موسوعة مقاتل من الصحراء، مرجع سابق.

[6] برنامج شاهد على العصر، مع يوسف ندا، قناة الجزيرة.

[7] حسن البنا وثورة اليمن 1948. الدكتور حمادة حسني.

[8] موسوعة مقاتل من الصحراء، مرجع سابق.

[9] مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر.

[10] عدن التاريخ والحضارة. علي ناصر محمد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة