الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“إصلاح الأخلاق على رأي أفاضل الحكماء المتقدمين” للأندلسي اليهودي سليمان بن جبيرول

محاولة عربية لأنسنة الأخلاق ضمن كنوز مكتبة بودليان أكسفورد

عبدالله الزيد♦

ربما أكثر ما سيلفت انتباه المطلع على هذا النص، المخطوط في الأندلس مطلع القرن الحادي عشر الميلادي والمحفوظ ضمن خزائن مكتبة بودليان، إحدى أشهر مكتبات حفظ المخطوطات في جامعة أكسفورد منذ 1489م،  هو ما احتوته المخطوطة من جهدٍ طريف وجاد لأنسنة (علم الأخلاق)؛ أي جعله علماً إنسانياً لا يستند إلى النص الديني، بل يقدِّم منهجاً للأخلاق يقوم على المعرفة الحسية، والبرهان العقلي، لتنضم مخطوطة ابن جبيرول إلى سلسة من الجهود العربية التي انطلقت في وقتٍ مبكر من الوعي العلمي لتأسيس فلسفة الأخلاق؛ وهذا ما علينا انتظار تحققه في أوروبا لاحقاً وبشكلٍ منهجي ضمن مشروع كانط النقدي عام 1788م، وكتابه «نقد العقل العملي»، وكذلك محاولات تأسيس المنهج النفعي في الأخلاق عند ستيوارت ميل 1863م، وصولاً إلى محاولات عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، ودروسه في فلسفة الأخلاق النظرية 1906م.

الحياة القصيرة للفيلسوف الشاعر ابن جبيرول المولود في مَلَقَا عام 1021م قبل أن يهاجر بعدها إلى مدينة سرقسطة، ثم إلى فلنسيا التي استقر فيها حتى وافاه الأجل عام 1058م، صادفتِ الكثيرَ من التوترات والصراعات السياسية؛ لدرجة يمكن أن تكوِّن لنا مؤشراً لفهم المزاج العام لعلماء ذلك العصر في التأليف بمجال الأخلاق، والمتوافق غالباً مع عصور تخلف القيم الكبرى؛ مما يعلي من الاتجاه نحو إقامة معيار إنساني فردي في الأخلاق والحكم بعيداً عن أي شكلٍ من أشكال السلطة، وهذا ما يمكن ملاحظته عند آخرين عايشوا أزمة ابن جبيرول؛ مثل ابن باجة 1080م، في كتابه “تدبير المتوحد”، وكذلك “تهذيب الأخلاق” لابن عربي 1240م. يقول ابن جبيرول متحدثاً عن عصره ومعتذراً لقرائه عن تقصيره: (ومن الوح الأمور على أعذاري.. ما نحن عليه في زماننا من الضر والضيقة وترادف الشقا واضطراب الأحوال..).

قدَّم لنا ابن جبيرول مقاربةً أصيلة في علم الأخلاق، تقوم على ما أطلق عليه اصطلاحاً “القانون الأدبي” و”البرهان العقلي”؛ حيث يقول: (إنا رأينا كثيراً من الناس لا يحسنون سياسة أخلاقهم ليجروها على القانون الأدبي والمنهج العقلي.. ورأينا من واجبنا أن نؤلف في ذلك كلاماً مقنعاً..)، وبرأي الحبر الفيلسوف، فإن الأخلاق الإنسانية مرتبطة بالحواس الخمس عند الإنسان، وسلوكنا وأخلاقنا إنما هما أثر لما تشعر به حواسنا، يقول عن ذلك: (ورغب إليَّ أن يكون ما أثبت له من نسبة الأخلاق إلى الحواس قبل أن نشرح شيئاً منها لأبينها على طريق الشكل الهندسي والبرهان الظاهر للحس..) ثم يضع ابن جبيرول الجداول ويرسم الأشكال التوضيحية بتقسيم بديع:

فيخص للنظر أخلاقَ: الشمخ/ والخشوع/ والحياء/ والقح.. بينما يضع لحاسةِ السمع: الحب/ والبغض/ والرحمة/ والقسوة.. ويخص للشم أخلاق: الغضب/ والرضا/ والغيرة/ والنشاط.. وللذوق: الفرح/ والهم/ والطمأنينة/ والندم.. ولحاسة اللمس: السخاء/ والبخل/ والشجاعة/ والجبن.

وإن كان هذا كله -برأيي- لا يقع بعيداً عن رؤية أرسطو في دمج النفس والجسد في جوهرٍ واحد هو أصل الانفعالات، إلا أن ابن جبيرول كان له تصنيفاته الأصيلة في الطبائع والأخلاق؛ حيث يثري فلسفته استناداً إلى طول التبصر في التجربة والتفكر في الأحوال، وهنا مثلاً يقارب ابن جبيرول الإنسان بأحوال النفس في الطبيعة؛ حيث يقول عن صعوبة تبدل الأطباع مع تقدم عمر الإنسان: (فإن تجاوزوا حدَّ الصبى وهم مقيمون على حالهم عسر تنقلهم إلى حسن السيرة؛ بما مثل من قوام الغصن قبل أن يعظم، فإذا صار شجرة عسر تنقلها)، وهنا يعطي ابن جبيرول للعادة قيمة كبرى في ثبات الأطباع؛ ولكنه في ذات الوقت لا يبتعد في رؤيته عن سلامة الفطرة الإنسانية، وأن الأصل في الإنسان الخير، وبالتالي فإن كل ما يتغير وينحو فيه نحو الشر هو من جراء تطبعه بما اسمه النفس النباتية؛ وهو تقسيم للنفس مشهور قد سبق عليه ابن جبيرول، لكنه يوظفه في كتابه، حسب مقاربته الخاصة؛ حيث تأتي قيمة وأثر العقل والرياضة البرهانية في الحكم والإرادة.

شاهد: رحلة في مقامات “المالوف” الأندلسي (فيديو)

ويستفيض ابن جبيرول بعد ذلك في أبوابٍ مستقلة، متوسعاً وشارحاً ومتأملاً في التجارب من حوله لأحوال الأخلاق التي ربطها في الحواس؛ ليختم معتذراً عن الإسهاب وعدم إضافة أبواب أخرى: (في نسبة الحواس للطبايع ومسكن كل خلق من البدن وكثير من المزاج والتشريح والفراسة)؛ حيث آثر الاختصار لعلمه أن في أخلاق الناس الضجر والملل، كما أن لكثيرٍ من الأخلاق التي لم تذكر ارتباطاً بما ذكره وتوسع به.

بقي أن نشير إلى أن الكتاب قد تُرجم وقُدِّم له بالإنجليزية عام 1902م من قِبل العالم اليهودي الأمريكي من أصل مجري ستيفين وايز، وتتوفر له نسخة إلكترونية قابلة للتحميل على قائمة موقع أرشيف الإنترنت بالضغط هنا.

♦باحث سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات