الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

إشكالات الإرهاب المتجددة في فرنسا

د.إدريس لكريني♦

لم تكد فرنسا تتعافى من الصدمة التي أثارها الاعتداء على مواطنين أمام المبنى السابق لصحيفة “شارلي إيبدو”، قبل أسابيع، حتى استفاقت من جديد على وقع جريمة قطع رأس أستاذ تاريخ في ضواحي باريس، سبق أن عرض صوراً مسيئة للنبي محمد (ص)؛ حيث أعلنت النيابة العامة أن الأمر يتعلق بعمل “إرهابي”.

اقرأ أيضًا: بين صموئيل وصوفي.. فرنسا تقف حائرة أمام التعامل مع الانفصالية الإسلامية

أثارت الجريمة ردود فعل قوية داخل المجتمع الفرنسي بكل مكوناته، فقد دعا الرئيس مانويل ماكرون، الفرنسيين إلى الوقوف إلى جانب المدرسين لحمايتهم والدفاع عن حقوقهم، و”الحيلولة دون انتصار الظلامية”. ولم تمنع الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة “كوفيد-19” على البلاد، الكثير من الفرنسيين في العاصمة باريس ومدن أخرى، من الالتحاق بالساحات العمومية، للتظاهر تضامناً مع الضحية، رافعين شعارات تنبذ “التطرف والإرهاب”، وتؤكد “حرية التعبير والتدريس”، بينما أعلنت الحكومة الفرنسية اتخاذ مجموعة من التدابير الصارمة ضد الهيئات والأشخاص المقربين من تيارات متطرفة، ضمن خطة عمل في هذا الشأن، أقرها مجلس الدفاع الفرنسي الذي انعقد بدعوة من رئيس الجمهورية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – وكالات

تأتي العملية في أعقاب إعادة نشر رسوم مسيئة للإسلام، من قِبل صحيفة “شارلي إيبدو”، وانطلاق محاكمة عدد من المتهمين في الأحداث المتعلقة بالهجوم على مقرها، والذي أسفر عن مقتل 12 شخصاً في عام 2015، كما تأتي أيضاً بعد خطاب ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلَّف مواقف وردود فعل متباينة بشأن مضمونه؛ حيث كشف فيه عن سياساته ضد “النزعات الانفصالية”، وأكد من خلاله ضرورة مواجهة ما سمَّاه بـ”الانعزالية الإسلامية”، ومنبهاً إلى أن هناك تأثيراً خارجياً تمارسه بعض التيارات السلفية والإخوان المسلمين.. وأن فرنسا بالنسبة إلى هذه التيارات هي دولة عنصرية كافرة ومعادية للمسلمين، مشيراً إلى أن هذه الجماعات تسعى إلى إثارة الفوضى والحرب الأهلية في البلاد، لافتاً إلى وجود توجهات راديكالية “إسلامية” تقوِّض مبادئ الجمهورية، تسعى لتكريس نظام موازٍ. كما ذكر أن “الإسلام يعيش أزمة اليوم في مختلف مناطق العالم”، داعياً إلى إرساء “إسلام يكون في سلام مع الجمهورية”، لافتاً إلى أن “فرنسا لا تستهدف الإسلام أو المسلمين وإنما التطرف”.

اقرأ أيضًا: أسئلة على هامش هجوم “شارلي إيبدو” الثاني

يعتقد العديد من المراقبين أن خطاب ماكرون، وإن كان مبرراً في بعض مضامينه بحالة الغضب التي أصابت المجتمع الفرنسي إزاء تنامي “الأعمال الإرهابية” التي تمارس باسم الإسلام في الآونة الأخيرة، وبضغط التيارات اليمينية التي لا تخفي غضبها من المهاجرين من أصول عربية وإسلامية، ومن السياسات الحكومية “المتساهلة” -بحسبها- إزاءهم، فبتأكيده أن “الإسلام يعيش أزمة في عالم اليوم”، ضمن خلط واضح بين المبادئ الإسلامية السمحة من جهة، والتيارات “الإسلاموية” التي تربط سلوكاتها العنيفة بشكل تعسفي ومنحرف بالإسلام، من جهة أخرى، يقدِّم لعدد من “الجماعات الإسلاموية”، خدمة، تتيح لها استغلالها في خطاباتها المظلومية، وفي العودة إلى واجهة الأحداث من جديد، عبر تعبئة وتجنيد المزيد من المتطرفين.

 اقرأ أيضاً: ردود فعل منددة بتهديدات إبراهيم منير لفرنسا بعد خطاب ماكرون

في الوقت الذي اعتبر فيه البعض أن إشارة الرئيس الفرنسي في خطابه إلى “جماعة الإخوان المسلمين”، يأتي في سياق التموقع إلى جانب عدد من الدول الأوروبية التي لا تخفي انزعاجها من الجماعة، يرى آخرون أن الأمر يندرج ضمن استراتيجية ماكرون؛ للحد من تمدُّد هذه الجماعة داخل التراب الفرنسي والأوروبي بشكل عام، ولقناعته بانخراطها في خدمة الأجندات التركية.

مقر صحيفة شارلي إيبدو في باريس – أرشيف

لم تتأخَّر جماعة الإخوان المسلمين في التعبير عن غضبها واستيائها من الخطاب، فقد اعتبر إبراهيم منير؛ المرشد العام المؤقت للجماعة، أن مضمونه لا يراعي مشاعر أكثر من مليارَي مسلم، وبكونه يتناقض مع “الحقائق العلمية والتاريخية”، مؤكداً سمو وسيادة أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، على أحكام البشر، كما اعتبر أن “فكر جماعة الإخوان النابع من دينها الذي يلتزم به أصحابه، قد انتصر على تجاوزات بعض الأنظمة التي تتعمَّد دفعهم إلى التخلِّي عنه بتجاوزات غير قانونية وغير إنسانية بغية تشويهه..”.

اقرأ أيضًا: تساؤلات حول ارتباط الهجوم الثاني على “شارلي إيبدو” بالإخوان المسلمين

تبرز الأحداث الأخيرة التي شهدتها باريس أن الإرهاب والتطرف ما زالا يمثِّلان تحدياً جدياً، رغم التدابير المتخذة، فالتقارير الواردة في هذا الشأن تؤكد أن فرنسا تتموقع على رأس الدول الأوروبية الأكثر تعرُّضاً لعمليات إرهابية خلال السنوات الخمس الأخيرة؛ وهو ما يفرض البحث في الأسباب الحقيقية (اجتماعية، وثقافية، وتربوية…) التي تغذِّي الظاهرتَين، بدل المبالغة في التركيز على المقاربات الأمنية.

♦باحث وجامعي من المغرب

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة