الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

إسلاميو تونس يهاجمون أكاديمياً طالب بتقنين بناء المساجد!

أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ أثار الجدل بتصريحات حول ترشيد بناء المساجد لعجز الدولة عن تحمل التكاليف

تونس – فاطمة بدري

 تلقَّف الإسلاميون في تونس تصريحات أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ، التي دعا فيها إلى وقف بناء المساجد، ووضعوه في مرمى هجومهم؛ في تحرك كان منتظراً من هذا التيار السياسي الذي أسس وجوده على ادعاء الدفاع عن الدين، وقد وجدوا في تصريحات محفوظ، رغم وجاهتها، فرصة للعب هذا الدور مجدداً.

اعتبر أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ، في تدوينة نشرها، الإثنين 24 مايو، على صفحته عبر “فيسبوك”، أن كل بناء لمسجد جديد هو اعتداء صارخ على جملة من المبادئ الدستورية، وإهدار للمال العمومي.

ورأى محفوظ أن “المياه المستخدمة دون إرشاد في المساجد، كان من الأجدى أن توجه إلى الأشخاص المحرومين من الماء، أو حتى لري المزروعات والأراضي؛ خصوصاً في ظل دولة تشكو من نقص المياه”.

اقرأ أيضاً: منظمات تونسية تحذر من “الزحف الداعشي” داخل المدارس

وانتقد محفوظ تحمُّل ميزانية الدولة مصاريف المساجد، معتبراً أن تجهيز المساجد بالمكيفات فيه استنزاف للطاقة الكهربائية، وكان من الأجدر أن يتم استعمالها لغاياتٍ استثمارية أو إنسانية.

وأضاف “أما عن استنزاف الطاقة الكهربائية فحدث ولا حرج؛ خصوصاً بعد تجهيز آلاف المساجد بالمكيفات، ألم يكن من الأجدر استعمال هذه الطاقة الكهربائية لغايات إنسانية أو استثمارية؟”.

أمين محفوظ نبش في موضوعٍ يحبذه الإسلاميون- (صورة جوجل)

جدل واسع

وسريعاً أثارت تصريحات محفوظ، الذي لا يتردد في طرح مواقف جريئة وهادفة دون خوف من ردود الفعل، جدلاً واسعاً تصدرته قواعد الإسلاميين الذين حاولوا استحضار الشعارات والتهم القديمة التي دأبوا على توجيهها ضد اليسار، وكل مَن يدعو إلى التفرقة بين الدين والسياسة، والكف عن المتاجرة بالدين. ورغم تأييد قطاع واسع من التونسيين للرجل؛ فإن تهم التكفير ومحاربة الإسلام وغيرها طالته، وقد قادها بعض الوجوه السياسية المحسوبة على حركة النهضة الإسلامية.

رئيس كتلة ائتلاف الكرامة، الذراع اليمنى للحركة، سارع لشن هجوم ضد محفوظ وصفه فيه بالشذوذ، واتهمه بضرب مساجد المسلمين، والطعن في بيوت الله، والتطاول على المقدسات، وتحقير الشعائر وازدرائها… وغيرها من النعوت والتهم الأخرى.

ومن جهةٍ أخرى، استنفرت الصفحات الفيسبوكية التي تشرف على إدارتها حركة النهضة، والتي دأبت على شن حروبها الكلامية ضد خصوم الحركة، لتأجيج ما يُسمى بـ”الذباب الأزرق” (جمهور الإسلاميين على “فيسبوك” في تونس)؛ ليكيل التهم والشتائم للرجل، ومِن ورائه دعاة العلمانية في تونس، ورئيس الدولة قيس سعيّد.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة في مصيدة الفساد مجدداً

وتجدر الإشارة إلى أن تصريحات محفوظ ليست الوحيدة أو الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن أعرب مسؤولون في وزارة الشؤون الدينية عن قلقهم من تعاظم النفقات المرصودة للمساجد، أبرزها دعوة الوزير أحمد عظوم، إلى ترشيد بناء المساجد، موضحاً أنها تتطلب مصاريف وتكاليف إضافية لا تستطيع الدولة تحملها. كما طالب بوقف بناء المزيد من المساجد الجديدة في مختلف أنحاء البلاد.

لكنَّ الإسلاميين يتغافلون عن ذلك عمداً؛ لعدة اعتبارات، أولها بحثهم الدائم عن أية فقاعة يتمسكون بها ليعيدوا نسج كذبة الدفاع عن الدين، بعد أن فقدت بريقها، وثانياً، ولعله الأهم، انزعاجهم الذي لم يتوقف من خروج المساجد، أو على الأقل أغلبها، عن سيطرتهم، ومنذ 2014 التاريخ الذي انطلقت فيه حملة تحييد المساجد.

المتطرفون سيطروا على المساجد في سنوات حكم “النهضة” الأولى- (صورة وكالات)

ويُذكر أنه منذ سنة 2011 حتى أواخر 2013، سيطر الإسلاميون والمتطرفون على المساجد في تونس، بمباركة رسمية من حركة النهضة التي تحكم للمرة الأولى حينها، وتهيمن على البرلمان والحكومة. وتحولت المساجد خلال هذه الفترة إلى مسرح لتكفير اليساريين، واتهامهم بالردة؛ خصوصاً الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وللتحريض على العنف ضد الاتحاد العام التونسي للشغل، وفضاء للدعوة إلى قتل “الفنانين الملحدين”، ووصف الأمني بـ”الطاغوت” الواجب قتله. وكانت نتيجة هذا المشهد اغتيالات سياسية طالت بلعيد والبراهمي وتسفير آلاف الشباب التونسي إلى بؤر التوتر؛ كسوريا وليبيا والعراق، وهجومات ضد الفنانين في قاعات العرض.

وحسب إحصائيات وزارة الداخلية، فقد استطاع المتشددون الإسلاميون وضع أياديهم على أكثر من ألف مسجد بعد الـ14 من يناير 2011.

اقرأ أيضاً: الاتهام بالخيانة آخر فصول حركة النهضة للإطاحة بقيس سعيد!

وأمام هذا الوضع الخطير، نظمت الحكومة منذ يوليو 2014 حملة لتحييد المساجد والخطاب الديني، أُغلق خلالها عدد من المساجد، وأُعفي عدد كبير من الأئمة المتطرفين؛ مما أزعج الإسلاميين الذين روجوا لأن حرية الضمير في خطر. ورغم أهمية تلك الحملة؛ فإن هناك إجماعاً على أنها لم تنجح في استرجاع كل المساجد من أيدي المتشددين، وتتهم أوساط سياسية ومدنية واسعة حركة النهضة بإبقائها على العديد من أئمة الجوامع المتطرفين؛ بسبب وجودها الدائم في السلطة.

حقيقة واقعة

عبدالجليل معالي

الكاتب والمحلل السياسي عبدالجليل معالي، اعتبر أن ما ذهب إليه أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ، بشأن المساجد، يعيه الجميع في تونس؛ لا سيما في ظلِّ تضاعف أعداد المساجد المشيدة بعد الثورة، على حساب قطاعات حيوية؛ كالتعليم والصحة، مشيراً إلى أن هجوم الإسلاميين ليس بالمعطى الجديد باعتباره السياق المفضل الذي تحبذ هذه الجماعة اللعب فيه.

وقال معالي لـ”كيوبوست”: “إن إلقاء نظرة فاحصة كافية لملاحظة الزيادة الكبيرة في أعداد المساجد التي تم بناؤها بعد 2011؛ حتى إننا بتنا نجد مسجدين وأكثر في مساحة صغيرة لا تحتمل أكثر من مسجد فقط مع تجهيزها بشكل كامل، وهذا يتطلب تخصيص ميزانية كبيرة من الدولة للعناية بها. “يحدث هذا في الوقت الذي تشهد فيه البنية التحتية للمدارس والمعاهد والجامعات وضعاً كارثياً دون أن تتحرك الدولة منذ 2011 لرصد ميزانيات كفيلة بإصلاح هذا القطاع، إلى جانب وضعية المستشفيات الرثة دون أن تثير هذه الوضعيات حفيظة الحكومات التي سيطر عليها غالباً الإسلاميون منذ 2011”.

اقرأ أيضا : التهديد بالاغتيال يطول السياسيين المعادين لحركة النهضة

وأضاف: “ولهذا فإن الهجمة التي قادها قادة وقواعد الإسلاميين ضد محفوظ هي ضرب من النفاق، وتدخل في سياق سعي هذا التيار السياسي لمغازلة مخزونه الانتخابي المتآكل، عبر إثارة معطى على صلة بالدين، وتضخيمه كما جرَت العادة؛ ولكن يبدو أن هذه الخطابات لم تعد تلقى التفاعل ذاته الذي كانت تلقاه في السنوات الأولى للثورة”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة