الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

إسلاميو المغرب وممارسة الحكم.. نقد ذاتي أم مناورة سياسية؟

مراقبون لـ"كيوبوست": حزب العدالة والتنمية أدرك ضرورة محاسبة نفسه والقيام بقراءة جادة لمساره وحصيلته

المغرب- حسن الأشرف

في الآونة الأخيرة، كثر الظهور الإعلامي والسياسي لزعيم حزب العدالة والتنمية المغربي، ذي المرجعية الإسلامية، والذي يركز فيه على قضايا ذات طابع ديني، من قبيل موضوع الفساد الأخلاقي والإلحاد والإجهاض والعلاقات الجنسية غير الشرعية.

وفي ظهور جديد وأمام حشد من أنصار الحزب الذي يوجد في المعارضة بعد أن قاد الحكومة لمدة 10 سنوات كاملة، أكد بنكيران أن حزبه جاء أساساً لمواجهة الإلحاد في المجتمع، ومحاربة ظواهر مسيئة للدين من قبيل الإفطار المتعمد في نهار رمضان، والفساد الأخلاقي، مبرزاً أن هناك خطة لتدمير أخلاق المغاربة عبر شعارات رنانة تنادي بالمساواة بين الرجل والمرأة.

اقرأ أيضاً: لماذا عادت قيادات “العدالة والتنمية” إلى المواعظ الدينية؟

وحذر بنكيران في خطاباته الجديدة، التي بات يحرص على إلقائها في لقاءات عامة، من مغبة تصديق شعارات جمعيات نسائية تنادي بالترخيص للإجهاض وإقرار المساواة الكاملة بين الجنسَين، مبدياً خشيته من أن يأتي وقت يتزوج فيه الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة في المجتمع المغربي.

السعي إلى الحكم

وعدا هذه التصريحات والمواقف التي بات يكررها مؤخراً زعيم حزب “الإخوان” في المغرب، رغم تبرؤه أكثر من مرة من جماعة “الإخوان المسلمين”، كان اللافت هو حديثه -قبل أيام مضت- عن تجربة الحركة الإسلامية في الحكم، مبدياً انتقاده هذه التجربة في أكثر من بلد إسلامي، معيباً على الإسلاميين سعيهم نحو امتلاك كرسي السلطة والحكم.

بنكيران في لقاء حزبي سابق

واهتم الكثير من المحللين والمهتمين بالشأن السياسي عموماً، وملف الحركات الإسلامية على وجه الخصوص، بظهور بنكيران الذي حاول من خلاله إجراء نوع من “الانتقاد الذاتي” للحركة الإسلامية في سعيها إلى الحكم، مع العلم أن حزبه الإسلامي سعى بدوره إلى تدبير الحكم والشأن العام بعد أن قاد الحكومة المغربية طيلة عشر سنوات، قبل أن يُمنى بهزيمة مدوية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ويحتل مرتبة متأخرة بين الأحزاب السياسية بالبلاد.

ووَفق بنكيران، “يتعين على الحركة الإسلامية أن لا تهتم بالحكم كأولوية في الحياة، أو تعتبره دورها الديني المحوري، وأن لا تطلب الحكم في حد ذاته؛ بل أن تتمثل قناعات الدين الإسلامي ومواقفه السامية، وإذا جاء الحُكم حينها فمرحباً، وإن لم يتم نيل الحكم فالدعوة إلى الإسلام تظل سارية”، بحسبه.

اقرأ أيضاً: “العدالة والتنمية” المغربي يمتطي صهوة “المرجعية الإسلامية”

انتقاد الحركة الإسلامية والكشف عن أخطائها لم يكن لبنكيران أن يثيره قبل سنوات خلت؛ إذ يقر أن ذلك كان سيجلب مشكلات للإسلاميين الذين كانوا يحكمون عدداً من البلدان العربية، نظراً للسياقات الإقليمية والدولية، قبل أن ينتقد تجربة الإخوان في السودان التي وسمها بالفشل.

العودة إلى الدعوة

ويقرأ الدكتور إدريس الكنبوري، الخبير في الحركات الإسلامية، ظهور بنكيران المثير، بالقول إن انتقادات الرجل للحركة الإسلامية تأتي اليوم في ظل تراجع حزب العدالة والتنمية، وفي ظل خفوت صوت حركة التوحيد والإصلاح، الجناح الدعوي للحزب وغياب تأثيرها.

د.إدريس الكنبوري

ويستطرد الكنبوري، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، بالقول: “إن حزب العدالة والتنمية بنى مشروعه السياسي كله على المشاركة السياسية والإصلاح من الداخل؛ وكان هدفه الوصول إلى السلطة؛ وبعد الربيع العربي أُتيحت هذه الفرصة وقاد الحكومة طوال عشر سنوات”.

وأضاف الكنبوري: تبين بسبب تدبير الشأن العام في البلاد، حجم التأثير الذي تحدثه المشاركة السياسية، وحجم التضحية الذي تقدمه الدعوة مقابل المشاركة السياسية؛ خصوصاً في بلد مثل المغرب توجد فيه إمارة المؤمنين، ولا يمكن أن تتدخل أية حكومة في المجال الديني؛ الأمر الذي يفرغ مشروع الحركة الإسلامية من المحتوى ويؤثر على صورتها.

اقرأ أيضًا: أزمة اقتصادية تعصف بـ”إخوان المغرب”.. والدولة تطالب باسترداد أموالها

وخلص الكنبوري إلى أن “بنكيران بات واعياً بالخسارة التي تكبدها الحزب من حيث السمعة والجاذبية بالمشاركة في السلطة؛ فيأتي الحل الوحيد أمامه هو الانطلاق من نقطة البداية، أي العودة إلى فكرة الدعوة السابقة على المشاركة السياسية”.

براغماتية وازدواجية فجة

من جهته، يقول الدكتور الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة مراكش، إنه “لا يستبعد أن حزب العدالة والتنمية أدرك فعلاً ضرورة محاسبة نفسه والقيام بقراءة جادة لمساره وحصيلته، بالنظر إلى النتائج الهزيلة التي حصدها في الانتخابات الأخيرة والدروس التي وجب عليه استخلاصها”.

د.الحبيب استاني زين الدين

ويردف زين الدين، في حديث مع “كيوبوست”، بأنه “في الوقت نفسه قد تكون فرضية المناورة حاضرة؛ ليس فقط بسبب عامل الزمن والوقت الطويل الذي يحتاج إليه الحزب للتعافي شبه التام من الصدمة الانتخابية حتى تتضح الصورة، بل أيضاً بسبب الانكماش الداخلي الذي يعيشه والتباس العلاقات بين الأجيال ضمنه”.

واستدل استاتي بأن عدد الذين اختاروا الانزواء أو “النزول من العربة” وقت الشدة، في ارتفاع؛ بل إن كثيراً من القياديين السابقين قطعوا الصلة بالقيادة الحالية، ومنهم مَن يخرج بين الفينة والأخرى بتدوينات أو تصريحات للتعبير عن رأيه أو الدفاع عن نفسه بعيداً عن الحزب، وفي تناقض أحياناً مع خطابه عندما كان في موقع المسؤولية الحكومية.

اقرأ أيضاً: “العدالة والتنمية” و”حركة الإصلاح” .. “مجرة الإخوان” في المغرب

وفي انتظار أن تتضح الأمور مستقبلاً من خلال سلوكيات ملموسة، يتابع المتحدث بأن الحزب يتعامل مع التراث الإسلامي عموماً، والحركة الإسلامية موضوع السؤال خصوصاً، ببرغماتية وازدواجية فجة، والمأمول أن تترسخ في ذهنية المنتمين إليه أن الناس في نهاية المطاف يعتمدون في حكمهم على أداء وعمل الوزراء ورؤساء الجهات والجماعات وليس على ما يحملون من أفكار أو يبطنونه من نيَّات.

حقيقة المراجعة

ويكمل المحلل السياسي بأنه “إذا كان صاحب “آية استوقفتني” (في إشارة إلى مواعظ بنكيران الدينية التي اتخذ لها هذا العنوان في صفحته الفيسبوكية) يعتقد فعلاً أن أبناء الحركة الإسلامية لا يجب أن يكونوا من أصحاب السلطة والقرار، وأن دورهم يتجلى، أساساً، في تمثُّل قناعات ومواقف وأخلاق العقيدة الإسلامية ودعوة الناس إلى الله؛ فإن أول شيء ينبغي القيام به لطيّ صفحة سوء الفهم المتكرر، هو أن يفصل هو نفسه بين وظيفته الحزبية والدعوية؛ حتى تتهيأ ظروف الثقة في خطاب المراجعة، خصوصاً الفكرية”.

بنكيران: موقع حزب العدالة والتنمية

وبخصوص الشروط الواجب توفرها للحديث عن مراجعة حقيقية في هذا السياق، يورد استاتي بأن أبرزها التخلص التدريجي من عقدة الانتماء التاريخي للحركة الإسلامية، وما ترتب عنها من أفكار نمطية أبدعها الجيل المؤسس، ووسعت مع مرور الوقت الحواجز الثقافية والنفسية بين المؤمنين بهذه الأفكار وبين فئات سياسية واجتماعية أخرى تنظر إلى مستلزمات العيش المشترك من جوانب مغايرة.

وشدد الأستاذ الجامعي على أن “هذه خطوة ضرورية ستعين المنتمين إلى الحزب على التموضع في الواقع السياسي؛ باعتبارهم فاعلين سياسيين قادرين على ممارسة وظيفة الوساطة والتمثيل السياسي دون خلط فج، عن وعي أو جهل، بين الدعوة والسياسة”.

وزاد الحبيب استاتي شرطاً رئيسياً آخر يتمثل في تجاوز عقدة الزعيم والدفع بالحوار والإقناع في اتجاه التناوب من خارج جيل التأسيس مستقبلاً؛ لا سيما أن كل المواقف وردود الفعل المعبر عنها إلى حدود الساعة، وبغض النظر عن دورها الانتقالي في هذ المرحلة، لا تزال محكومة برواسب نفسية تحتاج إلى وقت غير قصير لمحوها أو احتوائها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة