الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

إسرائيل والفلسطينيون.. من حل الدولتين إلى خمس “دول” فاشلة

من الواضح أيضاً أنه من غير المرجح أن تدوم أية تسوية تتجاهل حقيقة أن حل الدولتَين قد فشل حتى الآن؛ لأن كلا الجانبَين يمكن أن يوافقا على مفهوم معين، ولكنهما لا يمكن أن يتفقا على أي شكل من أشكال الخطوات العملية. ولا يمكن أن يأتي النجاح الدائم إلا من خلال إيجاد -ثم التنفيذ الفعلي- لخطة موثوقة للتعامل مع جميع القضايا السابقة بمرور الوقت.

 كيوبوست- ترجمات

أنتوني كوردسمان♦

تُعلمنا دروس التاريخ جيداً أن أيّ شكل من أشكال الاتفاق يمكن أن يكون مقدمة لأعمالٍ جديدة من التطرف السياسي والاستقطاب؛ من أجل الاستحواذ على أسلحة ودفاعات جديدة، واتخاذ تدابير أمنية جديدة، وخلق أشكال جديدة من المقاومة والإرهاب.

المستوى المرتفع للضربات الجوية الإسرائيلية أدى إلى ظهور ادعاءات في الغرب بأن إسرائيل تنتهك حقوق الإنسان- (صورة أرشيفية)

لا أحد يستطيع الانحياز نحو التفاؤل أو التشاؤم بناء على معطياتٍ واضحة. وفي الوقت نفسه، هنالك خطر حقيقي في افتراض أن أي وقف لإطلاق النار أو أي مفاوضات سوف تكون حلاً دائماً بالنسبة إلى القوى التي حولت الأمل في “حل الدولتين” إلى خمس مناطق رئيسية من التوتر والقتال الإسرائيلي- الفلسطيني الذي أصبح أشبه ما يكون بخمس “دول” فاشلة. وحتى لو انتهى القتال الجاري بتسوية ما تبدو (نُشر هذا التحليل في 26 مايو الماضي- المحرر) وكأنها خطوة باتجاه السلام، وتتضمن بعضاً من تصريحات النيَّات الحسنة والخطاب المطمئن، فإن النتيجة النهائية الحقيقية يرجح أن تكون “حل اللا حل” للانقسامات بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين، وبالتالي زيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

اقرأ أيضاً: قصة حي الشيخ جراح في القدس.. شرارة الحرب

من حل الدولتَين إلى الانفصال والعنف

يمثل تاريخ العنف وجهود السلام الفاشلة تحذيراً واضحاً. لم يُدِر اليهود الإسرائيليون ظهرهم لحل الدولتين قط. وفي الواقع لا يزال الكثير من اليهود الإسرائيليين يدعمون هذه المقاربة للسلام. ويدعم كثير غيرهم مقاربةً أكثر توازناً نحو حقوق الفلسطينيين وشكل من أشكال الشراكة أو على الأقل التعايش السلمي مع الفلسطينيين الإسرائيليين.

وفي المقابل، يدعم العديد من اليهود الإسرائيليين مفهوم الدولة اليهودية في إسرائيل، والتوسع المستمر للسيطرة الإسرائيلية على القدس، وضم أجزاء إضافية من الضفة الغربية. ويعارض العديد من الفصائل السياسية الإسرائيلية أي شكل حقيقي للدولة الفلسطينية. وقد أظهرت هذه التوجهات انتشاراً ونمواً في السياسة الإسرائيلية، وفي الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة. ومن شبه المؤكد أن جولة العنف الأخيرة هذه قد زادت من داعمي هذه التوجهات بشكل كبير.

حشود مؤيدة ليهودية الدولة في القدس- “لوس أنجلس تايمز”

أدت الانتفاضة الأولى إلى إطلاق جهود سلام جديدة نتج عنها اتفاق أوسلو عام 1993. بدَت هذه الاتفاقية في بداية الأمر وكأنها خطوات محددة واضحة نحو حل الدولتين؛ ولكن لم يتمكن الطرفان من الاتفاق على عاصمة فلسطينية في القدس، وعلى كيفية التعامل مع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وعلى مجموعة كبيرة من المسائل الأخرى الأقل أهمية التي ينقسم حولها السكان اليهود والفلسطينيون.

وقد ساعد فساد وعدم كفاءة “حكومة” السلطة الفلسطينية، وحركة فتح في الضفة الغربية وغزة، على ظهور حزب منافس أكثر راديكالية في غزة، يُعرف باسم “حماس” (الأحرف الأولى من التسمية الرسمية: حركة المقاومة الإسلامية) في عام 1987، وغيرها من الحركات العنيفة الأخرى. بدأت “حماس” بشن سلسلة من الهجمات منخفضة المستوى في التسعينيات، بينما أطلقت “فتح” الانتفاضة الثانية عام 2000 التي استمرت حتى عام 2005. ومرة أخرى لم يقدم ذلك الكثير في سبيل عملية سلام فعالة، وكان من الواضح أن فعالية “حماس” القتالية في ازدياد.

اقرأ أيضاً: كيف ينظر الفلسطينيون والإسرائيليون لحل الدولتين؟

في عام 2006 عقدت منظمة فتح انتخابات فلسطينية، كانت تهدف من ورائها إلى تعزيز موقفها؛ ولكنها انتهت بتقسيم الحركة الفلسطينية إلى كيانَين فلسطينيَّين منفصلَين. فازت “حماس” بالانتخابات في غزة، وتبع هذا الفوز مجموعة معقدة من التحركات الانقلابية التي هزمت “فتح” وطردتها من القطاع.

كانت النتيجة النهائية تقسيم الحركة الفلسطينية إلى “دولتَين”؛ واحدة تحكمها “حماس” في غزة وتتخذ موقفاً عنيفاً؛ مما صعَّب التقدم في عملية السلام، والثانية تحكمها السلطة الفلسطينية الضعيفة للغاية، والتي تهيمن عليها حركة فتح، وتحكم الضفة الغربية.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس وزرائه إسماعيل هنية في أول اجتماع للحكومة بعد انتخابات 2006- (أرشيف)

اندلعت جولة ثالثة أكثر عنفاً بين إسرائيل و”حماس” عام 2008، قُتل فيها نحو 1110 فلسطينيين و13 إسرائيلياً، وجعلت من قطاع غزة ومناطق واسعة من جنوب إسرائيل أشبه بساحة حرب. تَلَت ذلك جولات أقصر من القتال وأحداث العنف في أعوام 2012 و2014 و2018.

توصلت “حماس” إلى اتفاق مصالحة مبدئية مع “فتح” والسلطة الفلسطينية حول السيطرة على غزة في أكتوبر 2017؛ ولكنه كان اتفاقاً تجميلياً أكثر من كونه اتفاقاً حقيقياً، وكان سيقود إلى معارك سياسية كبيرة لو أن الانتخابات البرلمانية الفلسطينية المقررة في 22 مايو 2021 والانتخابات الرئاسية المقررة في 21 يوليو، قد جرَت بالفعل.

اقرأ أيضاً: لا سلام في الشرق الأوسط من دون حل المسألة الفلسطينية

ولكن من الناحية العملية، ألغى الرئيس الفلسطيني (85 عاماً) الانتخابات. وقال إنه فعل ذلك لأن إسرائيل لن تسمح للفلسطينيين بدخول القدس الشرقية؛ ولكن يرى كثيرون أن السبب الحقيقي لإلغاء الانتخابات هو أن التحليلات التي جرت للانتخابات المزمعة أظهرت أن عباس وحلفاءه سوف يخسرون -إما أمام “حماس”، وإما أمام مجموعة من القادة الفلسطينيين الأصغر سناً؛ مثل مروان البرغوتي وناصر القدوة- حيث أعلن ابن شقيق مؤسس حركة فتح الراحل ياسر عرفات، عن قائمة من المرشحين في وجه مرشحي محمود عباس. من ناحيةٍ أخرى، فإن شرعية عباس نفسه هي موضع شك؛ فقد انتخب عام 2005؛ وهو الآن يحكم بموجب مرسوم منذ انتهاء ولايته قبل أكثر من عشر سنوات، مما يعني أن كل الفلسطينيين الذين هم دون السابعة والثلاثين لم تتح لهم الفرصة للانتخاب. صرَّح ناطق باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بعد أن أعلن عباس أنه لم يكن هنالك إعلان إسرائيلي رسمي حول السماح للفلسطينيين بالتصويت في القدس -كما حدث عام 2006- بأن إسرائيل لم تغير شيئاً في سياستها تجاه هذا الأمر.

في غضون ذلك، عززت “حماس” باطراد كتائب عز الدين القسام ومخزونها من الأسلحة، وقامت باستيراد وتجميع ما يقدر بعشرة آلاف صاروخ حتى مطلع عام 2021، وأقامت شبكة متنامية من الأنفاق تحت الحدود بين غزة وإسرائيل.

يقدر مخزون كتائب عز الدين القسام بنحو عشرة آلاف صاروخ- (صورة أرشيفية)

تقع مسؤولية هذا التاريخ الطويل من العنف المتجدد، بما فيه الجولة الأخيرة، على كل من إسرائيل والفلسطينيين. فقد استجابت إسرائيل بالتركيز على الإجراءات الأمنية واستخدام القوة بدلاً من التركيز على عملية السلام وتحسين مستوى حياة الفلسطينيين وأمنهم الاقتصادي. وشددت على إقامة “الدولة اليهودية” على حساب تسويةٍ سلمية، وشجعت على توسيع المستوطنات في مناطق الضفة الغربية وتوسيع المناطق اليهودية في القدس، واستخدمت “الأمر الواقع على الأرض” كبديل للسلام.

كانت الانتفاضات، وهي أشكال أقل من العنف، وانقسام الحركة الفلسطينية بين “حكومة” السلطة الفلسطينية التي تضعف باستمرار في الضفة الغربية، و”حكومة” حماس، بالإضافة إلى المجموعات المسلحة الأخرى في غزة، تشكل مجتمعة سبباً رئيسياً لانهيار أي احتمال للتقدم في حل الدولتين، بالإضافة إلى طريقة تعامل إسرائيل مع غزة واستمرار ضم الأراضي وسياسة الأمر الواقع على الأرض والتوجه نحو جعل إسرائيل دولة يهودية.

اقرأ أيضاً: الأزمات الداخلية في السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنعكس على المواجهات العسكرية

والنتيجة النهائية هي الوصول إلى وضع يوجد فيه ما يعادل ثلاث “دول فاشلة” بالمعنى العملي، أو ربما خمس دول؛ كل واحدة منها هي مصدر رئيسي للانقسام والتوتر الذي من المرجح أنه سيعيق أية تسوية عملية دائمة بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين إلى أجل غير مسمى في المستقبل.

  • “الدولة” الأولى هي إسرائيل، وفشلها في إعطاء الفلسطينيين العدالة والمساعدة التي يمكنها أن تحقق الاستقرار والتسويات في وضع يشبه حل الدولتَين. تراجعت السياسة الإسرائيلية من ديمقراطية فاعلة إلى شيء يقترب من “قرصنة الفوضى”، وركزت بشكل متزايد على الضم الانتهازي، واختارت استخدام القوة بدلاً من عملية السلام.

  • “الدولة” الثانية هي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي أثبتت أيضاً أنها غير مستعدة لتقديم تنازلات، وحاولت استخدام العنف عندما كانت لديها فرصة ضئيلة للنجاح، وفشلت في تقديم القيادة والحوكمة التي يحتاج إليها شعبها. وفي حين أن السلطة الفلسطينية و”فتح” لديها العديد من الأصوات والمسؤولين الأكفاء والنزيهين، فإن الكثير من القياديين فيها هم من الضعفاء والمتقدمين في السن والفاسدين وغير الأكفاء. وبطبيعة الحال غير قادرين على الوصول إلى فئة الشباب دون الثلاثين عاماً التي يعاني عدد كبير من أفرادها البطالة.

  • “الدولة” الثالثة هي “حماس” في غزة، التي تعتمد على مستويات متزايدة من العنف، استتبعت رداً مماثلاً من إسرائيل، وهي دولة تستخدم فيها “حماس” المناطق السكانية المدنية كقواعد لعملياتها، ولبناء شبكة هائلة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض -أو المترو- في داخل غزة وعبر الحدود مع إسرائيل؛ مما جعل المدنيين في منطقة كثيفة السكان هدفاً.

  • “الدولة” الرابعة تتكون من مزيجٍ من المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل، وخارج الضفة الغربية وغزة، والذين على الرغم من انقسامهم بدأوا بالظهور ككتلة أو هوية سياسية فاعلة تعاني التمييز كطبقة منفصلة داخل الدولة اليهودية، وتساورها الشكوك والقلق بشأن وضعها وحقوقها.

  • وأخيراً “الدولة” الخامسة، وهي الدور غير الواضح للدين في القدس وبيت لحم، وغيرهما من الأماكن المقدسة والمساجد والمعابد اليهودية. الدين ليس دولة أو حركة سياسية متماسكة؛ ولكنه يقسم بشكل متزايد اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين على أسسٍ دينية. والعنف والمظاهرات حول الحقوق في المسجد الأقصى (الحرم الشريف) أو مجمع جبل الهيكل، والجهود الهادفة إلى طرد الفلسطينيين من القدس الشرقية وضواحيها، والخلاف حول جعل جزء من القدس عاصمة فلسطينية -خصوصاً في المدينة القديمة- كلها تشكل عوائق أمام أية تسوية دائمة.

الصراع على الأماكن المقدسة يزيد الانقسام بين اليهود والفلسطينيين على أسس دينية- صورة أرشيفية

يبدو أنه من المرجح أن تتفاعل كل “دولة” مع مصادر العنف والتوتر الأخرى في المنطقة؛ حيث تتنوع هذه المصادر بين الفوضى والانهيار في لبنان، والحرب الأهلية وإرهاب الدولة في سوريا، وعدم الاستقرار في الأردن، والتوترات العرقية والطائفية في العراق، وعدم اليقين حول الاستقرار والتنمية في مصر. ويمكن أن يتفاعل كل من هذه المصادر مع الجهود الإيرانية والتركية لتوسيع دورهما الإقليمي، وكذلك مع التنافس الإقليمي على النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. ويبدو أن العوائق الحقيقية أمام أية تسوية سلمية حقيقية ودائمة ستبقى تحت سيطرة إسرائيل والفصائل الفلسطينية؛ هذا هو الشرق الأوسط.

إسرائيل.. الدولة الفاشلة الأولى

يجب أن تصنَّف إسرائيل على أنها العامل الأول بين العوامل الخمسة الرئيسية أو “الدول الفاشلة” التي احتجزت جانبي الصراع في عملية مفتوحة من المواجهات والعنف؛ ببساطة لأنها العامل الأكبر والأقوى في تشكيل آفاق السلام أو استمرار الصراع.

اقرأ أيضاً: مجلة “نيوزويك”: إسرائيل تسير بخطوات متسارعة لضم الضفة الغربية كاملة

وفي الوقت نفسه، يجب على المرء أن يحرص على عدم إلقاء اللوم على إسرائيل بشكل خاص؛ لأنها تفرض وتمارس قوتها في الدفاع عن، ولمصلحة، سكانها اليهود. فالولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى مذنبة بنفس القدر. ومن المؤكد أن الجانب الفلسطيني -كما برهنت “حماس”- سوف يفرض ويمارس قوته بالطريقة نفسها أو أسوأ لو أنه كان يمتلك مثل تلك القوة أو يستطيع استخدامها.

إسرائيل هي القوة العسكرية المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأسرها. وهي دولة تمتلك السلاح النووي، ولديها أكثر الجيوش التقليدية وقوات الأمن والاستخبارات تطوراً، وشبكة أمنية داخلية ضخمة من قوات الأمن والجدران والحواجز وأنظمة المراقبة، ومعدات تخزين المعلومات واسترجاعها؛ من أجل استهداف العمليات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وفي جميع أنحاء المنطقة.

 

تمتلك إسرائيل أحد أقوى الجيوش في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- صورة أرشيفية

استخدمت إسرائيل القوة في كثير من الأحيان على حساب الفلسطينيين -وبطرقٍ أدت إلى وقوع خسائر في صفوف المدنيين وأضرار جانبية كبيرة وخسائر مدنية، كما اتخذت قواتها الأمنية إجراءات ضد المدنيين- ولكنها نادراً ما فعلت ذلك من دون استفزاز من الجانب الآخر. وأي انتقاد لاستخدام القوة من قِبَل إسرائيل يجب أن يترافق مع تقييم واقعي لطبيعة الحرب الحديثة، ومن الصعب إلقاء اللوم على أحد الجانبين في العنف الذي يحدث.

تتهم بعض المنظمات الحقوقية إسرائيل بانتهاك حقوق الإنسان، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتتهمها منظمات أخرى بانتهاك قوانين الحرب أو لاتخاذها إجراءات في خيارها الرئيسي في خوضها حرباً شعبية. صممت قوانين الحرب الحالية للحد من استخدام القوة العسكرية التقليدية ضد المدنيين؛ ولكن الكثير من المعارك الحديثة تشارك فيها القوات الحكومية الرسمية من جانب، وقوات شعبية غير نظامية ليس لها لباس عسكري موحد أو قواعد عسكرية، وتعمل في مناطق مأهولة، على الجانب الآخر.

لا يمكن خوض هذه الحروب غير المتكافئة وفقاً لقواعد أحد جانبيها أو النظر إليها من منظور جانبٍ واحد. حكومة إسرائيل اليهودية هي القوة العسكرية المهيمنة، وتمتلك أكثر البنى الأمنية فعالية في الشرق الأوسط، وعندما لا تستطيع قواتها الأمنية فرض سيطرتها، يمكن للحكومة استخدام هذه القوة العسكرية لاستهداف الجماعات الفلسطينية بنجاحٍ كبير، والتصعيد بطرقٍ تخلق المزيد من الضغط على المدنيين الفلسطينيين لوقف حملتهم على إسرائيل -حتى الآن من دون أن تضطر إلى غزو واحتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية- وقد أظهرت إسرائيل هذه القدرات مرة أخرى في قتالها الحالي مع “حماس” من خلال قدرتها على ضرب أهدافٍ فلسطينية في غزة، وقدرتها على التصدي لهجمات “حماس” الصاروخية الضخمة بنجاحٍ كبير.

اقرأ أيضاً: أكاديمي إسرائيلي لـ”كيوبوست”: هناك تفاهمات بين إسرائيل و”حماس” مهَّدت لاغتيال أبي العطا

من ناحيةٍ أخرى، يمتلك الفلسطينيون قدرات مضادة حولت إلى حد ما قوانين الحرب الحالية إلى سلاح يمكنهم استخدامه في الحرب الشعبية. تعتمد المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وبقية أنحاء إسرائيل الآن بشكلٍ متزايد، على الاحتجاجات الشعبية الكبيرة التي تفتقر إلى السيطرة عليها، وعلى مستوياتٍ منخفضة من العنف، واستغلال الضحايا والمعاناة الفلسطينية. أصبحت حقوق الإنسان وقوانين الحرب سلاحاً، وهي تشجع الاحتجاجات الفلسطينية وردود الفعل الإسرائيلية التي تؤدي إلى العنف.   

يمكن للفلسطينيين في غزة ومقاومتهم لإسرائيل الاستمرار بالاعتماد على بناء مجموعة من القوات العسكرية السرية والبنية التحتية، بالإضافة إلى أعمال العنف المتفرقة. وهذا الأمر يتضمن استخدام تكتيكات مثل الهجمات الصاروخية المكثفة (نحو 3400 صاروخ حتى السادس عشر من مايو)، والهجمات على المدنيين الإسرائيليين أو الأهداف المدنية؛ ولكن نجاح مثل هذه الهجمات يعتمد بشكل كبير على استخدام “حماس” وغيرها من المنظمات الفلسطينية العنيفة، جمهورَها كدروع بشرية؛ لغرض الحد من قدرة إسرائيل على شن هجمات مضادة. 

بلغ عدد الصواريخ التي أطلقتها “حماس” على إسرائيل أكثر من 3400 صاروخ حتى السادس عشر من مايو- وكالات

من السهل اتخاذ مواقف بشأن حقوق الإنسان وقوانين الحرب، وكذلك مهاجمة إسرائيل لاستخدامها القوة التي تؤدي إلى خسائر في صفوف المدنيين. ومن السهل أيضاً تصنيف القوات الفلسطينية كمجموعاتٍ إرهابية؛ ولكن الحرب هي الحرب، ولا يخوضها المحامون والمدافعون عن حقوق الإنسان.

يجب أن يحارب كل من الجانبين بشروطٍ مختلفة وبطرقٍ مختلفة. ربما يكون الانحياز نحو شرعية مقاربة أحد الجانبين مفيداً في بعض الأحيان؛ ولكن الحرب هي الحرب. وعلاوة على ذلك، فإن إنكار هذه الحقائق ربما يزيد من صعوبة إيجاد الحلول في المستقبل. المشكلة المتنامية هي أن خطر امتلاك “حماس” صواريخ باليستية موجهة عالية الدقة وطائرات مسيرة، وامتلاك جميع الفصائل المسلحة المعادية أنظمةً أقصر مدى وأشد فتكاً، يعني أن التصعيد المستقبلي شبه مؤكد عند كلا الجانبَين.

اقرأ أيضاً: تقسيم المسجد الأقصى يلوح في الأفق: هكذا تجري مخططات الاحتلال

كما كانت عليه الحال في أفغانستان والعراق، وفي العالم الحقيقي، فإن كل طرف سوف يقاتل ويدافع عن نفسه بأفضل ما يمكنه. العنف الفلسطيني في إسرائيل والضفة الغربية والقدس هو عنف مدني -وليس شبه عسكري- والاستجابة الإسرائيلية الوحيدة عليه هي استخدام القوات الأمنية في المناطق المأهولة. لا يوجد تدريب أو معدات تكفي لضمان تجنب الإصابات بين المدنيين والاعتقالات الجماعية والإجراءات المضادة العنيفة الأخرى ضد المدنيين المعنيين.

من المؤكد أن إسرائيل يمكنها أن تفعل أفضل من ذلك من خلال الحصول على أنظمة مراقبة واستهداف أكثر دقة وتقديم المزيد من التدريب والقدرات لقواتها الأمنية؛ ولكن يجب على الدوائر الخارجية أن تتذكر مقدار النجاح الذي حققته الولايات المتحدة في محاولتها لتأمين عاصمتها، وحماية حقوق الأمريكيين السود، في عمليات إنفاذ القانون الروتينية. ويجب عليهم أيضاً الانتباه إلى كيفية قيام الحكومات العربية في دول مثل الجزائر وسوريا، بقمع مواطنيها؛ لمواجهة أشكال أخرى من المعارضة السياسية أكثر سلمية وشرعية، وأي من أشكال المعارضة العنيفة.

يمكن لإسرائيل أن تقلل من الإصابات بين المدنيين من خلال حصولها على أنظمة مراقبة واستهداف أكثر دقة

المقاومة الفلسطينية في غزة التي تقوم بها المنظمات العنيفة المناهضة لإسرائيل؛ مثل “حماس”، هي معارضة مسلحة، ولكنها سرية للغاية، وتعتمد على استخدام “حماس” صواريخ غير دقيقة لتنفيذ ضربات مباشرة، واستخدام أنفاق سرية مزودة بفتحات ومنصات إطلاق في المناطق المأهولة لاستهداف إسرائيل؛ للقيام بأعمال تخريب واستهداف للمدنيين.

وهذا يعني أنه على إسرائيل أن تستهدف العمليات التي تنفذ -أو يتم التخطيط والإعداد لها- من مناطق مدنية. هذه العمليات العسكرية في مناطق غزة المأهولة بكثافة تعني أيضاً وجود الأطفال في مناطق الاستهداف. ومن الواضح أيضاً أن “حماس” تزيد الطين بلّة بمحاولة إخفاء عملياتها الرئيسية وحمايتها من خلال تركيزها في مبانٍ سكنية، ومناطق الأنشطة المدنية.

لا تستطيع إسرائيل تنفيذ أية هجمات دون أن تنطوي ضرباتها على إصابة أو قتل مدنيين موجودين في جوار كوادر أو مقاتلي “حماس”، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الإصابات بين المدنيين والأضرار الجانبية يمكنها أن تشكل ضغطاً على “حماس” لوقف ضرباتها. ومع ذلك فإن إسرائيل تحاول التخفيف من تأثير مثل هذه الهجمات على الرغم من وجود الكثير من الإغراءات لتخفيف القيود على الضربات الجوية لزيادة الضغط على “حماس”.

اقرأ أيضاً: 18 عاماً على انتفاضة الأقصى.. الكثير من التغيرات والتحولات

باستثناء الغزو الفعلي واحتلال غزة -الأمر الذي من شأنه أن يزيد بشكل كبير في أعداد الإصابات بين المدنيين الفلسطينيين وفي الأضرار الجانبية- فإن رد إسرائيل على “حماس” يجب أن يتمثل في تدمير مقرات قيادة عملياتها وأنفاقها، ومستودعات صواريخها، ومقرات إطلاقها في المناطق المأهولة. وكما كانت حال الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وغيرهما؛ حيث واجهت القوات الأمريكية قوات معادية وهجمات مماثلة، يجب على كل طرف خوض الحرب الشعبية وفقاً لشروطه الخاصة؛ وهذا يعني في بعض الأحيان قتل مدنيين أبرياء، وإيقاع أضرار جانبية.

ومع ذلك، فلا يعني هذا أن إسرائيل لم تكن قادرة على فعل المزيد من أجل سلام مستقر، ومساعدة الفلسطينيين على تطوير اقتصاد أكثر فعالية وحماية وتعزيز حقوق الإنسان، وعلى تقديم بعض التنازلات للوصول إلى شكل من أشكال الدولة أو شبه الدولة. كانت الفرصة متاحة أمامها، وكثيراً ما كانت كذلك؛ ولكن إسرائيل -وليس الفلسطينيون فقط- “لم يفوتوا أية فرصة لتضييع الفرص”.

القوة الاقتصادية لإسرائيل لا تقل عن قوتها العسكرية، وقد أساءت إلى حد ما استخدام هذه القوة في التعامل مع الفلسطينيين. قدَّرت النسخة الإلكترونية من كتاب “حقائق العالم” لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، في مايو 2021، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإسرائيل كان 363 مليار دولار في عام 2019. وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي 40,195 دولار. وعلى النقيض من ذلك، قدَّرت أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الضفة الغربية -الأقل فقراً من غزة- كان أقل من 30 مليار دولار في العام نفسه، وكان نصيب الفرد منه 6318 دولاراً؛ أي 16% من نصيب الفرد في إسرائيل.

أحد المعابر الحدودية في قطاع غزة التي أسهم إغلاقها في تدهور الوضع الاقتصادي فيها- أرشيف

التركيبة السكانية هي “سلاح” آخر، من الواضح أن اليهود هم المهيمنون على عدد السكان في إسرائيل. ولوضع التركيبة السكانية في منظورها الصحيح، قدَّر كتاب “حقائق العالم”، في القسم المختص بإسرائيل، أن العدد الإجمالي لسكان إسرائيل ومرتفعات الجولان، والقدس الشرقية (التي تم ضمها عام 1967) سيصل إلى 8,787,045 نسمة في منتصف عام 2021. واقتبس من تقرير عام 2018 أن 74.4% من السكان هم من اليهود، و20.9% من العرب، و4.7% من غيرهم. وقدَّر أن توزيع معتقداتهم الدينية هو 74.3 من اليهود، و17.8 من المسلمين، و1.9% من المسيحيين، و1.9% من الدروز، و4.4% غير ذلك.

يستفيد السكان اليهود من نجاحات إسرائيل الاقتصادية، ومن وضعها كأكثر الدول تطوراً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتعتبر إسرائيل نجاحاً اقتصادياً كبيراً، وهي واحدة من أكثر دول العالم من حيث عدد السكان الذين يعيشون في المدن؛ إذ تبلغ نسبتهم 92.7%، إلا أن التقدم الذي حققته إسرائيل قد أدى إلى تحسين مستوى معيشة سكانها من اليهود فقط، من دون أن ينعكس على حياة الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، فضلاً عن أولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية وغزة.

اقرأ أيضاً: مكاسب “حماس” وإسرائيل كمن يهيم من دون رأس.. والسلطة تأكل أظافرها

يعد التمييز في الوظائف والبطالة بين الفلسطينيين في إسرائيل، والضفة الغربية وغزة، مشكلة أكثر خطورة لمعظم الفلسطينيين من الفوز بوضعية دولة مستقلة؛ خصوصاً بالنسبة إلى جيل الشباب الذين يحتاجون بشدة إلى فرص العمل. وفي حين أن العنف الفلسطيني هو أحد أسباب ذلك، فإن إسرائيل لم تفعل شيئاً يُذكر لتحسين مستوى معيشة الفلسطينيين في مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولم تفعل شيئاً لوقف التدهور المستمر في مستويات الدخل والمعيشة في غزة؛ بل إنها تمارس ضغوطاً على الاقتصاد والسفر وتدفق المساعدات والعائدات والاستيراد، بالإضافة إلى أن الفساد وسوء الحوكمة الفلسطينيين كانا من العوامل الرئيسية أيضاً.

إسرائيل لم تفعل شيئاً يُذكر لتحسين مستوى معيشة الفلسطينيين في مناطق السلطة الفلسطينية وغزة- صورة أرشيفية

في الوقت نفسه، أدت السياسات الإسرائيلية والانقسامات السياسية العميقة إلى تبدُّل سريع في موقف اليهود الإسرائيليين بعيداً عن دعم حل الدولتَين نحو صعود مستمر لما يمكن تسميته “القومية اليهودية” في مصادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الجهود لجعل إسرائيل دولة يهودية على حساب الفلسطينيين، وفي سياسات أكثر تشدداً تهدف إلى توسيع حقوق اليهود في مناطق مثل جبل الهيكل، وتنظيم مظاهرات معادية للفلسطينيين علنياً.

تبنت إسرائيل بالفعل سياسة تغيير الحقائق على الأرض لصالح سكانها اليهود في كل من إسرائيل نفسها -خصوصاً في القدس الشرقية، والمناطق الفلسطينية في المدينة القديمة- وفي الضفة الغربية. وتتباين التقديرات في هذا الخصوص؛ لكن دراسة أجرتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام 2017، وجدت أن هنالك 380 موقعاً إسرائيلياً مدنياً في المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية في ذلك العام؛ بما فيها 213 مستوطنة، و132 بؤرة استيطانية صغيرة في الضفة الغربية، و35 موقعاً في القدس الشرقية.

تقدر وكالة الاستخبارات الأمريكية أيضاً أن نحو 418,600 مستوطن إسرائيلي كانوا يعيشون في الضفة الغربية عام 2018، وأن 215,900 كانوا يعيشون في القدس الشرقية عام 2017. وقد ازدادت هذه الأرقام بشكل مطرد منذ ذلك الحين. وتقدر الوكالة عدد سكان الضفة الغربية الإجمالي (اليهود والعرب) بما لا يتجاوز 2.95 مليون نسمة في عام 2021.

اقرأ أيضاً: تسعة دروس لإسرائيل بعد عملية غزة

هنا لعبت الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب، دوراً مختلطاً؛ فمواقف مثل اعترافها بالقدس كعاصمة لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها، والدعم القوي لحكومة نتنياهو، لعبت دوراً في تقوية إسرائيل على حساب الفلسطينيين.

وربما بدت اتفاقيات إبراهيم وكأنها عوضت عن بعض تأثيرات هذه المواقف؛ لكنها أثرت على دول عربية خارج إسرائيل، وليس على الفلسطينيين. ويجب على المرء توخي الحذر حول أهمية التغير في الموقف السياسي المعلن لدولتَين خليجيتَين صغيرتَين -البحرين والإمارات العربية المتحدة- والسودان، وهي جميعها دول لم تكن قط منخرطة في الصراع العربي- الإسرائيلي، والتي كان لها علاقات غير رسمية مع إسرائيل، منذ وقتٍ طويل. كما أن المفاوضات الخاصة بهذه الاتفاقيات أخَّرت فقط ضم الأراضي الفلسطينية، ولم تتوصل إلى اتفاق لإنهاء هذا الضم.

“الدولة” الفاشلة الثانية: السلطة الفلسطينية

ثلاث من “الدول” الأربع الفاشلة الأخرى هي فلسطينية؛ الأولى هي الحكومة الفلسطينية الفاسدة وعديمة الكفاءة في الضفة الغربية. هذه هي السلطة الفلسطينية التي تحكمها “فتح”، ويرأسها الرئيس المحترق محمود عباس، الذي لا يزال يحكم بعد انقضاء ولايته الدستورية؛ بسبب الفشل في عقد انتخابات من المحتمل أن تضعف “فتح” بشكل خطير وتخرجها من السلطة، وتعزز من القوة النسبية لـ”حماس”.

لا تزال السلطة الفلسطينية تمارس الكثير من صلاحيات الدولة الكاملة في نحو 40% من الضفة الغربية، مع أنها فقدت السيطرة على غزة لصالح حركة حماس بين عامي 2006 و2007. وتدعم السلطة الفلسطينية رسمياً حل الدولتَين، مع أنها لم تصل إلى أية تسوية ذات معنى مع إسرائيل حول الأراضي والتشارك في القدس كعاصمة، واستمرت في الغرق في الفساد وعدم الكفاءة.

ومع ذلك تُعتبر القوات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية استثناءً جزئياً، وهي غالباً ما تعمل بشكل جيد مع الجهات الأمنية الإسرائيلية قبل موجة العنف الحالية؛ ما أدى إلى حماية وصول المساعدات إلى الضفة الغربية، وحماية التجارة والوظائف في إسرائيل. ووفقاً لتقرير المؤسسة الدولية للدراسات الاستراتيجية حول التوازن العسكري الصادر عام 2021؛ فهذه القوات مقسمة إلى 3000 عنصر من الحرس الرئاسي، و1200 من القوات الخاصة، و10,000 من قوات الأمن الوطني (9 كتائب) و4000 عنصر أمن وقائي، و1000 عنصر دفاع مدني، بالإضافة إلى قوة “فتح” التابعة لكتائب الأقصى.

تدريبات لعناصر من قوات الأمن الوطني الفلسطيني- أرشيف

كان الغرض من بعض هذه القوات هو مجرد توظيف الشباب، وضمان دعمهم لـ”فتح” والحكومة أكثر من كونهم قوة أمنية فاعلة، ولا تمتلك أي من هذه القوات بنية عسكرية حديثة أو أسلحة ثقيلة أو دعماً لوجستياً؛ إلا أن العناصر الأكثر فاعلية منها تحصل على دعم من الاتحاد الأوروبي والأردن والولايات المتحدة. كما خضعت قوات الأمن الوطني التابعة للسلطة الفلسطينية، والحرس الرئاسي والشرطة المدنية، لتدريباتٍ على الأمن الداخلي، بتمويل من الولايات المتحدة، في مركز تدريب الشرطة الدولي في الأردن. وأظهرت أن السلطة الفلسطينية قد تكون قادرة على فرض درجة معقولة من الأمن لو أنها كانت أكثر استقلالية، وتلقت الدعم الخارجي الملائم.

تحكم السلطة الفلسطينية غالبية الفلسطينيين الذين ليسوا مواطنين إسرائيليين. ومرة أخرى، تتباين التقديرات؛ ولكن المخابرات المركزية الأمريكية، ومكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، يقدران أن إجمالي عدد السكان العرب في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة كان نحو 5.79 مليون نسمة في عام 2017؛ منهم 2.16 مليون في الضفة الغربية و1.84 مليون في إسرائيل و1.79 مليون في قطاع غزة.

المجتمع الفلسطيني فتيّ جداً، وفقاً للمعايير الدولية، ويتزايد بسرعةٍ نسبية. يقدِّر مكتب الإحصاء الأمريكي أن عدد سكان الضفة الغربية قد ارتفع من 690,000 في عام 1970 إلى 1,250,000 في عام 2000، وإلى 252,000 في عام 2010 (يبدو أن هنالك خطأ في النص الأصلي، يفترض أن يكون الرقم الصحيح هو 2,520,000 وليس 252,000- المترجم). ويقدِّر أن عدد سكان غزة ارتفع من نحو 340,000 عام 1970 إلى 1,130,000 عام 2000 وإلى 1,600,000 عام 2010؛ وهذه الزيادة قد أدت إلى انتقال عدد كبير من السكان الزراعيين إلى المدن، حيث بدأوا يعانون التعثر الاقتصادي، وغياب فرص العمل بالمقارنة مع اليهود الإسرائيليين؛ مما خلق عامل توتر إضافياً بين اليهود والعرب لا يمكن إلا أن يزداد سوءاً نتيجة القتال الجاري وتأثير جائحة “كوفيد-19”.

اقرأ أيضاً: حاخامات يدعمون “حماس”

لقد عانى الفلسطينيون في الضفة الغربية سوء وأنانية حكومتهم، والدعمَ الإسرائيلي للمستوطنات وضم الأراضي، والإجراءات الأمنية الإسرائيلية التي تعيق حركتهم وعملهم، وكلَّ دورات العنف منذ غزو إسرائيل للقدس والضفة الغربية عام 1967. وعلى الرغم من ذلك؛ فقد كانت خسائر فلسطينيي الضفة الغربية أقل من نظرائهم في غزة.

أشارت دراسة للبنك الدولي في أبريل 2021 إلى أن معدل البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة وصل إلى 23.4% في نهاية الربع الرابع من عام 2020. وكانت نسبته في غزة وحدها 43%، بينما كان في الضفة الغربية 15% فقط. وكان نحو 22% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يعيشون تحت خط فقر الدخل المتوسط (5.5 دولار أمريكي للفرد في اليوم) في عامي 2016/2017؛ حيث سجل زيادة بنسبة 2.8% عما كان عليه في عام 2011. وفي المقابل، كانت نسبة 46% من سكان غزة تحت خط الفقر في عام 2016/2017، وفقط 9% في الضفة الغربية.

يعيش 46% من سكان غزة تحت خط الفقر- صورة أرشيفية

تتفاعل هذه العوامل المادية مع جميع القضايا التاريخية والدينية والسياسية التي فصلت الفلسطينيين عن إسرائيل. وقسم كبير من هذه المشكلات تتحمل مسؤوليته السلطة الفلسطينية الفاشلة؛ ولكن لا شك في أن إسرائيل لم تفعل الكثير لتحسين هذا الوضع، ومن غير المرجح أن يكون الفلسطينيون، الذين يعيشون تحت هذه الظروف، موضوعيين في الحكم على درجة مسؤولية إسرائيل.

والنتيجة النهائية تبدو قاتمة إلى حد ما، على عكس غزة؛ فقد تعاونت القوات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية مع قوات الأمن الإسرائيلية بشكل عام، ولم تسع قط لتسليح نفسها لخوض نزاع مسلح، وفعلت الكثير لتحقيق الاستقرار. وفي الوقت نفسه، توجد لدى فلسطينيي الضفة الغربية والقدس الشرقية كل الأسباب التي تدفعهم للخوف من الاستيلاء وتوسع المستوطنات الإسرائيلية، وضم الأراضي ومصادرة الأملاك، كما حدث في منازل الشيخ جراح في القدس؛ الأمر الذي ساعد على إشعال فتيل القتال الجاري. ويبقى وضع المسجد الأقصى والحقوق الدينية في القدس مشكلة رئيسية عند الفلسطينيين الذين لم يتدهور وضعهم الاقتصادي بسبب الجائحة فحسب؛ بل ربما سيواجهون مشكلاتٍ إضافية كبيرة بسبب القتال الحالي.

ومن غير المرجح أن يؤدي وقف إطلاق النار أو تسوية النزاع الحالي إلى استقرار دائم من دون حكومة أفضل وقيادة أكثر كفاءة وديناميكية، ومن دون جهود من الحكومة الإسرائيلية؛ للحد من استفزازات المجموعات الإسرائيلية المعادية للفلسطينيين. من الواضح أيضاً أن السياحة والإصلاح الاقتصادي والزراعي، وقضايا المياه والروابط الاقتصادية بالاقتصاد الإسرائيلي، ستبقى ضعيفة ومحدودة، ما لم يتم التوصل إلى شكل من أشكال التسوية السلمية الحقيقية وتحقيق الاستقرار، وعندها فقط يمكن للقادة الإسرائيليين والفلسطينيين العمل معاً لتحقيق ذلك.

وهذا التقدم غير مرجح إذا أردنا أن نصفه بعبارة لطيفة؛ ولكن من دونه فإن أية تسوية لن تتجاوز كونها مجرد وقفة أخرى قبل الانتفاضة التالية.

 اقرأ أيضاً: هل تزيح “حماس” منظمة التحرير؟

“الدولة” الفاشلة الثالثة: غزة و”حماس”

غزة هي مركز القتال الجاري، وهي الآن جزء من السلطة الفلسطينية اسمياً فقط، وتتنافس مباشرة مع “فتح”. وكما أشرنا سابقاً فهي “دولة” لها تاريخ طويل وقاتم من العنف الإسرائيلي- الفلسطيني الذي -كما كل جوانب العنف الفلسطيني الإسرائيلي- يسهل جداً إلقاء اللوم فيها على أحد الجانبين، وتجاهل أفعال الطرف الآخر، وهنا يقدم كتاب “حقائق العالم” للمخابرات المركزية الأمريكية، منظوراً محايداً إلى حد كبير لمقدمة القتال الحالي، ويحذر من أن القتال والتوتر بين الفلسطينيين قد لعبا دوراً رئيسياً، بالإضافة إلى القتال والتوتر بين إسرائيل والفلسطينيين.

في أعقاب الحرب العربية- الإسرائيلية عام 1948، أدارت مصر قطاع غزة المشكل حديثاً؛ ولكن إسرائيل استولت عليه في حرب الأيام الستة عام 1967. وبموجب سلسلةٍ من الاتفاقات تُعرف باتفاقات أوسلو الموقعة بين عامَي 1993 و1999، نقلت إسرائيل المسؤولية الأمنية والمدنية في العديد من المناطق المأهولة في قطاع غزة والضفة الغربية إلى السلطة الفلسطينية. في عام 2000 بدأت انتفاضات عنيفة، وفي عام 2001 توقفت المفاوضات حول الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة. ولم تسفر المحاولات اللاحقة لإحياء هذه المفاوضات عن أي تقدم نحو تحديد الوضع النهائي للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.

اندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000 وفي عام 2001 توقفت مفاوضات الوضع النهائي- أرشيف

وفي أواخر عام 2005 قامت إسرائيل من طرفٍ واحد بسحبِ كل مستوطنيها وجنودها وفككت منشآتها العسكرية في قطاع غزة؛ ولكنها استمرت في السيطرة على المعابر الحدودية البرية والبحرية للقطاع ومجاله الجوي. وفي مطلع عام 2006 فازت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بالأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وفشلت محاولات تشكيل حكومة وحدة وطنية بين “فتح”، الفصيل السياسي الفلسطيني المهيمن في الضفة الغربية، و”حماس”؛ ما أدى إلى اشتباكاتٍ عنيفة بين داعمي الجهتَين واستيلاء “حماس” بالقوة على المؤسسات الحكومية والعسكرية في قطاع غزة في يونيو 2007. ومنذ ذلك الوقت، فرضت إسرائيل ومصر قيوداً مشددة على حركة البضائع والأشخاص من وإلى القطاع. توصلت “حماس” و”فتح” منذ ذلك الحين إلى العديد من التفاهمات التي تهدف إلى استعادة الوحدة السياسية بين قطاع غزة والضفة الغربية؛ ولكنهما لم تتمكنا من تطبيق هذه الاتفاقيات، ومنها اتفاق المصالحة الذي تم توقيعه في أكتوبر 2017.

اقرأ أيضاً: كواليس انتخابات “حماس” تكشف عن ازدواجية المعايير

في يوليو 2014 انخرطت “حماس” ومجموعات أخرى مسلحة في غزة في نزاعٍ استمر 51 يوماً، بلغ ذروته في أواخر أغسطس بهدنة مفتوحة. ومنذ عام 2014 دأبت الفصائل الفلسطينية، وقوات الدفاع الإسرائيلية، على تبادل القذائف والضربات الجوية التي كانت تستمر لبضعة أيام أحياناً، وتسفر عن العديد من الضحايا من الجانبين. قامت مصر وقطر والمنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط بالتوسط في العديد من اتفاقات وقف إطلاق النار؛ لتجنب الانزلاق نحو صراع أوسع. منذ مارس 2018 تنظم “حماس” مظاهراتٍ أسبوعية على طول السياج الأمني لغزة، تحول العديد منها إلى العنف؛ ما أدى إلى مقتل جندي إسرائيلي وإصابة عدد من الجنود بجراح، وأيضاً مقتل أكثر من 200 فلسطيني وجرح الآلاف.

تنظم “حماس” مسيرات أسبوعية على طول السياج الأمني لغزة- أرشيف

لا يتوفر الكثير من البيانات الموثقة حول قوة “حماس” العسكرية في بداية الأزمة الحالية، ولكن يبدو أنها قد تمكنت من بناء مزيج ضخم من القوات السرية لشن هجمات باستخدام أنفاق عبر الحدود مع إسرائيل، وكذلك بناء شبكة ضخمة من الأنفاق لتأمين قدرتها على إطلاق الصواريخ تُعرف بتسمية “المترو”، وتقع أجزاء كبيرة منها في مناطق مدنية مأهولة بالسكان؛ وهي التي سببت الإصابات بين المدنيين والأضرار الجانبية عند وقوع ضربات إسرائيلية.

يقدِّر تقرير التوازن العسكري للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن قوات “حماس” تتكون من 15,000- 20,000 مقاتل في كتائب عز الدين القسام، ولديها قيادة اللواء السادس، ووحدة مغاوير النخبة، و27 كتيبة شبه عسكرية، و100 شركة شبه عسكرية، وبعض وحدات الهندسة والدعم اللوجستي، و600 من عناصر الشرطة البحرية؛ وهذه القوات ليست مجهزة بأسلحة ثقيلة، ولكنها تمكنت من الحصول على وصنع أكثر من 10,000 صاروخ ومجموعة كبيرة من قذائف الهاون وقذائف ماليوتكا “9k11” الروسية، وصواريخ كورنيت الخفيفة الموجهة المضادة للدبابات.

تظهر التقارير الإعلامية بوضوح أن “حماس” ملتزمة بالتحضير لمواجهة عنيفة مع إسرائيل، وتختلف التقديرات حول حجم قوات “حماس” ومخزونها من الصواريخ وغيرها من الأسلحة، وحجم منظومة أنفاقها التي أنشأتها تحت الحدود بين غزة وإسرائيل، واستعداداتها الأخرى وقدراتها الحربية؛ ولكنه من الواضح أن لديها بنية عسكرية منظمة بشكل جيد وشبكة سرية تسيطر على غزة من الناحيتَين السياسية والأمنية. ولم يكن من المتوقع أن تخسر في أي انتخابات في غزة قبل القتال الأخير؛ وهي تشكل تهديداً فعلياً لمنظمة فتح.

اقرأ أيضاً: لماذا تجنَّب بايدن التدخل لوقف إطلاق النار في حرب غزة الأخيرة؟

وفي الوقت نفسه، فإن “حماس” إلى حد ما هي بحد ذاتها جرح فلسطيني نازف؛ فهي لطالما ركزت على الصراع السياسي والأيديولوجية والاستعداد للحرب مع إسرائيل على حساب التنمية. ويبدو أن توجهاتها نحو المساكنة مع “فتح” وإسرائيل كانت توجهات سياسية أكثر منها حقيقية؛ وهذا ما أدى إلى قائمة طويلة من المشكلات في تمويل الحكومة والحصول على المساعدات، وخضوع غزة للعديد من القيود الإسرائيلية والأمريكية والمصرية؛ نتيجة لعنف “حماس” وحشدها للقوة العسكرية.

تم الحديث عن بعض المشكلات المدنية التي خلقتها “حماس”؛ ولكن من الواضح جداً أن غزة قد عانت أكثر بكثير من الضفة الغربية أو المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. إنها تشبه إلى حد كبير مخيماً ضخماً للاجئين شديد الاكتظاظ في مساحة تعادل ضعف مساحة مقاطعة كولومبيا. ويشير بعض التقارير إلى أن ما يقارب نصف سكانها هم من الأطفال، وأن 95% منهم لا يستطيعون الحصول على الماء النظيف، وأن إمدادات الكهرباء محدودة وغير منتظمة، وفيها معدل بطالة مرتفع بشكل استثنائي، ويعتمد نحو نصف سكانها على شكل من أشكال المعونات الدولية.

95% من سكان غزة لا يستطيعون الحصول على الماء الصالح للشرب- أرشيف

المشكلة العملية للمستقبل هي أنه لا يوجد دليل واضح على أن وقفاً جديداً لإطلاق النار سوف يغير من سلوك “حماس” بشكل دائم، بغض النظر عن أي تصريحات تقول غير ذلك، أو أنه سيؤدي إلى نوع من التغيرات الاقتصادية الشاملة والتنمية التي يمكن أن تلبي احتياجات السكان. يبدو أن معظم الفلسطينيين يضعون اللوم حالياً على إسرائيل بشأن الحرب الحالية، ومن الواضح أن “حماس” قاتلت من أجل القضية الفلسطينية، بينما لم تفعل “فتح” والسلطة الفلسطينية.

إن حقيقة أن “حماس” قد أطلقت ما يزيد على ألف صاروخ وقذيفة على إسرائيل بحلول منتصف مايو (كتب هذا التحليل في 26 مايو، ويبدو أن الأرقام النهائية لم تكن قد توفرت بعد للكاتب- المحرر)، تدل على خطورة التهديد الذي تشكله لإسرائيل، وعلى الحافز الذي تخلقه لديها لتقوم برد أكثر شدة قد يتخذ شكلاً من أشكال القصف الاستراتيجي؛ وهي أيضاً تشكل حافزاً لإيران والدول الأخرى المعادية لإسرائيل لتدعم “حماس” بالمزيد من المال والسلاح. كما أن دعم الفلسطينيين و”حماس” نفسها في الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى هو طريقة جيدة لبعض الدول؛ مثل الصين وروسيا، للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل.

اقرأ أيضاً: اليوم الذي يلي وقف إطلاق النار

وسوف ترتفع كلفة أية حرب جديدة مع “حماس” بشكل كبير إذا ما قامت إيران أو سوريا أو غيرهما من الدول بتزويد “حماس” بصواريخ أطول مدى وأكثر سرعة وبأنظمة توجيه دقيقة يمكن استخدامها لتوجيه ضرباتٍ إلى منشآت عسكرية أو مدنية إسرائيلية مهمة، تماماً كما نتج عن تسليح الحوثيين بهذه الأنظمة في اليمن.

وقد استخدمت “حماس” بالفعل منظومات طويلة المدى؛ مثل صاروخ “M-75” (فجر الإيراني) الذي يبلغ مداه 75 كيلومتراً. كما استعملت صواريخ “R-160” التي يبلغ مداها 120 كيلومتراً، وصواريخ “M302″ (خيبر-1) التي يبلغ مداها 200 كيلومتر، وكلاهما من تصميم صيني وصناعة سورية. وهي قد وفرت لـ”حماس” القدرة على تنفيذ ضربات في العمق الإسرائيلي وصلت إلى شمال إسرائيل ونهاريا.

صواريخ “خيبر- 1” التي يبلغ مداها 200 كيلومتر- أرشيف

وإذا تمكنت “حماس” من الحصول على منظومات أكثر دقة وأطول مدى وأكبر حمولة وأعلى سرعة، فإن نظام “أرو” الصاروخي المدفعي سوف يواجه تحديات أكبر بكثير، وربما تضطر إسرائيل إلى توسيع مجال أهدافها في غزة في ضربات جوية انتقامية أوسع نطاقاً أو في غزو مباشر من أجل القضاء على قدرات “حماس” الصاروخية.

وبغض النظر عما تقوله “حماس” في أي مفاوضات لوقف إطلاق النار أو لتحقيق سلام حقيقي، فإنه يبدو من المرجح أنها سوف تستمر في تعزيز خياراتها العسكرية، وفي السعي لزيادة نفوذها وسيطرتها على الفلسطينيين في الضفة الغربية وإسرائيل.

“الدولة” الفاشلة الرابعة: المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل

هنا أيضاً تتباين التقديرات؛ ولكن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي قدَّر عدد السكان الفلسطينيين في إسرائيل بنحو 1,890,000 في عام 2019، وهذا يمثل 20.95% من عدد سكان البلاد. والعدد الدقيق للمواطنين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية غير معروف؛ ولكنهم يمثلون كتلة رئيسية في أية تسوية سلمية محتملة أو في التوترات السياسية الفلسطينية مع إسرائيل.

اقرأ أيضاً: الأزمات الداخلية في السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنعكس على المواجهات العسكرية

ولم يقم هؤلاء المواطنون الفلسطينيون بأية محاولة للحصول على حكم وطني خاص بهم أو لتشكيل هيكل سياسي رئيسي لهم، واحتمال نجاحهم في مثل هذا الأمر أو تحقيق أية فائدة منه، أو أن تتساهل إسرائيل تجاهه، هو احتمال ضئيل جداً؛ ولكنهم حافظوا بشكل عام على الهوية الفلسطينية، وطوروا المزيد من التماسك السياسي والتنسيق بمرور الوقت.

وعلى عكس غزة والضفة الغربية؛ فهم لم يشكلوا أية مقاومة مسلحة أو عنيفة لإسرائيل، على الرغم من وقوع بعض الحوادث الفردية على مر السنين. ومع ذلك، فهنالك درجة كبيرة من الانفصال؛ فالفلسطينيون يعيشون في مجتمعاتهم وأحيائهم الخاصة، التي يمكن في بعض الأحيان تقسيمها مذهبياً إلى مناطق مسيحية وإسلامية، بينما تميل بعض المكونات الأخرى؛ مثل بدو النقب وبدو الجليل والدروز، إلى تبني الهوية الإسرائيلية أكثر من كونهم مواطنين عرب في إسرائيل.

تظاهرة للمواطنين العرب في إسرائيل للمطالبة بحقوقهم- أرشيف

وفي الوقت نفسه، يمثل المواطنون العرب في إسرائيل كتلة منفصلة، وهذا يثير قضايا مستقلة عن أي نوع من السلام الدائم. وقد حصل هؤلاء على العديد من مزايا الجنسية الإسرائيلية الكاملة؛ ولكنهم مستهدفون من أجهزة الأمن الإسرائيلية، ومحرومون من عدد من المزايا مما يسبب التوتر بينهم وبين إسرائيل.

كثيراً ما تبالغ منظمات حقوقية؛ مثل منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” في انتقادها لإسرائيل، ولكنها تثير مجموعة من المسائل المهمة حول جنسية الفلسطينيين؛ منها:

  • المواطنون الفلسطينيون لا يملكون حق العودة.

  • ليس لهم الحق في المطالبة ببيوتهم وأملاكهم التي فقدوها في حرب عام 1948.

  • منح الجنسية وسحبها هو أمر تمييزي.

  • هنالك قواعد خاصة في المجلس التشريعي (الكنيست) تمنع النواب الفلسطينيين من انتقاد إسرائيل، ولا تحد من حق الإسرائيليين في انتقاد الفلسطينيين.

  • “قانون الدولة القومية الإسرائيلي” (المعروف رسمياً باسم القانون الأساسي: إسرائيل- دولة الشعب اليهودي) الذي تم إقراره عام 2018، يعرِّف إسرائيل بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي؛ مما يرسخ دستورياً عدم المساواة والتمييز ضد غير اليهود. ويمنح هذا القانون الحق في تقرير المصير لليهود حصراً، وينص على أن الهجرة التي تؤدي إلى المواطنة التلقائية هي لليهود فقط، ويشجع على بناء المستوطنات اليهودية، ويخفض من وضعية اللغة العربية كلغة رسمية.

اقرأ أيضاً: “حماس” تقر بدعم طهران العسكري.. والحرس الثوري يسعى لاستنزاف أمريكا وإسرائيل

  • هنالك سلسلة من التعديلات الدستورية والقوانين والممارسات في الكنيست التي تسهل التمييز ضد النواب الفلسطينيين؛ مثل التعديل الدستوري لعام 2016 الذي يسمح لأعضاء الكنيست بطرد أعضاء منتخبين بأغلبية الأصوات؛ مما يعني أن النواب الذين يعبرون عن وجهات نظر سياسية سلمية أو آراء غير مقبولة من قِبل الأغلبية يمكن أن يواجهوا الطرد من البرلمان. وقد وصف أحد النواب الفلسطينيين هذا التعديل بأنه “سيف مسلط على رقابنا بيد أعضاء الكنيست الذين يعارضوننا سياسياً”، في إشارة إلى أن المقصود من هذا التعديل هو إرهاب النواب الفلسطينيين وإسكاتهم.

  • أدت عقود من مصادرة الأراضي وسياسات التخطيط التمييزية إلى حصر الفلسطينيين في بلدات وقرى شديدة الاكتظاظ، وغير قابلة للتوسع. بينما ترعى الحكومة الإسرائيلية نمو وتوسع المجتمعات اليهودية المجاورة التي بُني العديد منها على أنقاض القرى الفلسطينية التي دُمرت عام 1948. كما يوجد في العديد من البلدات اليهودية لجان قبول تمنع الفلسطينيين فعلياً من العيش فيها.

  • تسيطر الدولة الإسرائيلية بشكل مباشر على 93% من الأراضي في البلاد؛ بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة. وتدير وكالة حكومية تُعرف باسم “سلطة أراضي إسرائيل”، وتشرف على تخصيصها. وينتمي نحو نصف أعضاء مجلس إدارة هذه الوكالة إلى الصندوق القومي اليهودي الموكل بتطوير وتأجير الأراضي لليهود حصراً. ويمتلك هذ الصندوق 13% من أراضي إسرائيل التي خصصتها الدولة لغرض توطين اليهود.

  • يشكل المواطنون الفلسطينيون 21% من سكان الدولة؛ ولكن منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية قدرت في عام 2017 أن أقل من 3% من الأراضي في إسرائيل تخضع لسلطة بلديات فلسطينية. ويعيش معظم الفلسطينيين في هذه المجتمعات، ويعيش بعضهم في مدن مختلطة؛ مثل حيفا وعكا.

  • قال المركز العربي للتخطيط البديل، ومقره إسرائيل، لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، إنه يقدر أن من 15 إلى 20 في المئة من المنازل في البلدات والقرى الفلسطينية تفتقر إلى التراخيص؛ بعضها لأن طلبات مالكيها قد رُفِضت، وبعضها لأن مالكيها لم يتقدموا بطلبات لعلمهم المسبق بأن السلطات سوف ترفض طلباتهم على أساس أنها تتعارض مع تقسيم المناطق الحالي. ويقدِّر المركز أن ما يتراوح بين 60,000 و70,000 منزل في إسرائيل، باستثناء القدس، معرضة إلى خطر الهدم الكامل. ويزيد تعديل عام 2017 لقانون التخطيط والبناء الذي يرجع إلى عام 1965، والذي يُعرف باسم “قانون كامينيتز”، من صلاحيات إنفاذ وتطبيق العقوبات على مخالفات البناء. وقد وصلت نسبة أوامر الهدم التي صدرت بحق منازل فلسطينية 97% من مجموع أوامر الهدم القضائية التي بلغ عددها 1,348 منذ يوليو 2015.

اقرأ أيضاً: الأحداث في غزة.. استثمار إخوان الأردن لتحقيق مكاسب شعبية

  • يسمح القانون الإسرائيلي للبلدات في منطقتَي النقب والجليل (التي تشكل ثلثي مساحة الأرض في إسرائيل)، التي يصل عدد سكانها إلى 400 أسرة، بتأسيس لجان قبول يمكنها أن ترفض طلبات المتقدمين للعيش فيها؛ بحجة كونهم “غير مناسبين للحياة الاجتماعية فيها” أو لعدم توافقهم مع “النسيج الثقافي الاجتماعي”؛ وهذه الصلاحية تسمح فعلياً باستبعاد الفلسطينيين من البلدات اليهودية.

  • وضع قانون التخطيط والبناء لعام 1965 تسلسلاً هرمياً لهيئات التخطيط التي تضع وتنفذ المخططات التنظيمية على مستوى الدولة، وعلى المستوى المحلي. على المستوى الأعلى يقوم المجلس الوطني للتخطيط والبناء بإعداد خطط هيكلية وطنية تعبر عن الرؤية الوطنية لكل شيء من استخدام الأراضي إلى التنمية، ويقدمها إلى الحكومة للموافقة عليها. وتقوم اللجان المحلية بوضع مخططاتها بناء على الخطة الوطنية الكبرى.

  • في حين أن عملية التخطيط مصممة لتوفير فرصة المشاركة على المستوى المحلي والإقليمي، فإنها في الواقع تهمش المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل الذين يشكل تمثيلهم في أجهزة التخطيط نسبة تقل كثيراً عن نسبة عددهم إلى عدد السكان، والذين نادراً ما يتم إعطاء الاهتمام لاحتياجاتهم. وخارج هذه اللجان الحكومية، فإن الخيار الوحيد أمام الأفراد هو تقديم الاعتراضات على خططٍ معينة.

أصدرت إسرائيل تفنيدات مطولة للعديد من هذه الاتهامات التي تعكس آراء الكثير من الفلسطينيين. وتعكس السياسات الفلسطينية في داخل إسرائيل جهوداً متزايدة للحصول على نفوذٍ سياسي. وقد سبق التصعيد الأخير توترات سياسية متزايدة حول القدس وحول يهودية الدولة الإسرائيلية والوظائف والوضع الاقتصادي، بالإضافة إلى مظاهرات شعبية ضد إسرائيل.

أدت التوترات المتصاعدة إلى اشتباكات عنيفة بين اليهود والفلسطينيين في مدينة اللد- أرشيف

وقد خلق الصراع الداخلي بين اليهود والفلسطينيين -إلى جانب إطلاق “حماس” صواريخ بعيدة المدى على عمق إسرائيل- مستويات جديدة من التوتر في عدد من المدن الإسرائيلية؛ كمدينة اللد وضواحي تل أبيب والمدن الساحلية في الشمال -حيث تمكن الإسرائيليون والفلسطينيون من تحقيق تقدم كبير في العيش والعمل جنباً إلى جنب- حيث نشرت إسرائيل أعداداً كبيرة من قواتها الأمنية فيها للمرة الأولى منذ سنوات، ومن الواضح أن أي تقدم حصل في الماضي كان هشاً للغاية.

إن أي تقدم نحو حل دائم يجب أن يتعامل مع الأوضاع في هذه “الدولة” إلى جانب الضفة الغربية وغزة.

“الدولة” الفاشلة الخامسة: القدس والدين

كما هي الحال بالنسبة إلى المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل؛ فإن الانقسامات الدينية التي تفصل بين اليهود والفلسطينيين هي أقل شبهاً “بالدولة” من القضايا التي تؤثر في إسرائيل والضفة الغربية وغزة. وفي الوقت نفسه، كان الخلاف الديني حول أي حقوق فلسطينية في إقامة عاصمة لهم في القدس، وحول تقسيم المناطق القريبة من المدينة القديمة، وحول المناطق الدينية الحساسة، يشكل عقبة رئيسية في وجه أية تسوية سلمية، كما كان سبباً رئيسياً للعنف الذي اندلع مؤخراً.

لا يمكن لأي ممن درسوا التاريخ الحديث للانقسامات الدينية حول السيطرة على القدس والمناطق المقدسة في المنطقة، أو ممن شاهدوا هذا النوع من المظاهرات والعنف الذي يمكن أن يندلع فجأة في القدس، أن يتجاهل التاريخ المأساوي للغضب الديني والعنف والمنافسة على السيطرة على المواقع الدينية في إسرائيل؛ حتى إن منطقة صغيرة، مثل المسجد الأقصى أو جبل الهيكل، كانت سبباً للانقسام والعنف تماماً مثل الأسباب الأخرى الموجودة في الضفة الغربية وغزة.

اقرأ أيضاً: إعادة الإعمار في غزة.. المهمة المستحيلة في ظل سيطرة “حماس”

هنالك بعض العناصر الرئيسية للتوصل إلى تسوية؛ فاليهود لديهم جانب المعبد أو ما يعرف بـ”حائط المبكى” والحفريات تحت وبالقرب من موقع الهيكل، والمسلمون يسيطرون على المسجد الأقصى على الرغم من أنه يمكن للمسيحيين واليهود الدخول ما داموا لا يصلُّون علناً.

هنالك عدد قليل من المواقع اليهودية في الأراضي التي يسيطر عليها المسلمون في الضفة الغربية، والتي تثير الجدل هناك، على الرغم من أن هذا الجدل يشمل المستوطنات القريبة من هذه المواقع. كما تسبب تحركات المسيحيين في مناطق مثل بيت لحم -والاختلافات بين الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية- بعض المشكلات؛ ولكنها لن تؤثر على تسوية إسرائيلية- فلسطينية.

ومع ذلك يبدو من المشكوك فيه أن يتم تحقيق أي تقدم حقيقي في حل هذه النزاعات الدينية، وكل اندلاع جديد للعنف الإسرائيلي- الفلسطيني يجعل التوصل إلى أية تسوية دائمة؛ خصوصاً حول المسجد الأقصى/ جبل الهيكل، أمراً في غاية الصعوبة. والعنف الحالي يرتبط بشكل مباشر بتصاعد الانقسامات الفلسطينية- اليهودية حول السيطرة على قمة الجبل، وأدى إلى تصاعد التطرف الديني بين اليهود الإسرائيليين والمسلمين الفلسطينيين على الأقل.

النزاعات حول الأماكن المقدسة ستجعل التوصل إلى تسوية دائمة أمراً في غاية الصعوبة- صورة أرشيفية

حل “اللا حل”

من الواضح جداً أنه حتى الجهود التي تبدو ناجحة لإنهاء القتال الجاري (نُشر التحليل في 26 مايو الماضي- المحرر)، ليست إلا وقفة في انتظار المزيد من العنف. ومن الواضح أيضاً أنه من غير المرجح أن تدوم أية تسوية تتجاهل حقيقة أن حل الدولتين قد فشل حتى الآن؛ لأن كلا الجانبين يمكن أن يوافقا على مفهوم معين، ولكنهما لا يمكن أن يتفقا على أي شكل من أشكال الخطوات العملية. ولا يمكن أن يأتي النجاح الدائم إلا من خلال إيجاد -ثم التنفيذ الفعلي- لخطة موثوقة للتعامل مع جميع القضايا السابقة بمرور الوقت. و”الواقع على الأرض” والوقت لوحدهما لن يقدما الحل.

اقرأ أيضاً: “الفلسطينية”- إدوارد سعيد (1-3)

يجب على القادة الإسرائيليين والفلسطينيين، على حد سواء، أن يدركوا هذه الحقيقة؛ كي يتمكنوا من المضي قدماً، فضلاً عن شرعية مواقف الطرف الآخر، ومن غير الواضح مَن هم هؤلاء القادة على أي من الجانبين. وعلى الرغم من فظاظة القول؛ فإن القوى التي شكلت “الدول” الخمس الفاشلة قد تعيق التقدم الحقيقي بغض النظر عن الخطاب والتصريحات عن النيَّات الحسنة التي يضخها الجانبان والمجتمع الدولي في هذه العملية.

وكما حذرنا في مقدمة هذا التحليل، سيكون من السهل جداً على الدول الخارجية أن تتخذ مواقف بينما يستعر القتال، وتتناساها عندما يتوقف. علاوة على ذلك، هنالك خطر حقيقي في الواقع يتمثل في أن عدم الاستقرار في سوريا وإيران وتركيا -أو عدم الاستقرار في لبنان والأردن ومصر- سوف يزيد من المشكلات الإسرائيلية- الفلسطينية. ويبدو أن البعض سينتهز الفرصة لتسليح “حماس”.

لا ينبغي لأحد أن يتخلى عن الأمل؛ ولكن التاريخ يحذر من أن حل “اللا حل” يبدو أنه النتيجة الأكثر احتمالاً في العالم الحقيقي للمأساة العنيفة الحالية.

♦رئيس مركز آرلي بيرك للاستراتيجيات في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجة.

المصدر: مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة