الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمقالات

إرث الحرب العربية الباردة

مروان البلوشي♦

غلاف الكتاب

في نهاية ستينيات القرن الماضي، نشر عالِم العلاقات الدولية البريطاني مالكولم كير، كتابه الشهير بعنوان “الحرب العربية الباردة.. عبدالناصر وخصومه”.

فكرة الكتاب بسيطة؛ العلاقات بين الدول العربية في الغالب متوترة توتراً ساخناً قد يؤدي إلى مصادمات على الحدود، حروب حدودية محدودة أو حتى احتلال. وفي باقي الأحيان تتصف العلاقات بالبرود بين معسكرات متخاصمة، في العادة “تقدميون” و”رجعيون”، وكل اللاعبين في هذا المعسكر أو ذاك يستعمل ما لديه من أدوات لضرب الدول الكبرى في المعسكر الآخر.

المواجهة بين عبدالناصر وخصومه، انتهت بهزيمته. رغم كل شعبيته والكاريزما التي تُخرج الجماهير إلى الميادين والشوارع؛ فإن “زعيم القومية العربية” لم يستطع تخطي الموازين الصعبة للقوى الإقليمية والعالمية التي وقفت ضده. توفي عبدالناصر وانتقلت زعامة الدور إلى آخرين تنافسوا عليها؛ مثل صدام حسين ومعمر القذافي.

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر

“أمين القومية العربية”، هكذا سمَّى جمال عبدالناصر، معمر القذافي، الذي أراد أيضاً أن يلعب على تناقضات السياسة العربية، وقد فعل لسنواتٍ طويلة، واستمتع بالسمعة الثورية التي جناها، بينما تضررت مصالح ليبيا وتشوَّهت سمعتها في المجتمع الدولي.

 اقرأ أيضاً: قبل عبد الناصر بسنوات طويلة: كيف ومتى نشأت القومية العربية؟

الغريب الظريف في أواخر عقود القذافي، أن يلجأ مواطنو دولة خليجية ذات نظام ملكي، إلى خيمة ثائر ليبيا؛ للحديث معه حول تدبير المصائب والقلاقل ليس في أرجاء “أمتنا الإسلامية”؛ بل في قلب الخليج والجزيرة العربية، أعني المملكة العربية السعودية. حاكم المطيري والدويلة من أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين، وهو ما قد يقلل الغرابة والظرافة، ولكنه لا يقلل من حجم الكارثة.. رغبتهم في ضرب العمق الاستراتيجي للكويت، وأساس الأمن الإقليمي الخليجي، توضح لنا أن قادة هذا التنظيم السياسي يفتقدون حتى الحصافة السياسية التي تجعلهم في بعض اللحظات -على الأقل- يغلِّبون مصلحة الوطن الوجودية على مخيلاتهم وولاءاتهم الأممية.

معمر القذافي

وأن يأتي هذا من مواطني دولة اعتمدت سابقاً على السعودية، ومنظومة المجتمع الدولي في الاستمرار على الخارطة، فهو أمر يؤكد انقياد قادة وأعضاء تنظيم الإخوان وراء العمى الأيديولوجي الذي قد يشوش على الرؤية لديهم حتى لتحقيق مصالحهم. فحتى زعامات الأحزاب اليسارية في أوروبا الغربية في الستينيات كانوا يدركون أن الاتحاد السوفييتي يشكل خطراً حقيقياً على استمرار دولهم وأسلوب حياتها الرأسمالي المزدهر، لذا اشتهر بعض زعماء حزب العمال البريطاني بمواقفهم الصقورية ضد التمدد السوفييتي في عز الحرب الباردة.

لكن يبدو أن هذا النضج السياسي والحصافة الجيوبوليتيكية غير منتشرة في عالمنا العربي الذي ابتُلي بأنظمة تقدمية وأحزاب ثائرة ضد كل شيء تريد أن تلعب السياسة لتكسب، ولو كان هذا على حساب الوطن.
التأثيرات؟ الغالب أن التأثير الأساس هو الوعي المتزايد لدى الناس بما ذكرناه سابقاً؛ وهو ما ليس من المستحيل فهمه في منطقة تعودت شعوبها على أخبار المؤامرات السياسية، لكن الجيد أن الضغط المتواصل على تنظيم الإخوان في منطقة الخليج العربي لا يزال متواصلاً. التنظيم في حالٍ يُرثى لها؛ لكن حصاره وفضح قادته الخليجيين حاجة مستمرة.. هذا كله يصبُّ في جهود تأمين هذا الإقليم المهم، البقعة الآمنة المزدهرة الوحيدة في العالم العربي.

♦باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة