الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

إدريس ديبي.. سيرة حافلة بالمغامرة ونهاية دموية غامضة!

كيوبوست – عبدالجليل سليمان

لم تمضِ أيام قليلة على إعلان إعادة انتخابه لولاية سادسة بحصوله على 79.32% من الأصوات في الاقتراع الرئاسي الذي جرى في 11 أبريل الجاري، حتى أعلن الجيش التشادي، أمس الثلاثاء، في بيان بُث عبر التليفزيون والإذاعة الحكوميتَين، مقتل المارشال إدريس ديبي، بعد أن حكم البلاد نحو 30 عاماً، بالرصاص خلال مشاركته في معارك بجبهات القتال ضد متمردين في شمال البلاد، كما أعلن الجيش حل البرلمان وإقالة الحكومة التشادية، وإنشاء مجلس عسكري بقيادة محمد ديبي، نجل الرئيس المقتول، وهو جنرال يقود كتيبة الحرس الجمهوري المسلحة.
عاش ديبي، المولود في بلدة (فادا) بمنطقة إنيدي شمال شرق تشاد عام 1952، لأسرة من قبيلة الزغاوة الممتدة إلى السودان، منذ أن شب عن طوق أبيه الذي يمارس مهنة الرعي، حياة حافلة بالمغامرات؛ فقد انضم الصبي اليافع إلى الجيش التشادي أوائل السبعينيات، عندما كانت البلاد ترزح في حرب أهلية شديدة البؤس امتدت عقوداً طويلة.
أظهر الصبي المجنَّد قدرات عسكرية وبسالة وذكاء؛ ما أتاح له فرصة ثمينة للابتعاث إلى فرنسا للتدرب على الطيران العسكري، فهبط باريس عام 1976، ويبدو أن أحلامه بدأت تتبلور هناك؛ حيث يقول مقربون منه في ذلك الوقت إنه كان دائماً ما يبدي نوعاً من التميُّز تجاه الآخرين، كان يشعر أنه الأكثر ذكاء وجدارة.

اقرأ أيضاً:  ما هي قصة “المعارضة التشادية” التي يلاحقها الجيش الليبي في الجنوب؟

عودة المغامر

 حصل الضابط الصغير “ديبي” على رخصة طيار من فرنسا عام 1978م، فعاد أدراجه إلى إنجامينا، على غير عادة النخبة التشادية وقتها، حيث كانت قلة ممن يتم ابتعاثهم إلى أوروبا يفعلون ذلك، بينما كان معظمهم يفضلون البقاء في أوروبا على المغامرة بالعودة إلى وطن تمزقه الحروب. وبعد ثلاث سنوات، عاد مجدداً إلى فرنسا لتلقي المزيد من التدريبات العسكرية المتقدمة؛ حيث شارك في برنامج تدريب كبار الضباط في المدرسة العليا في “Guerre”.

حسين حبري

دعم إدريس ديبي قائده حسين حبري، وقاتل بجانبه بضراوة إلى أن أوصله إلى السلطة عام 1982. لم ينسَ حبري هذا الفضل، فعينه رئيساً لهيئة أركان الجيش، ولاحقاً أصبح القائد العام للقوات المسلحة، قبل أن تبدأ علاقتهما في الانحدار وتصل إلى أسوأ مراحلها، عندما اتهمه حبري بالتآمر للإطاحة به في أبريل 1989، وأعلن الحرب ضده، فأصبح بين طرفة عين وانتباهتها متهماً تحت العنوان الشهير “مطلوب حياً أو ميتاً”، وبدأت المطاردة؛ لكن المغامر تمكَّن من الإفلات والهروب إلى السودان، فأعاد من هناك وبدعم من حكومة الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، ومساندة أبناء قبيلته السودانيين الذين ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين في السودان “الجبهة الإسلامية القومية”، ترتيبَ صفوفه وتنظيمها، وشن هجمات كبيرة على جيش حسين حبري؛ الذي صار طريدة بعد أن ظن نفسه صياداً بارعاً.
انطلاقاً من إقليم دارفور؛ وبمساعدة حكومية وقبلية سودانية، استطاع المارشال المغامر دخول أنجامينا أواخر 1990، بينما هرب حسين حبري وحُكم عليه بعد سنوات من الإطاحة به بالسجن مدى الحياة في محاكمة شهيرة في السنغال عام 2016، وكانت المرة الأولى التي يُحاكم فيها رئيس إفريقي سابق بارتكاب تجاوزات على حقوق الإنسان بواسطة محكمة يدعمها الاتحاد الإفريقي.

اقرأ أيضاً:  بعد تطبيع العلاقات مع تشاد: إسرائيل تحقق مكاسب عسكرية واقتصادية وسياسية

عرقوب الإفريقي

وعد ديبي التشاديين بديمقراطية تعددية، وبإنهاء الفوضى والصراع وسَمّ الحياة السياسية في تشاد لسنوات طويلة؛ فعقد عام 1993 ما سماه بالمؤتمر الوطني الذي أسفر عن حكومة انتقالية (صورية)، تولى رئاستها مؤقتاً، وعندما حل عام 1996 وجد الرجل نفسه في حرج بالغ؛ فلا يمكن أن يكون رئيساً مؤقتاً لأكثر من ثلاث سنوات، ففكر وقدَّر وأعلن تعديلاً دستورياً يقضي بإجراء انتخابات رئاسية في نفس العام؛ وقد فاز بها بطبيعة الحال، غير آبه ولا عابئ باتهامات المعارضة له بالتزوير، وهذا استمر إلى 2001؛ حيث حان الاستحقاق الانتخابي مجدداً، ليعاد انتخابه عبر مخالفات واسعة النطاق وعمليات تزوير غير مسبوقة، وعلى رؤوس الأشهاد.

الرئيس السوداني المخلوع البشير.. وزعيم الجنجويد موسى هلال.. يتوسطهما وكيل إدريس ديبي.. يرفعون الفاتحة في مراسم زواج أماني هلال من الرئيس التشادي

أحد عشر عاماً كانت كافية ليبسط إدريس ديبي سيطرته التامة على السلطة، وذراعَيه بوصيد الحكم؛ فقرر أن يصبح ديكتاتوراً مُطلقاً، فقرر في 2005 إلغاء تقييد الولاية الرئاسية بسنوات، وأصبحت إلى ما لا نهاية؛ ما مهد الطريق لإعادة لدروة ثالثة في 2006.
هنا شعر إدريس ديبي بتضخم الذات وأنه “كبير الدولة” كما يُسمي نفسه، ولتكريس سلطته بشكل أعمق جعلها متعدية من ذاته إلى الفرع القبلي الصغير من “البديات” الذي ينتمي إليه، فأضاف “إتنو” بما يرمز إلى عرقية الزغاوة البديات. وبذات الطريقة أُعيد انتخابه في 2011، مرة أخرى، في اقتراع قاطعته المعارضة.

اقرأ أيضاً:  الأزمة في الساحل: تحديات جديدة للأمن الأوروبي

كان الرجل مغامراً من طراز رفيع، وعاقد صفقات سياسية أرفع؛ فقد صاهر القبائل العربية القوية في بلاده، خصوصاً التي لها امتدادات في السودان والنيجر وإفريقيا الوسطى؛ فارتبط بهندة إبراهيم عقيل، من قبيلة الرزيقات، ونصَّبها سيدة أولى، ولاحقاً تزوج بأماني موسى هلال، ابنة زعيم الجنجويد في السودان وشيخ قبيلة المحاميد ذات التداخلات في تشاد والنيجر، في صفقة سياسية وقبلية واضحة؛ لكن سرعان ما تخلى عنها، مفضلاً العيش مع هندة عقيل.

هندة عقيل

صمود “كبير الدولة”

واجه ديبي، طوال سنوات رئاسته البالغة ثلاثين عاماً، العديد من المحاولات الانقلابية، وتعرضت إدارته إلى خلخلة كبيرة، تمكن من القضاء عليها بقوة ووحشية عبر أجهزة الأمن التابعة له التي تميزت بقمعها الوحشي للحريات والحقوق الأساسية؛ حيث دأبت وبشكل روتيني على ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فضلاً عن الفساد المستشري، حيث يُتهم ديبي وحكومته بإساءة استخدام عائدات النفط، وإنفاق جلها على توطيد سلطانه بدلاً من التنمية وتطوير البنية التحتية وبرامج الخدمات التعليمية والصحية التي يعاني شُحَّها معظم سكان البلاد.
حدثت أقوى محاولات إطاحة المارشال في عام 2008؛ حيث بسطت قوات المعارضة المدعومة من حكومة الإخوان المسلمين، في السودان من جهة، ومعمر القذافي في ليبيا من جهة أخرى، سيطرتها على معظم أحياء العاصمة أنجامينا، وأحاطت بـ”القصر الوردي” مقر إقامة ديبي، الذي بدت أيامه وساعاته معدودة؛ ولكن فجأة، بما يشبه سحر الساحر، تغيَّرت الأمور لصالحه؛ حيث تدخلت قوات الكوماندوز الفرنسية المرابطة في العاصمة لصالحه وأعادته مجدداً إلى سدة الحكم.

اقرأ أيضاً:  تحت غطاء العمل الخيري.. قطر تدعم الإرهاب لزعزعة استقرار الساحل الإفريقي

دعم دولي

بعد فوزه بالانتخابات (الصورية) عام 2011 عمد “إدريس ديبي إتنو” إلى تعزيز مكانته الدولية من خلال قيادته جهود مكافحة انتشار الإرهاب ضد الجماعات الإسلامية المتشددة في المنطقة؛ خصوصاً (بوكو حرام)، كما غازل الإدارة الأمريكية وزار تل أبيب؛ لكن في الداخل ظل نظامه قمعياً إلى حد كبير. ومع ذلك كان هناك قدر غير مسبوق من الاحتجاجات في الأشهر التي سبقت الانتخابات الرئاسية التي نظمت في 10 أبريل 2016، والتي واجه فيها ديبي 13 منافساً.

مفرزة كوماندوز فرنسية في تشاد

مرة أخرى، تم توسيع صلاحيات ديبي الرئاسية عندما أصدر دستوراً جديداً مفصلاً على مقاسه في مايو 2018، فألغى منصب رئيس الوزراء؛ ما أتاح له التحكم والسيطرة والاستحواذ على السلطة بكاملها، من بين التغييرات التي أجريت بموجب الدستور الجديد، كما كان التغيير في فترات الرئاسة؛ حيث تم استبدال شرط الولاية فأصبح لدى ديبي خيار الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وكان من المحتمل أن يظل في منصبه حتى عام 2033.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة