الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

إخوان اليمن في واشنطن.. هل يخفون الشمس بغربال؟

إن التفكك الاجتماعي الذي يحاول المؤتمر تسويقه كنتيجة للتدخل "الأجنبي" هو في الواقع اختلاف جوهري ذو جذور تاريخية

كيوبوست

نظمت جامعة جورج واشنطن ومؤسسة “توكل كرمان” ومنظمة “الديمقراطية الآن في العالم العربي” مؤتمراً حول اليمن في العاصمة الأمريكية واشنطن. حمل المؤتمر عنوان “نحو سلام وديمقراطية مستدامين في اليمن”، وأكد بيانه الختامي التمسك بوحدة اليمن والنظام الجمهوري، وعدم التفريط في سيادته ووحدة أراضيه.

وفي حين أن مخرجات المؤتمر تبدو جذابة، إلا أنها لم تقدم أي حلول عملية لكيفية تحقيق تلك الأهداف. وبدلاً من ذلك، صبّ المؤتمرون جام غضبهم على انخراط التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، في الأزمة اليمنية، متهمين إياه بالسعي لتفكيك اليمن والسيطرة على خيراته.

إن أي حل عادل وذي نفع طويل الأجل للأزمة اليمنية يتطلب فهماً واعياً وموضوعياً للصراع؛ ينطلق من فهم عميق لحروب التمرد، وأُسس العلاقات الدولية، وتحقيق المصلحة الوطنية. ليس غريباً ألا يتعامل المشاركون في مؤتمر واشنطن مع مثل هذه المحاور بشكل واقعي؛ نظراً لموالاة أغلبهم لحزب الإصلاح، وهو حزب معارض، ويفكر بطريقة الحزب المعارض، هذا إن تجاهلنا -لوهلة- علاقاته بالإخوان المسلمين والجماعات الإرهابية.

اقرأ أيضاً: اليمن.. علاقات وولاءات مسلحة تزداد توتراً

خبراء أم معارضون؟

حضر مؤتمر واشنطن عدد من المسؤولين اليمنيين والمعارضين السياسيين؛ من بينهم توكل كرمان، الواجهة النسائية العالمية لحزب الإصلاح، ووزير النقل السابق صالح الجبواني، الموالي للحزب. كما شارك خبراء ومسؤولون أجانب؛ منهم سارة ويتسن، المديرة التنفيذية لمنظمة “الديمقراطية الآن في العالم العربي”، وهي منظمة أسسها جمال خاشقجي، ظاهرها تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وباطنها معارضة النظام السعودي. 

ناقش المشاركون ثلاث قضايا أساسية؛ هي الوضع الحالي للحرب، وتحقيق السلام الدائم، والعدالة الانتقالية وإعادة بناء اليمن. كان أبرز ثلاثة مخرجات –حسب قناة “بلقيس”- هو السيادة والوحدة ورحيل القوات الأجنبية من البلاد. 

كلمة توكل كرمان خلال المؤتمر- منظمة توكل كرمان

تناقضات وفهم مغلوط

حملت تصريحات المشاركين الكثير من التناقضات والدلالات على الفهم المغلوط لمجريات الأمور. فقبل كل شيء، لا يمكن إنكار أن تدخُّل التحالف العربي أوقف زحف المتمردين الحوثيين الذين أسقطوا العاصمة صنعاء، ووصلوا حتى عدن، وأن ذلك التمدد كان من دعائمه خيانة قطاع كبير من الجيش الوطني، وأنه لولا التدخل العربي لكان كل اليمن في قبضة الحوثيين المدعومين إيرانياً، وكانت خطوط المواصلات العالمية في مرمى نيرانهم.

أغفل المشاركون حقيقة مهمة أخرى في مثل هذا النوع من الحروب؛ وهي حقيقة أن الميليشيات الموالية للدولة هي أكثر كفاءة في حرب التمرد وحروب العصابات بفضل سهولة وسرعة حركتها، وقدرتها الاستخبارية الأعلى، وتكلفتها الأقل نسبياً، واندماجها مع المجتمع؛ لأنها تتكون غالباً من أعضاء المجتمع المحلي نفسه. 

اقرأ أيضاً: في واشنطن.. معرض لإنصاف تمثيل تاريخ اليمن

لقد ابتُلي اليمن بحركة متمردين قدِموا من جباله الشاهقة، وعناصر إرهابية تجمعت من جميع أنحاء العالم. غالباً، تكون الجيوش التقليدية أقل كفاءة في مواجهة هذه الحروب التي تُعرف بأنها حروب غير تقليدية. وغالباً ما يكون تشكيل الجماعات المسلحة المحلية الموالية للدولة إحدى استراتيجيات النصر. 

لكنَّ المشاركين في “مؤتمر واشنطن” يرون أن تلك التشكيلات العسكرية هي جماعات “مناطقية” يجب أن “ترحل” وكأن الجيش اليمني الذي تشكلت غالبيته العظمى من قبائل شمال اليمن كان جيشاً شاملاً لكل أبناء الوطن، وكأن هذا الجيش أيضاً هو مَن حرر عدن من المتمردين الحوثيين، وحضرموت من الجماعات الإرهابية، أو أنه بقي حامياً للمناطق “المحررة” التي تحررت بفضل القوات العسكرية التي تم تشكيلها، وبدعم التحالف العربي.

حلول متعارضة

وفقاً لوجهة نظر مؤتمر واشنطن، فإن الحل في اليمن يقوم على المرجعيات الأساسية؛ وهي نتائج مؤتمر الحوار الوطني، وسحب سلاح الميليشيات، وجعل كل القوات في إطار وزارتَي الدفاع والداخلية، وإنهاء حالة التشظي التي تعيق الوصول إلى السلام. تُظهر اقتراحات المؤتمر إغفالاً واضحاً لدور المتمردين الحوثيين، والقضية الجنوبية، والجيش الذي يفتقد المصداقية. 

لقد قام مؤتمر الحوار الوطني في اليمن لمعالجة آثار ثورة الشباب اليمنية وليس لمعالجة التمرد الحوثي؛ لذلك من غير المنطقي أن يكون حلاً للوضع الحالي في البلاد. إن التمرد الذي قام به الحوثيون، والدعم الإيراني الواضح، والنيَّات المعلنة للمتمردين، وإرثها التاريخي الموثق، تثبت أن ما بعد احتلالهم صنعاء وشمال اليمن لن يكون مطلقاً كما كان قبله.

ثورة الشباب اليمنية 2011.. صنعاء- Getty Images

يبدو أن الحلول المقترحة من قِبل مؤتمر واشنطن ترتكز على فرضيات وردية؛ فهي أولاً تظهر أن المتمردين الحوثيين يمكنهم ببساطة إلقاء أسلحتهم والعودة إلى صعدة والانخراط في حوار مدني ديمقراطي شامل مع كل فئات المجتمع اليمني. كما أن المؤتمر يضع الحل مسبقاً في كل الأحوال، وهو اليمن الجمهوري الموحد، وكأن لا معنى للحوار المقترح أساساً، أو كأن القضايا الأخرى العالقة، وأهمها القضية الجنوبية، محسوم أمرها في نهاية المطاف. 

يحاول المؤتمر تقديم القضية الجنوبية كنتيجة لتدخل التحالف العربي؛ خصوصاً الإمارات والسعودية، متغافلاً عن حقيقة أن جذور القضية تعود إلى مطلع التسعينيات، وأن حرب صيف 1994 كانت نتيجة لاختلاف وجهات النظر والمصالح الوطنية التي ظهرت بعد الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب في عام 1990. 

إن التفكك الاجتماعي الذي يحاول المؤتمر تسويقه كنتيجة للتدخل “الأجنبي” هو في الواقع اختلاف جوهري ذو جذور تاريخية عميقة يمتد لقرون، وليس حتى لعقود كما قد يتصور البعض. إن إدارة هذا التفكك ينبغي أن تكون استراتيجية، تركز على إيجاد أرضية مشتركة لتبادل المنافع وحسن الجوار والتعايش السلمي وليس فرض إرادة طرف على آخر. تبنِّي فكرة “يمن جمهوري موحد” هو محاولة لفرض “حل” سبق فشله، بل وحتى دون مناقشته مع “كل أطياف المجتمع” كما يدعو المؤتمر في تناقض صارخ.

حرب 1994.. عدن- أرشيف

الحقائق قبل كل شيء

لا شك أن الوضع في اليمن أبعد ما يكون عن المثالية؛ لكنه أيضاً في أفضل حال ممكن إذا ما قورن بالسيناريوهات الأخرى؛ وأهمها عدم تدخل التحالف العربي، والذي ستكون نتيجته الحتمية تمدُّدَ الحوثي في كل أنحاء اليمن، ووجوداً دموياً نشطاً أكثر لتنظيم القاعدة. 

من الواضح أن وجود تشكيلات عسكرية موالية للدولة في المناطق المحررة من اليمن هو مصدر إزعاج للمتحدثين في مؤتمر واشنطن؛ يعود ذلك أساساً إلى انتمائهم الحزبي والأيديولوجي؛ حيث يفقد حزب الإصلاح تدريجياً مزيداً من النفوذ في جنوب البلاد، مقابل تعالي الأصوات التي تنادي باستقلال الجنوب، أو حتى تكوين دول أصغر في المنطقة.

وبغض النظر عن الجدل الكبير والمعقد حول المسائل المتعلقة بالجنوب، ودولة حضرموت وما إلى ذلك، فإن أكثر الحقائق جوهرية ينبغي تأكيدها هو أن ما دفع البلاد إلى هذا الوضع القاتم هو التمرد الحوثي، وخيانة الجيش اليمني الذي انحاز إلى جانب الرئيس السابق علي صالح، ووقفَ إلى جانب الحوثيين ضد الشعب.

لقد تسبب الحوثيون في حرب أهلية، قاتل خلالها الجنوبيون في عدن دفاعاً عن مدينتهم وأخرجوا المتمردين منها، وأوقفوهم عن التمدد أكثر في الجنوب. تُوالي التشكيلات العسكرية في الجنوب الحكومةَ اليمنية، واضعةً قضيتها -الجنوبية- نصب أعينها في نفس الوقت. أحدثت تلك التشكيلات فرقاً هائلاً في مواجهة التمرد الحوثي وإرهابيي “القاعدة”؛ لحماية منازلهم وعائلاتهم من الأذى، ولا يخفون أنهم يفعلون ذلك من أجل استعادة دولتهم التي انتقلت إليها فوضى الشمال. 

اقرأ أيضاً : فيديوغراف: “25 يوماً إلى عدن”.. عن البسالة الإماراتية في اليمن

لطالما أدت مثل تلك التشكيلات دوراً مهماً في حروب التمرد عبر التاريخ؛ في بعض الحالات تمكنوا من قلب دفة المعركة ومساعدة الحكومة على الفوز. وهم يستمدون شرعيتهم من تصور مَن يدعمهم؛ مَن يرى فيهم أبطالاً يقاتلون من أجل قضية عادلة، ومن أجل أهداف أقل أنانية بكثير من غيرهم، وأكثر انسجاماً مع المصالح الإقليمية. وفي حين أن هذه حقائق مهمة؛ إلا أنها ينبغي ألا تعمي صناع القرار عن الحفاظ على زخم التعاون والتركيز على الأهداف والاستجابة للمطالب، قبل أن تفقد الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً حقاً ما بقي من ولاء ومشاركة يمليها الضمير الحي والمستنير.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة