الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

إحياء يوم “فيساك”.. يوم ولادة بوذا وبلوغه التنوير ووفاته

كيوبوست

يكتمل القمر مرة كل شهر، ويكون حينها بدراً لكونه مضاءً بالكامل بفضل أشعة الشمس، التي تسقط عليه خلال وجود الأرض بين الشمس والقمر بصورة مباشرة. وكان لاكتمال القمر تأويلات ومعانٍ مختلفة لدى الشعوب.

فبينما اعتقدت شعوب أن الولادات تزيد عند اكتمال القمر، ظن الإغريق أن هناك علاقة وثيقة بين اكتمال القمر والجنون.

أما لدى البوذيين، فاكتمال القمر الذي يحدث خلال شهر مايو أو أوائل شهر يونيو من كل عام، ويصادف يوم 16 مايو لعام 2022م، قدسية خاصة؛ إذ يطلق عليه يوم “فيساك”، الذي ولد فيه بوذا قبل نحو ألفين وخمسمئة عام، وبلغ فيه حالة التنوير، وتوفي فيه عن عمر ثمانين عاماً، ومن جانبها اعترفت الأمم المتحدة بيوم فيساك عام 1999م.

اقرأ أيضاً: عيد النوروز.. “اليوم الجديد” في الديانة الزرادشتية

بلوغ حالة التنوير

تعود أقدم النصوص البوذية التي دوَّنَت حياة مؤسس الديانة البوذية، إحدى الديانات الرئيسية في جنوب وشرق آسيا والعالم؛ “بوذا” وتعني المستنير، إلى عدة قرون من وفاته، وورد فيها أن بوذا واسمه عند الولادة “سيدهارتا غوتاما”، ولد في حدائق مقاطعة لومبيني شمال الهند (نيبال حالياً)، والتي أصبحت محجاً لأتباعه.

عاش غوتاما في كنف عائلة ملكيّة؛ فقد كان أميراً وتمتَّع بحياة رغيدة، وكان من المتوقع له أن يصبح إما ملكاً عظيماً وإما رجلاً مقدساً (زاهداً)، وفقاً لنبوءة. ولأن والده أراد له أن يصبح ملكاً يرث عرشه وليس رجلاً زاهداً؛ فقد حجب عنه كل ما يشير إلى المعاناة والعجز، كالمرض والشيخوخة والموت.

تمثال لبوذا مؤسس الديانة البوذية- Shutterstock

لكن في عمر التاسعة والعشرين تعرَّض الأمير غوتاما الذي اجتاحه الفضول لرؤية الحياة خارج القصور، إلى موقف غيَّر مسار حياته؛ فقد طلب من سائق عربته أن يأخذه -لأول مرّة- في جولة عبر المدينة، بموافقة من الملك الذي أمر بإقصاء جميع المرضى والمسنين عن طريق ابنه الأمير، باستثناء رجل عجوز لم يتم حجبه عن طريق الخطأ، فرآه غوتاما؛ ما أدى إلى شعوره بالدهشة، لأنه لم يكن يعرف معنى الشيخوخة من قبل.

تَلَت تلك الرحلة ثلاث رحلات، رأى خلالها غوتاما رجلاً مريضاً وجثة، إضافة إلى شخص أثار فضوله؛ رجل زاهد. وأدرك غوتاما أن العالم فيه مرضى ومسنون وموتى؛ فقرر بعدها الخروج ليعرف أكثر عن الموت وما بعد الموت، والتخلِّي عن حياته المرفهة، وتحمل المعاناة والفقر.

اقرأ أيضاً: مدينة “باميان” الأفغانية وتماثيل بوذا المدمَّرة.. إرث إرهاب “طالبان”

وبعد ست سنوات من البحث، واكتشافه حياة ثانية غير حياة القصر، وصل غوتاما إلى التنوير أثناء التأمل تحت شجرة بودي، وعليه يحتفل أتباع البوذية في بعض البلدان بلحظة التنوير تلك، إضافة إلى ولادته ووفاته في يوم “فيساك” أو يوم اكتمال القمر.

يوم فيساك ومظاهر الاحتفال به

يحتفل البوذيون، الذين يبلغ عددهم أكثر من 488 مليون شخص، بيوم فيساك، الذي يختلف اسمه باختلاف البلدان التي تحتفل به؛ إذ تطلق عليه بعض الفلسفات البوذية يوم بوذا أو يوم ميلاد بوذا.

كما يختلف توقيته من بلد إلى آخر وفقاً للتقويم الذي تتبعه؛ ففي الصين مثلًا، عادةً ما يتم الاحتفال بيوم فيساك في أوائل مايو من كل سنة تبعاً للتقويم القمري الصيني.

وتتنوع مظاهر الاحتفال به في الدول المحتفلة، كالهند وتايلاند وكوريا الشمالية والجنوبية وميانمار والصين وماليزيا؛ لكنْ بالمجمل هناك طقوس مشتركة يؤديها المحتفلون، كتزيين منازلهم ومعابدهم بالفوانيس الورقية، وتنظيم جلسات تأمل.

رهبان بوذيون يصلون عشية يوم فيساك في سنغافورة- ROSLAN RAHMAN /AFP/Getty Images

وغالباً ما يقضي البوذيون ليلة اكتمال القمر في معبدهم المحلي، الذي يتوجهون إليه قبل الفجر لرفع العلم البوذي وترديد الترانيم، وقد يصل بعضهم ليله بنهاره ويبقى في المعبد تلك الليلة، وهناك يقومون بالتفكُّر في التعاليم البوذية، ويقدِّمون قرابين بسيطة عند أقدام تمثال بوذا ويتشاركون الطعام مع الآخرين.

كما يقيمون احتفال استحمام بوذا، عبر سكب الماء على أكتاف تمثال صغير له موجود في معظم المعابد البوذية، أمام المذبح في حوض صغير مملوء بالماء ومزيَّن بالورود؛ للتخلص من “الكارما” السيئة وتصفية الذهن من المشاعر السلبية كالحقد والطمع…

اقرأ أيضاً: “الكارما”.. التحرر من عواقب الخطايا للانعتاق من الحياة

احتفالات بارزة

وتُقام خلال يوم فيساك احتفالات بارزة؛ منها وصول آلاف البوذيين إلى لومبيني وفي نيبال، مسقط رأس بوذا؛ حيث يقدمون التبرعات لمساعدة المحتاجين وبناء الأديرة.

في حين يجتمع الرهبان في أكبر معبد بوذي في العالم، معبد بوروبودور في إندونيسيا؛ للتأمل، ويطلقون الفوانيس الورقية المتوهجة إلى السماء ليلاً، كما تُقام مهرجانات إطلاق الفوانيس في معبد “جوغيسا” وفي سيول عاصمة كوريا الجنوبية.

ولد بوذا في حدائق لومبيني التي سرعان ما أصبحت محجاً لأتباعه- أرشيف

وفي معبد التبت في مستوطنة إيبوه في ماليزيا، يمارس المصلون البوذيون طقوس “تشمس بوذا”؛ حيث يضع الرهبان لوحة “ثانجكا” المقدسة لبوذا في الشمس لامتصاص طاقتها؛ إذ يعتقدون أن الطاقة تعزز السلام والصحة لبقية العام.

بينما يُقام مهرجان يوم فيساك في معبد “جانجارامايا” في كولمبو عاصمة سريلانكا، ويتميز المهرجان بغنى ألوانه؛ إذ يعتمد الفوانيس والأضواء الملونة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة