الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

إبادة شعب التوتسي في رواندا.. تاريخ عميق من الصراع العرقي

كيوبوست

تتسم بعض الفترات في التاريخ بقسوتها؛ لارتباطها بحدث أليم، كنشوب حرب أو كارثة طبيعية أو غير ذلك. ومن ضمن السنوات التي شهدت حدثاً يندى له جبين البشرية؛ كانت سنة 1994م، فخلالها وقعت الإبادة الجماعية ضد شعب التوتسي الرواندي على يد شعب الهوتو الذي يمثِّل الأغلبية في رواندا؛ الأمر الذي أسفر عن مقتل ما يقدر بـ75% من التوتسيين.

ولدق ناقوس الخطر، تحيي الأمم المتحدة في 7 أبريل من كل عام، اليوم الدولي للتفكر في الإبادة الجماعية، وهو اليوم الذي حدَّدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2003م، ويرمز هذا التاريخ إلى بداية الإبادة الجماعية التي ارتكبتها حكومة الهوتو التي كانت خاضعة لسيطرة المتطرفين.

اقرأ أيضاً: صفحات من إبادة الهنود الأمريكيين.. بريطانيا أهدتهم بطانيات مسممة بالجدري!

صراع ما قبل الإبادة

على الرغم من أن شعب الهوتو كان يمثل أغلبية السكان في رواندا بنسبة تصل إلى 85%؛ فإن شعب التوتسي قبل الاستعمار الأوروبي كان يسيطر على الطبقات العليا في النظام الاجتماعي بالبلاد.

وخلال الاستعمار البلجيكي، حصل شعب التوتسي على مزايا من قِبل البلجيكيين؛ ما فاقم من قدرتهم على قمع شعب الهوتو، الأمر الذي ولَّد الأحقاد بين الطرفين. ومع بداية زوال الاستعمار، لاحت في الأفق عملية تحول ديمقراطي في رواندا، حاول بعض التوتسيين قمعها، في ظل ظهور حركة هوتو سياسية مدعومة شعبياً.

كل تلك المعطيات دفعت الهوتو للقيام بثورة “فلاحي الهوتو” أو “الثورة الاجتماعية”، في نوفمبر من عام 1959م وحتى عام 1961م، والتي قتل إثرها المئات من التوتسي وشُرِّد الآلاف منهم، وانتهت سيطرة التوتسي في رواندا، وأُعلن قيام الجمهورية بعد أن منحت روندا الاستقلال عن بلجيكا عام 1962م.

أدى الصراع في رواندا إلى هجرة مئات الآلاف- GILLES PERESS / MAGNUM PHOTOS

لكن حتى مع تلك التغيرات بعد الاستقلال بقي العنف قائماً؛ لأن التوتسيين الذين شُرِّدوا إلى الدول المجاورة أرادوا استرداد مكانتهم السابقة في رواندا، وعليه قاموا بشن هجمات على أهداف للهوتو في الفترة ما بين 1962م و1967م.

خلال الثمانينيات، طالب توتسيو الشتات بالعودة إلى رواندا؛ لكن نداءاتهم قوبلت بالرفض، من قِبل الحكومة الرواندية برئاسة “جوفينال هابياريمانا”، الذي استولى على الحكم عام 1973م، وكانت “الجبهة الوطنية الرواندية” في كمبالا بأوغندا من أبرز المطالبين بذلك، فقامت في 1 أكتوبر 1990م، بتنفيذ هجوم يضم سبعة آلاف مقاتل على رواندا من أوغندا؛ ما أدى إلى تشريد الآلاف وزيادة التوتر العرقي.

بداية الإبادة

وفي محاولة لتسوية الأمور وإنهاء الصراع، قامت منظمة “الوحدة الإفريقية” وحكومات إفريقية بجهود لتحقيق السلام بين الطرفَين، عبر توقيع اتفاقات في عام 1993م، تقضي بتشكيل حكومة انتقالية تضم الجبهة الوطنية الرواندية التابعة للتوتسيين؛ الأمر الذي أثار غضب متطرفين من الهوتو.

أما الشرارة التي فجَّرت الأمور، فقد تمثلت في عملية إسقاط الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي هابياريمانا، ورئيس بوروندي سيبريان نتارياميرا، فوق العاصمة الرواندية “كيغالي”، بهجوم صاروخي في 6 أبريل 1994م، راح ضحيته جميع مَن كانوا في الطائرة.

رئيس رواندا جوفينال هابياريمانا- “رويترز”

وعلى الرغم من عدم الحسم بهوية الجهة المنفذة لعملية إسقاط الطائرة؛ فإن رد الهوتو جاء سريعاً ووحشياً، فبعد ساعات من تحطم الطائرة، أقام الحرس الرئاسي الرواندي، إلى جانب أفراد من القوات المسلحة الرواندية وميليشيات الهوتو، حواجز ومتاريس على طرقات العاصمة كيغالي، وبدؤوا بذبح التوتسيين والهوتو المعتدلين؛ من بينهم رئيس الوزراء الهوتوي المعتدل “أغاثي أولينجييمانا” وعشرة من جنود حفظ السلام البلجيكيين، وعلى إثر ذلك سحبت بلجيكا بقية أفراد قوتها، كما طلبت بلدان أخرى سـحب جنودها.

توسع دائرة الإبادة

انتقل القتل من العاصمة كيغالي إلى باقي المدن في رواندا، فقد نصبت ميليشيات الهوتو حواجز على الطرق وذبحوا الناس بناء على بطاقات هويتهم التي أجبروا على إبرازها، كما توجهت ميليشيات الهوتو إلى المنزل بحثاً عن التوتسيين لقتلهم واغتصاب نسائهم، كما قتل الجيران والأصدقاء بعضهم البعض، بتشجيع من المحطات الإذاعية التي ترعاها الحكومة.

اقرأ أيضاً: اعتذار ألماني عن الإبادة الجماعية في ناميبيا.. فماذا يقول التاريخ؟

وفي غضون ثلاثة أشهر، تم ذبح نحو 800 ألف شخص، واغتصاب ما بين 150 ألفاً و250 ألف امرأة، وبحلول أوائل يوليو عام 1994م، سيطرت قوات الجبهة الوطنية الرواندية التابعة للتوتسيين على معظم البلاد؛ بما في ذلك كيغالي، بينما فرّ أكثر من مليونَي شخص؛ جميعهم تقريباً من الهوتو المتورطين في عمليات القتل الجماعي، من رواندا إلى الكونغو والبلدان المجاورة الأخرى.

وقعت الإبادة الجماعية ضد شعب التوتسي الرواندي على يد شعب الهوتو الذي يمثِّل الأغلبية في رواندا

ومع انتهاء المجزرة في 15 يوليو عام 1994م، شكَّلت الجبهة الوطنية الرواندية بعد فوزها بالانتخابات، حكومة ائتلافية ضمت “باستور بيزيمونغو” من الهوتو رئيساً لرواندا، و”بول كاغامي” من التوتسي، نائباً للرئيس ووزيراً للدفاع، لتطوي تلك الخطوة أعنف إبادة في العصر الحديث.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات