شؤون عربية

أي دور لعبه الإعلام الديني في ثورات الربيع العربي؟

هل استغل الإسلام السياسي الإعلام من أجل صراعاته؟

خاص كيو بوست – رشيد العزوزي

يعد إعلامًا دينيًا (إسلاميًا) كل خطاب تبنته الحركات الإسلامية والزوايا الصوفية وجماعات الإسلام الجهادي، صادر عبر أدوات إعلامية تقليدية أو حديثة، بما فيها البرامج والمواعظ والفتاوى والاستجوابات والمناظرات والدروس وغيرها.

وارتبط هذا الإعلام بالعولمة وسياقاتها السريعة المتغيرة، التي لا تخلو من عنف ودموية في المنطقة العربية قبل سبتمبر/أيلول 2001 وبعده؛ خصوصًا حين أصبحت الجماعات الإرهابية تشكل تهديدًا حقيقيًا للسلم والأمن الدوليين، عبر ترويع الآمنين في مختلف دول المعمورة، واستغلال الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في بث خطاب الرجعية والقتل والكراهية.

اقرأ أيضًا: صحف غربية: هكذا يستغل الإخوان المسلمون المساجد لأغراض حزبية وأيديولوجية

وأرجع الصحفي الباحث في الإعلام والتواصل “محفوظ آيت صالح” في اتصال مع “كيوبوست” الظهور الأول للإعلام الديني إلى “القرن 19 مع النهضة العربية، قبل أن تأتي الموجة الثانية مع “حركة الإخوان المسلمين”، الذي كان عبارة عن مجلات متخصصة كـ”مجلة الأمة”، لتظهر بعد ذلك بعض المنابر الإعلامية لبعض الحركات الصوفية، بحسب الباحث.

ويضيف “آيت صالح” أن “مرحلة نهاية التسعينيات تميزت بظهور القنوات الفضائية التي تهتم بالفتاوى، وصولًا إلى مرحلة التشعب مع الشبكة العنكبوتية، والتدفق الهائل للمعلومة الدينية”.

 

الفاعلون الأساسيون في المشهد الإعلامي الديني

لقد احتكرت الدولة في العالم العربي -منذ حصولها على الاستقلال- القنوات الدينية لعقود عدة، كما احتكرت التعليم والصحة باعتبارهما أكثر القطاعات حيوية، إلا أن خصخصة هذه القطاعات -بإيعاز من البنك الدولي- وغيرها شمل الصحافة والإعلام، فظهرت عشرات القنوات الإسلامية بعد تحرير القطاع السمعي البصري في المنطقة.

وبحسب التقرير السنوي حول البث الفضائي العربي لسنة 2016، فقد “حققت القنوات الدينية رقمًا قياسيًا بما مجموعه 96 قناة خاصة، مقابل 9 للقطاع العام، وهو واقع يمكن فهمه من خلال الأهمية التي اكتسبتها الفضائيات خلال النزاعات التي تغديها التيارات الدينية السياسية، خصوصًا بعد الحراك العربي” حسب التقرير.

اقرأ أيضًا: هكذا استغلت جماعات الإسلام السياسي منابر المساجد

وتوظف حركات الإسلام السياسي هذه القنوات لتمرير شيفرات سياسية مغلفة بخطاب ديني، من منطلق أن الدين يمثل المفتاح السحري والإجابة الجاهزة لكل المعضلات، ومنه صار النظام السياسي عندها يستمد شرعيته من الحكم بالدين.  

 

الحركات الجهادية

تتعاظم خطورة الخطاب الديني بفعل المد الجهادي، الذي أسس جهادًا إعلاميًا ينبني على اعتماد إستراتيجية انتقائية ممنهجة في التعامل مع النص الديني، إذ غدا مبررًا ومشرعنًا لكل تصوراته، ومنها الاعتماد على الناسخ والمنسوخ، والتغاضي عن أسباب النزول، والتركيز على حرفية النص مع إهمال تام للفهم المقاصدي، إيمانًا منه بأن الإستراتيجية العسكرية والاقتصادية لن تؤتي أكلها دون دعاية ضامنة لاستمرارية الفكر وتناسل التنظيمات، وسرعة الاستقطاب، ما يعني تداخل الاقتصادي بالعسكري، وما هو اجتماعي بما هو عقدي.

ومع ذلك، تبدو هذه العوامل غير ذات قيمة في غياب آلية للتبليغ، أي الصحافة والإعلام، خصوصًا إذا استحضرنا أن الإرهاب ظاهرة عابرة للدول وللقوميات، والرابط بين المركز الإرهابي وروافده هي الوسائط الإلكترونية من مواقع إعلامية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما يبرر موقع الجهاد الإعلامي في إستراتيجيات العنف عند المنظمات الإرهابية.

وهنا، يمكن أن نستحضر الدور المكشوف الذي لعبه موقع الجزيرة الإلكتروني و”قناة الجزيرة القطرية”، لدرجة ارتبط اسمها ببث خطب “أسامة بن لادن”، وصور القتل على الهوية لسنوات طويلة.

وهكذا، نفهم لماذا حرص داعش على إصدار العدد الأول من مجلته الرسمية (دابق Dabiq) شهريًا منذ سنة 2014، وأسس له ما يشبه وكالة أنباء باسم “أعماق الإخبارية Amaq News Agency” بالعربية والإنجليزية.

 

تموضعات الإعلام الصوفي

حتى السنوات القليلة الماضية، ارتبط التصوف ببرامج صوفية متنوعة وبحيز زمني قليل، أو بحضور شخصيات صوفية في سياق نقاش موضوع تاريخي ذي صلة، أو من خلال تغطية مواسم في البلدان العربية التي تعرف فيها بعض الطرق الصوفية قبولًا واسعًا.

لكن بعد إفساح المجال أمام رجال الأعمال للاستثمار الإعلامي، برزت للعلن قنوات عدة متخصصة في هذا الشكل من التدين مثل: قناة الإرث النبوي، والمدح، إضافة إلى العديد من المجلات والدراسات والأوراق البحثية التي أصدرها “الاتحاد العالمي للطرق الصوفية” من العاصمة الفرنسية باريس، أو “مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة” من المغرب.

 

هوية المتلقي

مع ارتفاع نسب الأمية وانتشار الهشاشة وذيوع سيكولوجية الإنسان المقهور الذي له قابلية للبكاء والعويل، وفي ظل غياب الحس النقدي عند جمهور التلفاز عمومًا، سواء تعلق الأمر ببعض النخب التي تعتبر من جمهور هذه القنوات، أو من له تعليم محدود، يعد مشروع قناة بالنسبة لتجار الدين مربحًا منذ البداية.

في هذا السياق، قالت “زويشي خديجة”، الباحثة في الصحافة والإعلام في تصريح خصت به “كيوبوست” إن الفاعلين في الإعلام الديني يركزون على فئة الشباب باعتبارهم مستقبل البلاد واستمراريتها، دون استثناء باقي الفئات العمرية، كما يستحضرون -أثناء بث إستراتيجيتهم الدعوية- مدى انغراس الدين في تشكيل هوية الفرد العربي، وكذا انتشار الأمية، والجهل حتى بين المدرسين، وذلك بناء على دراسات لتحديد طبيعة المحتوى ومدى ملاءمته، ومعرفة ما الجديد الذي سيقدم، وكيف يتم تمرير الرسالة وتشكيل الوعي المراد من خلال تأويل النص الديني، وهو ما يمكن أن نفسر به انتشار خطاب الكراهية، بحسب الباحثة.

 

 

من جهتها، نبهت الباحثة في الإعلام والتواصل السياسي “شيماء الهواري” في اتصال مع “كيوبوست” إلى أهمية دور الإعلام الموضوعي في كبح جماح خطاب الحركات الأصولية، وشددت على خطورة عدم التقيد بالضوابط الفاصلة بين التمتع بحرية التعبير والانخراط في خطاب الكراهية والتعصب والتمييز.

وأكدت الهواري على ضرورة توقف أو إيقاف وسائل إعلام الإسلام السياسي عن إثارة وإذكاء نزعات الكراهية العبثية والإسلاموفوبيا، وفسح المجال في المقابل أمام الإعلام الذي يعزز قيم التسامح والتعددية الدينية والعرقية الثقافية واحترام الآخر. وإن اقتضى الحال، تقول شيماء، هناك ضرورة لتنسيق الجهود مع المؤسسات الدولية لمكافحة العنف والتطرف، والعمل على نشر الخطاب المستنير ومواجهة الأفكار الشاذة والخارجة عن سماحة الأديان، واتخاذ السبل كافة من أجل نشر ثقافة التسامح والأخوة بين الناس، ومنع كل خطاب من شأنه إثارة الأحقاد.

يمكن القول إن الإعلام الديني -الإسلامي في الغالب الأعم– أفرغ الدين من سمات الفطرة والبساطة وميزات التسامح والاعتدال، وحوله إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب (نسب المشاهدة) فصار منتوجًا، له نجوم وزبائن، ويدر أموالًا طائلة على أصحابه.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة