الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربيةمجتمع

أيهما يحمي الدين.. العَلمانية أم الأحزاب الدينية؟

هل حقًا تعادي العلمانية الدين؟

خاص كيو بوست –

تتكىء حركات الإسلام السياسي في شرعيتها على نفوذها الديني في الشارع، سعيًا منها أن تحول ذلك النفوذ إلى أوراق انتخابية، تساعدها في الوصول إلى السلطة. وفي الوقت ذاته، تعمل على تشويه جميع الأفكار التي تتناقض معها، مثل العلمانية. فمثلًا يعمل دعاتها على وصف العلمانية بالإلحاد، لتنفير المواطن العربي منها.

على الرغم من أن العلمانية مبدأها الأساسي يقوم على فصل الدين عن الدولة، وليس على “إخراج المواطن من دينه” كما يدعي الإسلاميين!

وفي تناقض واضح، تحاول حركات الإسلام السياسي أن تربط بين العلمانية والغرب “الكافر”، على الرغم من أن تلك الحركات تربّى قادتها في الغرب، قبل أن يعودوا إلى بلدانهم. ومنحتهم العلمانية حرية الاعتقاد والتفكير والرأي، ولو أن الغرب لم يكن علمانيًا، لما توسعت تلك الحركات حتى وصلت إلى سدة الحكم، كما حدث في تونس بعد 2011، وفي إيران عام 1979.

ويتجاهل الإسلاميون أن العلمانية حين تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، تكون قد تجنّبت سقوط الدين في معتركات المصالح السياسية وتقلباتها، والتي قد تؤدي إلى تشويه صورة الدين في حال تم استخدامه في ألاعيب السياسة، وعن هذا كتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك:

“من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألّا  يتدخل أي منهما في شؤون الآخر. هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحرارًا، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة”.

 

تديين الدولة أضر أولاً بالدين

طوال الفترة التي لم تصل فيها الأحزاب الإسلامية إلى سدة الحكم، وقبل استخدامها للدين كوسيلة لأجل السلطة، حافظ الدين الإسلامي على سمعته “السمحة”، ولم تتلطخ سمعته بالإرهاب، ولم تنتشر ضده مشاعر الإسلاموفوبيا؛ فقد كان الدين الإسلامي جاذبًا للأقليات المضطهدة في العديد من بلدان العالم، مثل الولايات المتحدة، التي استخدم فيها المواطنون السود مقولات التسامح من الدين الإسلامي، للمساواة مع البيض، مثل حركة “مالكوم إكس” وغيرها.

كما أن انتشار الإسلام في أوروبا وصل إلى أعلى المعدلات قبل انتشار حركات الإسلام السياسي، التي احتكر رجالها الخطاب الديني، من أجل توظيفه لأهدافهم السياسية، واهداف الدول والكيانات التي يقدمون الولاء لها.

فالنظم العلمانية في أوروبا حافظت على مساحة الاعتقاد للإسلاميين المغتربين فيها، دون السماح لهم بممارسة السياسة على أساس تلك المعتقدات الدينية، مما جعل من الصورة الذهنية عن الدين الإسلامي مرتبطة بالتسامح واحترام الآخر ومعتقداته.

وتلك الدول التي يعتبر اللجوء إليها حلمًا لأي مواطن عربي أو مسلم، وتعتبر من أكثر دول العالم جذبًا للاجئين من كافة المعتقدات بسبب تقدمها وحرية المعتقدات فيها، تنصّ دساتيرها صراحة على هويتها العلمانية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وكندا.

وفي فرنسا بالذات، وبسبب القيم العلمانية فيها، مارس الخميني على أرضها دعوته التي أوصلته للحكم. كما كانت فرنسا أرضًا خصبة لقيادات حركة “النهضة” التونسية قبل عودتهم إلى تونس في 2011.

ولكن الحركتين الإسلاميتين في كلٍ من تونس وإيران، ناضلتا من أجل إصباغ دولهم بصبغة دينية، مما أدى إلى تحويل إيران إلى دولة دينية مغلقة على معتقد واحد، وتخوض سياستها الخارجية والداخلية وحروبها بناءً على أسس دينية، أدت إلى تشويه صورة الدين، وتصدير صورة عنه بأنه دين “استعماري” يسعى إلى حكم الآخرين وإجبارهم على اعتناقه، فأصبحت الممارسات السياسية الإيرانية المثيرة للقلق مرتبطة بتعاليم الدين، حتى صار الآخر يخشى الدين الإسلامي كما يخشى السياسة ومكائدها.

أما في تونس، فقد سعت حركة النهضة بعد عودة قياداتها من أوروبا، إلى جعل أفكارها الإخوانية دينًا للدولة، مما يساعدها على التحكّم بوعي المواطنين، ويجعلها تحكم للأبد، بناءً على وعي زائف يعتبر أن الخروج عليهم يعتبر خروجًا على الدين ذاته!

وقد أثمر تديين تونس في عهد النهضة، وربط الخطاب الديني بالسياسة، عن التحاق 6 آلاف تونسي بتنظيم داعش.

 

هل العلمانية تحافظ على الدين؟

أهم خدمة تقدمها العلمانية للدين أنها تحميه من الاستغلال لأهداف سياسية، وتحافظ عليه من تحويله إلى وسيلة لاستغلال العامة والبسطاء.

فالدولة العلمانية، تمنع الخلط بين السياسة والدين، وتفصل الروحي عن ما هو دنيوي، ولذلك تحافظ على قدسية الدين، وتُخرجه من لعبة المصالح؛ بما أن كل فريق سياسي أي كان انتماءه يعمل لصالح الجهة الحزبية والسياسية التي يمثلها.

أما زج الدين في السياسة، كما حدث في مصر بعد 2011، وقيام بعض الدعاة بالإفتاء للتصويت بـ”نعم” تجاه جهة يمثلونها، فإنه لا يترك المجال للمواطن بالتفكير، كون أن الفتوى حملت صفة الإملاء والفرض، ولذلك فالإملاء والتلقين يحدان من قدرة الأفراد على التفكير. وفي حال أنهم التزموا بالفتوى وصوتوا بـ”نعم”، ثم رأوا أن الواقع مخالف لما بشرّهم به رجال الدين، فسيرتد ذلك تلقائيًا بنظرتهم السلبية تجاه الدين، ثم الشك في العقيدة التي ينتهجها أولئك الدعاة، ثم قد يتطور الشك إلى الإلحاد.

وهو ما حدث في الدول التي مارس فيها رجال الدين السلطة، حيث تعتبر من أكثر الدول العربية التي تفشّى بها الإلحاد في فترة الربيع العربي، لمّا تسيّد رجال الدين في السياسة والإعلام، كما حدث في العراق وإيران وتونس والسعودية وسوريا، كنتيجة وردة فعل على الأخطاء السياسية والفساد الذي ارتكب باسم الدين.

ولذلك من صالح الدين، الحفاظ على قدسيته، وتنزيهه، وعدم زجّه في أتون المصالح السياسية المتقلبة، وهو ما تنادي به العلمانية في صورتها الشاملة.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة