الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

أيها الطلاب الأمريكيون.. توجهوا إلى الخارج!

يجب على إدارة بايدن أن تتيح فرصاً متساوية للجميع للتعلم في الخارج

كيوبوست- ترجمات

دينيار باتيل      

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، توصل تجمع من أعضاء الكونغرس الأمريكي من الحزبَين إلى خلاصة مفادها أن إرسال المزيد من الطلاب الأمريكيين للدراسة في الخارج هو من أولويات الأمن القومي والسياسة الخارجية. يمتلك عدد قليل جداً من الأمريكيين معرفة وفهماً كافيَين للعالم الذي أصبح يبدو مليئاً بالتهديدات وعدم اليقين.

بعد أسابيع قليلة من الهجمات الإرهابية، تعهد الرئيس الأمريكي جورج بوش، “بإعادة تأكيد التزامنا بتعزيز الفرص التعليمية التي تمكن الطلاب الأمريكيين من الدراسة في الخارج”. وترجم الكونغرس هذا الالتزام من خلال “لجنة إبراهام لينكولن للدراسة في الخارج” التي كلفها المشرعون بإيجاد الوسائل لتشجيع المزيد من الطلاب الأمريكيين للتوجه نحو الخارج. وبعد نحو عقدين لم ينفذ الكونغرس أياً من توصيات اللجنة، والآن أدت الجائحة إلى بقاء المزيد من الطلاب في الداخل.

اقرأ أيضاً: كيف تتسلل الصين إلى داخل الجامعات الأمريكية؟

بمجرد انحسار الجائحة، يجب أن تعود الحكومة الأمريكية والمؤسسات التعليمية إلى روح لجنة لينكولن؛ فالدراسة في الخارج ستساعد على خلق جيل من المواطنين والقادة الأمريكيين من ذوي التفكير العالمي. وفي زمن الاستقطاب والصراع الداخلي يجب أن تنظر الحكومة إلى الدراسة في الخارج على أنها أولوية سياسية وطنية.

على مدى عقود خلت، كانت الدراسة في الخارج محصورة في الأمريكيين الأثرياء، وكان معظمهم يختار وجهات مريحة في أوروبا الغربية، وهذا الواقع يجب أن يتغير. فالجميع يستحق فرصة الدراسة في الخارج والتعلم من بقية دول العالم، ويجب على الحكومة الفيدرالية أن تساعد في إضفاء الطابع الديمقراطي على إمكانية الوصول إلى الدراسة في الخارج، وأن تساعد الشباب الأمريكيين على زيارة البلدان المهمة خارج أوروبا الغربية. فالسفر الدولي الهادف يفتح العقول ويوسع الأطر المرجعية ويحارب كراهية الأجانب والقومية الشوفينية التي تتغذى على الجهل بالعالم الخارجي.

اقرأ أيضاً: الدراسة في جامعات إسبانيا: تكاليف تحوّل حلم الطلبة العرب إلى كابوس 

المدرسة العالمية

إن تشجيع الدراسة في الخارج هو استثمار ذكي، فخريجو برامج الدراسة الخارجية هم أكثر دراية بتعقيدات الشؤون العالمية وأفضل من ناحية الإنجاز الأكاديمي. وهم يتمتعون بأداء أفضل في أسواق العمل التي أصبحت تميل إلى تقدير الخبرات الخارجية ومعرفة اللغات الأجنبية. يرى عالم السياسة كالفيرت جونز، أن الدراسة في الخارج تنمي “القومية المستنيرة”، وهي الفخر بالانتماء الوطني مع نوع من التواضع بدلاً من كراهية الأجانب أو الإيمان بتفوق الولايات المتحدة.
لا تزال الدراسة في الخارج تمثل نادياً حصرياً؛ ففي العام الدراسي الأخير قبل الجائحة كانت نسبة الطلاب الأمريكيين في الخارج لا تتجاوز 1.8% من مجموع الطلاب الدراسين في الجامعات الأمريكية. وهنالك شرائح معينة تحظى بفرص أقل؛ فالأمريكيون السود يشكلون 13.4% من طلاب التعليم العالي في البلاد، ولكن نسبتهم بين الدارسين في الخارج لا تتجاوز 6.4%. والولايات الشمالية الشرقية تحظى بمعدل عالٍ للدراسة في الخارج؛ حيث بلغت نسبتهم أكثر من 5% في فيرمونت مثلاً في العام الدراسي 2018- 2019، بينما تتخلف الكثير من الولايات الجنوبية عن الركب في هذا المجال.

طلاب أمريكيون يدرسون في بانكوك يحتفلون بأسبوع الدراسة في الخارج.. 2018- “ذا باي نيوز”

كما يجب أيضاً توجيه الطلاب إلى مجموعة متنوعة من الوجهات؛ فمعظم الطلاب الأمريكيين في الخارج يتوجهون إلى عدد قليل من الدول الغنية والصديقة للغة الإنجليزية، واستحوذت ستة بلدان أوروبية على 45% منهم في العام الدراسي 2018- 2019. وكان عدد الدارسين في الدنمارك أكبر من الدارسين في الهند، وتناقص عدد الدارسين في الصين في السنوات الأخيرة. ولا تكاد الاقتصادات الناشئة والأماكن ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل إندونيسيا والفلبين وروسيا وغيرها، تظهر على الخريطة. وربما تثني الهواجس الأمنية والصحية الكثيرين عن الدراسة في هذه الدول.

كثيراً ما يتم تقديم الدراسة في الخارج للطلاب على أنها نوع من الرفاهية، وبدلاً من ذلك يجب على المدرسين تأطير الدراسة في الخارج على أنها تجربة ثقافية غامرة صممت لتأخذ الطلاب خارج مناطق راحتهم، ولتحفزهم على النمو فكرياً واجتماعياً بينما يتصارعون مع بيئة غريبة.

اقرأ أيضاً: كيف نجحت ألمانيا في تدريس الإسلام داخل الجامعات الحكومية؟

لقد أدرك العاملون في التعليم وصناع السياسات منذ زمن بعيد أوجه القصور في برامج الدراسة الخارجية. وأصدرت لجنة لينكولن تفويضاً عام 2005 شاملاً؛ لتشجيع التعليم الأمريكي في الخارج، وأرادت زيادة عدد الطلاب الدارسين في الخارج إلى مليون طالب بحلول عام 2015. واقترحت تخصيص تمويل فيدرالي للطلاب الأمريكيين الأكثر حرماناً اقتصادياً واجتماعياً. واقترحت مسابقة وطنية لمنح التعليم الخارجي. واشترطت اللجنة أن يتم تخصيص القسم الأكبر من التمويل للطلاب الذين يريدون التوجه إلى دول غير أوروبية.

اتحاد التعليم الدولي في تكساس ملتزم بتشجيع التعاون وتبادل المعرفة بين طلاب تكساس ونظرائهم في مختلف أنحاء العالم- “ذا باي نيوز”

وحدد أعضاء اللجنة ميزانية أولية قدرها 50 مليون دولار على أن تتم زيادتها إلى 125 مليوناً بحلول العام الدراسي 2011- 2012. وهذا الرقم لا يتجاوز نصف كلفة طائرة “F-35A” مقاتلة واحدة، وكان سيعطي عائداً أفضل بكثير من طائرة حربية دائمة التعطل. ولكن في عام 2006 فشل مشروع قانون لجنة إبراهام لينكولن للدراسة في الخارج في حشد الدعم الكافي في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ومات هذا القانون في حينه.

إصلاح الدراسة في الخارج

منذ موت قانون لينكولن، تدخلت كيانات أخرى للمساعدة في إتاحة التعليم الخارجي ومساعدة الطلاب المستحقين على رؤية العالم. فجامعة “توسون” وسعت بشكل كبير برامجها قصيرة الأجل في الخارج، وقامت جامعة “بين ستيت يونيفيرسيتي” بإطلاق برنامج جوازات السفر؛ لمساعدة الطلاب غير القادرين مادياً على الدراسة في الخارج، وأقامت دورات تدريبية صيفية في الخارج، كما حققت جامعة “مينيسوتا” إنجازاً مهماً؛ حيث تساوت نسبة الطلاب الملونين الدارسين في الخارج مع نسبتهم من إجمالي عدد الطلاب. ومن ناحيتها، شجعت وزارة الخارجية التنوع من خلال مبادرة “زيادة وتنويع تعليم الطلاب الأمريكيين في الخارج” التي قدمت من خلالها منحاً صغيرة للجامعات؛ لمساعدتها في بناء برامج الدراسة في الخارج فيها. ولكن الجائحة أضرت كثيراً بهذه الجهود، وكما قالت ناتالي ميلو، رئيسة منتدى التعليم في الخارج: “كان التعليم الخارجي هو الجزء الأكثر تضرراً في الأوساط الأكاديمية؛ بسبب الجائحة”.

اقرأ أيضاً: كيف اخترقت “اليسارية الإسلامية” الجامعات الفرنسية؟

يجب على الحكومة الأمريكية أن تقدم دعماً قوياً لتعزيز الدراسة الخارجية، ويمكن أن يتم ذلك من خلال النظر مجدداً في مقترحات لجنة لينكولن. في عام 2016 أعاد السناتور الديمقراطي ديك دوربين، والسناتور الجمهوري روجر ويكر، طرح مشروع قانون لينكولن باسم “قانون برنامج السناتور بول سايمون؛ للدراسة في الخارج”، تيمناً بالسناتور الديمقراطي الراحل الذي دافع بشراسة عن التبادل الدولي بعد هجمات سبتمبر. ويسعى مشروع القانون إلى زيادة عدد الطلاب الدارسين في الخارج إلى مليون طالب خلال عشر سنوات.

السناتور بول سايمون الذي سمي برنامج دعم الدراسة في الخارج تيمناً به- “فورين أفيرز”

آفاق أوسع

على غرار الكثيرين من خريجي برامج التعليم الدولي، يمكنني أن أشهد على الآثار التغييرية للدراسة في الخارج؛ فأنا نشأت في بيكرزفيلد المدينة المعزولة نسبياً في وسط كاليفورنيا، حيث تنتشر كراهية الأجانب ومعاداة الحكومة منذ ما قبل ترامب بزمنٍ طويل، وبعد أن درست في الصين وفي المملكة المتحدة، وتدربت في تايلاند والهند، غيرت هذه التجارب كثيراً من وجهات نظري حول مواضيع كثيرة؛ مثل استثنائية الولايات المتحدة، والسياسة الخارجية وطبيعة التاريخ. ورأيت في الفوضى الديناميكية في بانكوك ونيودلهي تغييراً منعشاً عن أجواء الولايات المتحدة ما بعد هجمات سبتمبر، وأثناء سفري بالقطار عبر الصين رأيت القوة الكبيرة والاتساع الهائل للبنية التحتية للبلاد والتنمية الحضرية فيها، وتحدثت مع أشخاص من عمري ممن خرجوا من الفقر وعلموا أنفسهم اللغة الإنجليزية. إن انفتاح وحيوية وتفاؤل هذه المجتمعات تتناقض بشكل واضح مع العالم كما عرفته عندما كنت في مدينتي.

لقد وضعتني تجربتي في الخارج على مسار تعليمي ووظيفي عالمي متميز؛ فالدراسة في الخارج هي أهم بكثير من أن تكون مجرد امتياز متاح للنخبة فقط. وأنا على عكس الكثير من أقراني في بيكرزفيلد كنت محظوظاً لأن لديَّ آباء غرسوا في فضولاً حول الشؤون العالمية، وأتاحوا لي الدراسة في كليات النخبة دون الحاجة إلى الدعم المالي أو اللوجستي للدراسة في الخارج كما أوصت به لجنة لينكولن؛ ولكنني أعرف كثيرين من مدينتي ممن استحقوا الفرصة الخارجية التي استمتعت بها ورؤية العالم وتوسيع آفاقهم.

دينيار باتيل: أستاذ مساعد للتاريخ في جامعة جاين للإدارة والأبحاث في مومباي.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة