الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

أين ذهبت النوفيلا العربية؟

كيوبوست

منذ سنوات، وتحديدًا مع انتشار الجوائز الأدبية المخصصة للرواية، وكذلك مع الحضور الطاغي للرواية في المشهد الثقافي العربي؛ سواء أكان من حيث مقروئيتها أم على مستوى مبيعاتها أم ترحيب الجوائز بها، سادت الرواية كبيرة الحجم التي يزيد عدد صفحاتها على ثلاثمئة وربما أكثر (ثمة روايات تخطت سبعمئة صفحة)؛ بسبب أن القارئ يريد ذلك ويبحث عن الحكايات الطويلة التي لا تنتهي، في غياب شبه تام للنوفيلا، ذلك الشكل الأدبي الذي أثبت حضوره في الأدب العالمي بروايات خالدة حتى الآن.

اقرأ أيضًا: جوخة الحارثي.. العمانية المُرشحة للفوز بجائزة “مان بوكر” البريطانية

إلياس فركوح

الروائي الأردني إلياس فركوح، قال في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”: “إن النوفيلا ليست غائبة تمامًا، لكنها قليلة بالتأكيد إذا قارناها بالرواية والقصة القصيرة. كما أن مفهوم النوفيلا لا يزال مرتبكًا وغير محدد؛ حتى عند معظم النقاد والقراء، ولا أبالغ إذا قُلت بارتباكه لدى كُتّاب كُثر”. وتابع صاحب “أرض اليمبوس”: “تحضرني اللحظة (أصوات) سليمان فيّاض، واجدًا فيها مثالًا مناسبًا جدًّا لنوفيلا مكتملة؛ ليست رواية وليست قصة قصيرة كذلك، لكنها صُنِّفت في جرد مؤلفاته داخل الكتاب على أنها (رواية قصيرة)! فهل النوفيلا رواية قصيرة والقصة الطويلة نوفيلا؟ أم تقع بين هذه وتلك؟ وماذا عن معظم أعمال محمد البساطي الموسومة بأنها روايات، أوليست في الحقيقة أقرب إلى أن تُقرأ كـ(نوفيلات)؟  بينما (بيانو فاطمة) لمحمد المخزنجي التي نُشرت مؤخرًا تحت تجنيس نوفيلا، أوليست هي كذلك؟ وإذا عُدنا إلى الوراء أكثر فنجدد قراءة (دوائر عدم الإمكان) لمجيد طوبيا، المنشورة بغلاف يشير إلى أنها قصة.. مجرد قصة، بينما أجتهد في أنها نوفيلا”.

وأضاف فركوح: “ثمة نص سردي قصصي طويل كنت كتبته سنة 1989 ونشرته ضمن مجموعة قصصية في السنة التالية سمّيتها “أسرار ساعة الرمل”، غير مدرك أنه ليس مجرد قصة طويلة بل هو نوفيلا -حسب دراسة د.محمد عبيد الله في كتابه “بنية الرواية القصيرة في الأردن وفلسطين” الصادر سنة 2006- وهكذا اضطررت إلى عزلها ونشرها سنة 2010 مع نصٍّ آخر في كتاب مستقل أشرت إليهما بـ: قصتان طويلتان، روايتان قصيرتان”!

اقرأ أيضًا: رحلة داخل مكتبات العالم

زهير كريم

وأوضح الكاتب العراقي زهير كريم، أن النوفيلا بالنسبة إليه جنس مستقل عن الرواية، متابعًا في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”: “أستطيع أن أقدم ثلاثة نماذج نصية: (الغريب) لألبير كامو، و(المسخ) لكافكا، و(الحمامة) لزوسكيند؛ هذه الأعمال بالنسبة إليَّ روايات ولا يمكن لي تحديد اختلافات وشروط أخرى تميزها، وتجعلها تنفصل كجنس آخر عن الرواية، وفي النتيجة هي روايات، قرأناها على أنها روايات رغم قصرها”. وأضاف صاحب “ماكينة كبيرة تدهس المارة”: “أجد أن الغموض رافق مصطلح النوفيلا منذ البداية، غموض ومقاصد لا أعرف ما هي؛ ربما كانت بسبب إيجاد جنس سردي بين القصة القصيرة والرواية. في الواقع، كثير من الروايات، العربية خصوصًا، يمكن أن تنتزع منها مئات الصفحات، والتي هي عبارة عن ثرثرة لا غير، فرواية من مئتي صفحة يمكن أن يبقى منها ثمانون صفحة فقط، فتصبح نوفيلا، لكنها في الأصل رواية”.

وبدورها، قالت الروائية المصرية سهير المصادفة، في تصريحات أدلت بها إلى “كيوبوست”: “إن النوفيلا لم تتغيَّب في العالم العربي فحسب، وإنما تقريبًا في المشهد الأدبي العالمي؛ فلم نعد نقرأ كثيرًا روايات قصيرة عالمية، ويبدو أن النوفيلا ارتبطت واشتبكت وتحاورت مع الفلسفة، فلقد شهد القرن العشرين حراكًا غير مسبوق في نشأة وتبلور نظريات فلسفية كبرى، اكتسحت العالم وأسفرت عن أنظمة سياسية ظلَّت في الحكم سنوات طويلة؛ مثل الماركسية في روسيا مثلًا، بل ظلت بعض المدارس مثل الماركسية والعبثية والوجودية محل اهتمام العالم بالتزامن لفترة من الزمان”.

سهير المصادفة

وتابعت صاحبة “لعنة ميت رهينة”: “بنظرة سريعة على أشهر وأهم الروايات القصيرة العالمية، سنجد أن عمودها الأوَّل هو عمود فلسفي؛ مثل (المسخ) لكافكا أو (مزرعة الحيوانات) لأوريل أو (الغريب) لألبير كامي، وسنلاحظ أن جميعها مكتوبة ابتداء من العقد الثاني من القرن العشرين وحتى ثمانينيات القرن العشرين، القرن الذي يمكنني أن أطلق عليه قرن التصدعات الكبرى؛ حيث الحربَين العالميتَين، واندحار فلسفات ونظريات وأنظمة سياسية كبرى، ولم ينتهِ هذا القرن إلا بإسدال الستار على أيديولوجيات وزعماء وممالك، إذن يمكننا أن نقول إنه قرن الثنائيات الوجودية العظمى، كصراع الرأسمالية والشيوعية مثلًا، وتجلياته على نوفيلا عظيمة مثل (مزرعة الحيوانات)، أو تجليات العبثية والوجودية في أعمال كافكا وألبير كامي”.

اقرأ أيضًا: الفائزة بالبوكر العربية في معرض أبوظبي للكتاب

وأوضحت الروائية المصرية: “لكن بعد أن أجاب العالم عن أسئلته الوجودية الكبرى وأزاح ما أزاح وكرَّس ما كرَّس كان على الكُتَّاب أن يحاصروا كل هذا دفعة واحدة، تراكمات قرن مضى بكل صخبه، وتراكمات حاضر أكثر صخبًا وعنفًا، وتطلعات لمستقبل غامض جدًّا ورمادي في ظل تسابق تكنولوجي ومعرفي غير مسبوق”.

واختتمت المصادفة حديثها لـ”كيوبوست”، قائلةً: “في الأدب توجد دائمًا روايات جيدة وروايات رديئة، ثمة روايات جيدة حتى ولو كانت طويلة، فكيف أطلب مثلًا من (مائة عام من العزلة) أن تكون نوفيلا؟! وكذلك الأمر مع (الحرافيش) أو (ثلاثية نجيب محفوظ)، كما أن ثمة روايات قصيرة فاتنة ولكنها قليلة، خصوصًا في الأدب العربي الذي غاب عمود النظريات الفلسفية المعاصرة عنه، فما قرأته حتى الآن من رواياته القصيرة لا يمكن أن أعتبرها نوفيلا، وإنما قصة قصيرة طالت من كاتبها قليلًا”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات