الرياضةالواجهة الرئيسيةترجمات

أوليمبياد طوكيو 2020.. هل ستتمكن اليابان من إقامة الألعاب بأمان هذا الصيف؟

كيوبوست- ترجمات

تشارلي كامبل♦

حتى أفضل الخطط لم تكن كافية للتغلب على صعوبات عام 2020

عندما التقت صحيفة “التايم” حاكم طوكيو يوريكو كويكي، في أواخر عام 2019، كان في غاية الحماس ترقباً لدورة الألعاب الأوليمبية وأوليمبياد ذوي الاحتياجات الخاصة. وقد توجت لقاءنا معها في المبنى الحكومي الشاهق بدعوتنا إلى جولة عفوية في المعرض المقام على سطح المبنى؛ حيث يمكن للسياح مشاهدة القبعات والقمصان التي تحمل شعار أوليمبياد طوكيو 2020. تجاوزت كويكي حاجزاً أمنياً وجلست إلى بيانو أسود اللون تزينه نقاط باللون الأصفر لتعزف مقطعاً من معزوفة “بوهيميان رابسودي”، وقالت مازحة: “هل تعلم أن هذا البناء هو المفضل عند غودزيلا؟”.

لم يكن باستطاعة الوحش غودزيلا التسبب في أضرار أكبر في طوكيو من تلك التي أحدثتها الجائحة. تم تأجيل الألعاب، واختفى السياح من العاصمة اليابانية، وجرى لقاء صحيفة “التايم” مع كويكي في الرابع عشر من أكتوبر، مع مراعاة تباعد اجتماعي يزيد على ألف ميل عبر تطبيق “زووم”. ومع ذلك، فقد حافظت كويكي على حماستها بعيداً عن التوتر، بينما كانت تناقش خطط دورة الأوليمبياد التي تم تأجيلها إلى الفترة بين 23 يوليو و8 أغسطس. قالت كويكي: “يمكنك أن تشعر أن قوة الريادة أصبحت أكبر بسبب الوضع الحالي. أوليمبياد طوكيو 2020 سيكون رمزياً لإثبات أن الناس جميعاً من مختلف أصقاع الأرض قد هزموا الفيروس”.

اقرأ أيضاً: الدبلوماسية الرياضية: هكذا ضربت القوة الناعمة عبر التاريخ

ولكن في الوقت الراهن، لا يبدو أن تلك الهزيمة مضمونة على الإطلاق؛ فمنذ منتصف ديسمبر أودت الجائحة بحياة أكثر من 1.6 مليون شخص حول العالم. والولايات المتحدة وأوروبا تشهدان ارتفاعات كبيرة قاتلة في فترة الشتاء. وعلى الرغم من أن اليابان تكبدت 2700 وفاة فقط بفضل الضبط التام للمنافذ الحدودية والالتزام الكبير بارتداء الكمامات؛ فإن طوكيو رفعت في ديسمبر مستوى التأهب في القطاع الصحي إلى الحد الأقصى للمرة الأولى.

ومن غير المتوقع أن تبدأ اليابان في حملات التلقيح قبل مارس المقبل، وسيبقى “كوفيد-19” يشكل تهديداً واقعياً في يوليو المقبل.

لا غرابة في أن يعتبر البعض أن خطر إقامة دورة الألعاب يفوق كثيراً ثمارها المرجوة. يقول يوليس بويكوف؛ الأستاذ في جامعة باسيفيك في أوريغون، الذي يقوم بدراسة الألعاب الأوليمبية، والذي مثل الولايات المتحدة في كرة القدم: “إن قرار المضي قدماً بأوليمبياد طوكيو في عام 2021 هو حقاً مسألة حياة أو موت.. نحن نتكلم عن مشهد رياضي اختياري، وليس عن أمر يؤدي خدمة جوهرية للبشرية، وعندما تستهتر بالصحة العامة، فإن العواقب ستكون وخيمة على الفور”.

طوكيو استكملت تجهيز الاستاد الوطني استعداداً لدورة الألعاب الأوليمبية 2020- “أوليمبيك تشانل”

ومع ذلك، فإن إلغاء الدورة ليس خياراً بالنسبة إلى القادة اليابانيين. فجارتهم ومنافستهم، بكين، سوف تستضيف دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية عام 2022، والتي من المرجح أن تُعقد في موعدها، وسيكون الأمر مؤلماً إلى درجة يصعب على طوكيو تحملها إذا جرى إلغاء الأوليمبياد. قال جيف كينغستون؛ البروفيسور في جامعة تيمبل في طوكيو: “لا يمكن أن يحدث ذلك.. سيكون الأمر محرجاً للغاية”.

ويقول توماس باخ؛ رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية: “إن التأجيل حتى عام 2022 غير وارد على الإطلاق؛ فقد بدأ الرياضيون بالاستعداد، وسوف يكون الوقت طويلاً جداً للعديد منهم ليحافظوا على جاهزيتهم.. أيضاً لا يمكنك الاستحواذ على البنى التحتية للدورة لفترة طويلة من الزمن. فعلى سبيل المثال، فإن القرية الأوليمبية سوف تتحول إلى شقق سكنية لسكان طوكيو”.

اقرأ أيضاً: قطر تستعين بحاخام لترتيب ضيافة السياح الإسرائيليين في مونديال 2022

ولكن حتى لو أُضيئت الشعلة الأوليمبية كما هو مخطط لها، فمَن سيأتي؟ فقطاع النقل الجوي قد تضرر بشدة؛ ما يعني أن مجرد نقل نحو 15490 رياضياً من مئتين وست دول ومناطق مختلفة إلى طوكيو سوف يشكل عبئاً ثقيلاً، فضلاً عن 500.000 من المشجعين الذين كان من المتوقع حضورهم لتشجيع 339 حدثاً رياضياً مختلفاً.

ثم إن هنالك عقبة أخرى تتمثل في المحافظة على سلامة الآلاف من الإداريين والحكام وكبار الشخصيات والصحفيين وممثلي الجهات الراعية في واحدة من أكثر مدن العالم ازدحاماً، بالإضافة إلى صعوبة طمأنة 38 مليون مواطن يواجهون احتمال حدوث انتشار فائق لفيروس كورونا يؤدي إلى عواقب كارثية. حتى الآن لم يقدم المسؤولون عن دورة الألعاب الأوليمبية إجابات عن هذه التساؤلات. من المؤكد أن إجراء الاختبارات وارتداء الكمامات والالتزام بقواعد التباعد المكاني ستكون من الأمور الأساسية؛ ولكن المنظمين لم يعلنوا حتى الآن متطلبات الدخول إلى اليابان، ولم يجيبوا عن تساؤلات؛ مثل: هل سيكون أخذ اللقاح إلزامياً؟ وكم سيكون عدد الحضور في الملاعب؟ وهل سيتم تقسيم وعزل القرية الأوليمبية إلى فقاعات؟ وهل ستعقد مؤتمرات صحفية شخصية؟.. إلخ. قال السيد باخ: “إن العمل جارٍ على هذه المسائل”.

هل ستكون اليابان جاهزة لاستضافة الأوليمبياد المؤجل؟- “دويتشه فيله”

إنه قدر طوكيو أن تستضيف أكبر الأحداث الرياضية الدولية بعد عام من موعده المحدد، وفي وقتٍ تسود فيه الشكوك حول الوضع الاقتصادي في العالم بأسره، وفي وسط جائحة لا يتوقع لها أن تنتهي في يوليو المقبل. فهل طوكيو جاهزة فعلاً لكل هذا؟ السيد باخ ليس لديه أي مخاوف، ويقول: “إن طوكيو هي أفضل المدن الأوليمبية استعداداً. ونحن واثقون جداً جداً، وفي هذه اللحظة ليس لدينا أي سبب للتفكير في أن الدورة يمكن ألا تُعقد”.

قالت وزيرة الأوليمبياد اليابانية سيكو هاشيموتو، مؤخراً، إن دورة موسكو الأوليمبية سوف تُقام في هذا الصيف “مهما يكن الثمن”. وهي لم تكن تمزح في ما قالته. أظهرت دراسة لجامعة أكسفورد، نُشرت في سبتمبر، أن هذه الدورة الأوليمبية الصيفية هي الأكثر كلفة على الإطلاق. ومع أن اليابان قد خصصت رسمياً مبلغ 12.6 مليار دولار لهذه الدورة، فقد أفاد تقرير حكومي، العام الماضي، أن الرقم الفعلي يبلغ ضعف ذلك، وكلها أموال عامة باستثناء 5.6 مليار دولار.

تأتي بقية الأموال من الجهات الراعية، التي يُقال إنها تسعى لتأمين 200 مليون دولار إضافية؛ للمساهمة في تكاليف التأجيل التي تصل إلى نحو 2.8 مليار دولار؛ ولكن العديد من الرعاة الكبار يعانون هم أنفسهم الركود الحاد، فقد سجلت شركة الطيران اليابانية “ANA” وشركة وكالة السفر “JTB” خسائر بلغت 1.8 مليار و750 مليون دولار على التوالي في النصف الأول من العام المالي الجاري. ومن غير الواضح إذا كانت الرعاية المقدمة قد حافظت على قيمتها بالنظر إلى اقتراب دورة بكين عام 2022 أو على ميزاتها مثل ضمان الدخول إلى المسابقات الرئيسية. في الواقع، جرى استرداد نحو 18% من التذاكر التي بيعت والتي بلغ عددها 4.45 تذكرة وفقاً للمنظمين.

لقد بدأ دافعو الضرائب الذين تسهم أموالهم في تمويل الألعاب، يتحولون ضدها، فقد أظهر مسح أجرته وكالة أنباء “كايودو” في أكتوبر الماضي أن نسبة اليابانيين الذين يؤيدون إقامة الألعاب في الصيف المقبل لا تتجاوز 38%، بينما أيد نحو 31% منهم تأجيلاً إضافياً، بينما طالب نحو 25% بإلغائها تماماً. كما أن مستوى التأييد الذي يتمتع به رئيس الوزراء الذي ورث الألعاب مع منصبه، في سبتمبر الماضي، بدأ في التراجع. ويعزى السبب في تراجع شعبية يوشيهيدي سوغا إلى مبادرته التي أطلقها لتشجيع السفر والسياحة المحلية، والتي يعتقد أنها كانت وراء الارتفاع الأخير في أعداد الإصابات في البلاد. يحاول سوغا أيضاً الخروج من ظل سلفه شينزو آبي، الذي كان أطول رؤساء الوزراء اليابانيين خدمة عندما استقال في السادس عشر من سبتمبر، بسبب اعتلال صحته. ومع اقتراب موعد الانتخابات اليابانية في أكتوبر المقبل، فإن مصير سوغا مرتبط بشكل كبير بهذه الألعاب. تقول البرلمانية السابقة وأستاذة العلوم الاجتماعية في جامعة واسيدا، مايكو ناكاباياشي: “إنها لعبة تنطوي على كثير من المخاطر الكبيرة بالنسبة إلى رئيس الوزراء سوغا”. فإذا ارتفعت التكاليف بشكل كبير، ولم تلاق الألعاب النجاح المنشود، فهي تتوقع أن “محاولته الاستمرار في سدة السلطة ستكون مهددة بالخطر”.

اقرأ أيضاً: حقائق مثيرة عن العداء بولت.. الرجل البرق الذي احتكر الذهب

حتى قبل تفشي الجائحة عُرفت دورة أوليمبياد 2020 بأنها أكثر الدورات الأوليمبية نحساً؛ فقد تم التخلي عن الشعار الأصلي للدورة بعد اتهامات بالسرقة الأدبية من مسرح في بلجيكا. كما أجبرت الاعتراضات على الكلفة العالية لتصميم زها حديد، لتجديد الاستاد الأوليمبي، والتي بلغت 2.3 مليار دولار، وهي الأعلى في التاريخ، فضلاً عن الاعتراض على التصميم نفسه الذي قيل إنه يشبه سلحفاة عملاقة تنتظر أن تغرق اليابان كي تسبح بعيداً، في نهاية المطاف، على أن يستُبدل بتصميم زها حديد تصميمٌ آخر من الفولاذ والخشب بكلفة 1.4 مليار دولار، للمعماري الياباني كينغو كوما.

تصميم زها حديد للاستاد الأوليمبي الذي تم التخلي عنه كان صديقاً للبيئة- “إنهابيتات”

وظهرت عناوين رئيسية تتراوح بين احتمال تلوث خليج طوكيو؛ حيث ستُقام منافسات الرياضات المائية، بمياه الصرف الصحي، إلى احتمال غرق الجزر الصناعية، التي أقيمت عليها نصف منشآت المنافسات؛ بسبب الزلازل التي تضرب المنطقة بانتظام. وفي العام الماضي استقال رئيس اللجنة الأوليمبية اليابانية تسونيكازو تاكيدا، بعد أن نفى ارتكابه أية مخالفات، قبل أن يعترف بإعطائه الضوء الأخضر لدفع مبلغ مليوني دولار لشركة استشارية سنغافورية اتهمها محققون فرنسيون بشراء أصوات اللجنة الأوليمبية الدولية، وأخيراً جاءت الجائحة.

اقرأ أيضاً: Icarus .. عندما تتدخل السياسة في الرياضة

لم يكن من المفترض أن تسير الأمور بهذه الطريقة؛ فاليابان لها تجربة سابقة في الاستفادة من الألعاب الأوليمبية التي استضافتها طوكيو عام 1964 لبلسمة جراح الحرب العالمية الثانية، وتحويل الدولة الحليفة -التي كانت عدواً- للولايات المتحدة إلى ملعب للتكنولوجيا المتطورة. فقد كشف النقاب عن قطار سينكانسن السريع الذي عرف باسم “الطلقة” -الذي كان أول قطار سريع في العالم- قبل أسبوع من حفل افتتاح الدورة، تم إغلاق الأنهار وبناء الجسور لتصل بين أحياء المدينة التي كانت معزولة. كان الأوليمبياد بمثابة لحظة خروج رسمت ملامح المدينة التي نعرفها اليوم باسم طوكيو.

تأمل اليابان بأن تعيد الكرَّة مجدداً؛ فقد شجعت آلاف الأطنان من الأسمنت المسكوب والحديد المصهور البنوك على الإقراض، وساعدت على إطلاق اقتصاد راكد. قال آدم جيرمان، الوسيط العقاري الكندي المقيم في اليابان منذ ستة عشر عاماً: “كان الأوليمبياد ذريعة لفتح الخزائن وإطلاق كل هذه المشروعات وتجديد مناطق المدينة التي تحتاج إلى عمليات شد الوجه”. أدت التعديلات التي حدثت في الفنادق والمباني العامة ومراكز وسائل النقل إلى تجهيز طوكيو؛ ليس فقط للرياضيين والمشجعين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن لسكانها من كبار السن أيضاً. علق السياسيون آمالاً كبيرة على أن يؤدي تدفق المشجعين الأجانب إلى تحضير هذا المجتمع المتجانس لتقبل قوانين الهجرة المتساهلة الضرورية لمواجهة الحاجة الكبيرة إلى العمالة الماهرة. تقول كويكي: “نريد تحقيق أقصى استفادة من هذه الفرصة لتعريف طوكيو بأكبر عدد ممكن من الأشخاص والأماكن”.

اقرأ أيضاً: إشكاليات تعزيز المساواة بين الجنسَين في الرياضة

كان من المفترض بأوليمبياد طوكيو 2020 أن يستعرض قدرات اليابان على إعادة التدوير والتكنولوجيا والاستدامة. فقد تم صنع 5000 ميدالية ذهبية وفضية وبرونزية من مواد استعيدت من أدوات قديمة؛ من بينها 6.21 مليون جهاز هاتف خليوي قديم. حتى الجزر الاصطناعية أُنشئت من مخلفات محطات حرق نفايات الصناعات عالية التقنية. ولو أن الألعاب أقيمت وفقاً لما كان مخططاً لها لكانت السيارات ذاتية القيادة تنقل الرياضيين بين مواقع الألعاب، ولكانت الروبوتات متعددة اللغات هي التي توجه الزوار، ولكانت الشهب الاصطناعية لتذهل المتفرجين في حفل الافتتاح، وكان الرياضيون ليناموا على أسرة مصنوعة من الورق المقوى المعاد تدويره.

ميداليات أوليمبياد طوكيو سوف تصنع من البرونز والفضة والذهب المعاد تدويره من أجهزة الهاتف الخليوي القديمة- “إنهابيتات”

والآن سيتعين وضع العديد من هذه الابتكارات على الرف. كويكي تصر على أنه يمكن تعزيز الثقافة الخضراء بالاستفادة من الجائحة؛ لإضفاء أشكال أكثر من الاستدامة على الألعاب في المستقبل. تقول كويكي: “ليست غايتنا هي خفض التكاليف فحسب؛ بل إظهار النموذج الجديد من الألعاب الأوليمبية، وأوليمبياد ذوي الاحتياجات الخاصة.. وسيتم بعد ذلك تمرير هذا التوجه إلى المدن المضيفة في المستقبل؛ مثل بكين وباريس ولوس أنجلوس”.

اقرأ أيضاً: الإمبراطور الياباني.. من الألوهية إلى الرمزية

لكن من ناحية أخرى، يواجه الأوليمبياد قضايا مجتمعية، فبالإضافة إلى الجائحة جرى استهداف دورة طوكيو الأوليمبية من أجل حملات العدالة الاجتماعية والمساواة العرقية؛ خصوصاً حركة “حياة السود مهمة”. فقد احتضنت الامتيازات الرياضية من الدوري الأمريكي للمحترفين، إلى الدوري الإنجليزي لكرة القدم هذه الحركة، ودعم الجميع من رئيس ألعاب القوى العالمية سيباستيان كو، إلى اللجنة الأوليمبية الأمريكية، حق الرياضيين في الاحتجاج السلمي؛ إلا أن اللجنة الأوليمبية الدولية لم تفعل ذلك، ولا تزال حتى الآن ترفض إجراء مراجعة للمادة 50 من ميثاق الأوليمبياد التي تمنع المظاهرات والاحتجاجات السياسية أثناء الألعاب. يقول باخ إنهم يجرون مشاورات في الوقت الراهن لإجراء بعض التعديلات؛ ولكنه يستشهد بمعارضة بعض الرياضيين من دول مختلفة. والرياضيون الذين سيركعون على ركبتهم في أوليمبياد طوكيو ربما سيواجهون العقوبات نفسها التي طالت العداءين الأمريكيَّين تومي سميث وجون كارلوس، اللذين استُبعدا من أوليمبياد المكسيك عام 1968؛ لأنهما رفعا قبضتيهما على المنصة احتجاجاً على العنصرية. يقول باخ: “نعتقد أن ميدان اللعب والاحتفال ليس هو المكان المناسب لذلك، يمكن للرياضيين أن يعبروا عن أنفسهم خلال المؤتمرات الصحفية، ووسائل التواصل الاجتماعي، واجتماعات الفرق، وفي جميع الفعاليات المختلفة أينما كانت”.

العداءان الأمريكيان تومي سميث وجون كارلوس يرفعان قبضتيهما على منصة التتويج احتجاجاً على العنصرية- “إي بي سي نيوز”

إلا أن ذلك قد لا يكون كافياً بالنسبة إلى الكثير من الرياضيين الذين يرون أن الألعاب الأوليمبية كانت تتعاطى بالشأن السياسي منذ زمن طويل، عندما كانت ترغب في ذلك. فقد تم حظر دولة جنوب إفريقيا في حقبة الفصل العنصري -تم تطبيق هذه العقوبة للمرة الأولى في أوليمبياد طوكيو 1964- بينما سُمح لكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية بالسير والتنافس تحت علم موحد في أوليمبياد بيونغ تشانغ الشتوي عام 2018. ومؤخراً، اتخذت اللجنة الأوليمبية الدولية خطة مثيرة للجدل بإدخال رقصة “البريك دانس” ضمن دورة ألعاب باريس 2024، ولكنها لا تزال تتردد عندما يتعلق الأمر بالاحتجاج السلمي، على الرغم من الدعم الشعبي الغامر. يقول روبرت كوهلر؛ المدير العام لمؤسسة “غلوبال أثليت”، التي تدافع عن حقوق الرياضيين: “يجب على اللجنة الأوليمبية الدولية أن تبدي دوراً قيادياً”.

يشير مؤيدو دورة طوكيو إلى أن زيادة الألعاب في كل دورة هو أمر محفوف بالمشكلات؛ فقد كانت دورة ريو دي جانيرو عام 2016 مثقلة بالاتهامات بتدني مستوى جودة الأبنية، والتلوث المستشري والفساد، وكذلك أوليمبياد لندن عام 2012 الذي اتهم بعدم الوفاء بالوعود المقطوعة بإحياء المناطق المحرومة من المدينة، وباحتكار شركة “ماكدونالدز” للبطاطا المقلية، الذي أضر ببائعي السمك والبطاطس التقليديين في البلاد. ولكن بمجرد أن تنفجر الألعاب النارية في سماء ليلة الافتتاح يهيمن الأداء الرياضي القوي على المشهد، وكل ما يبقى في ذهن الناس هو الأبطال الحائزون على الميداليات، وحشود المشجعين.

اقرأ أيضاً: “كاروشي”.. تقتل آلاف اليابانيين سنوياً

بينما وصف على أنه اختبار رئيسي، استضافت طوكيو في الثامن من نوفمبر أول حدث رياضي دولي لها منذ بداية الجائحة، وأقام ملعب يوكوهاما للبيسبول مباريات حضرها نحو 30.000 متفرج. وعندما تنافس 30 لاعباً من اليابان والصين وروسيا والولايات المتحدة في مسابقة الصداقة والتعاون أمام ألفي مشجع، خضع المتنافسون الأجانب إلى حجر صحي لمدة 14 يوماً، وأُخضعوا للعزل الكامل في فنادقهم بين المباريات وأُخضعوا لفحوصات يومية. أما المشجعون فقد تم أخذ درجة حرارتهم وعقمت أيديهم كما كان يُعقم المكان بأكمله؛ حيث كانت المقاعد متباعدة في ما بينها، وارتدى الجميع الكمامات، وتم حظر الهتاف. وفي تصريحٍ له بعد الحدث، قال بطل ألعاب القوى الياباني كوهي أوشيمورا، مدافعاً عن الأوليمبياد: “لقد كان نموذجاً جيداً للرياضات الأخرى وللرياضيين الآخرين”.

استاد يوكوهاما للبيسبول- وكالات

وعلى الرغم من كل ذلك؛ فإن هذه الدورة ستكون مختلفة عن أية دورة أخرى، فإجراءات الإقفال في مختلف الدول أدت إلى إحداث بلبلة في جداول التدريب، وربما سيضطر بعض الرياضيين إلى الانسحاب في حال جاءت اختباراتهم إيجابية؛ وذلك ربما سيعزز آمال الدول التي تغلبت على الفيروس أو تلك القادرة على شراء اللقاح، على حساب الدول الفقيرة أو التي عجزت عن السيطرة على الجائحة.

لقد كانت التضحية في سبيل السعي إلى التفوق هي ما يميز الألعاب الأوليمبية، قبل أن يقتحمها السياسيون والجهات الراعية، وهذا هو ما يلهم مئات الملايين من محبي الرياضة في العالم. المخاطر في هذا العام أكبر من أي وقت مضى، والتحدي الحقيقي قد لا يكون اللقاح، أو السيطرة على المنافذ الحدودية أو المدرجات الفارغة؛ بل هو الوفاء بالمهمة السامية في “تعزيز الروابط الإنسانية”، كما تقول كويكي.. بداية جديدة من البرونز والفضة والذهب.

♦مراسل صحيفة التايم لمنطقة شرق آسيا

المصدر: التايم

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة