الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

أولاف شولتس: كيف نتجنب حرباً باردة جديدة في عصر متعدد الأقطاب؟

المستشار الألماني يدعو الأنظمة الديمقراطية الكبرى للعمل مع البلدان الناشئة من أجل الدفاع عن نظام عالمي يربط القوة بالقواعد ويواجه أفعالاً تهدف إلى تقويض النظام الحالي

كيوبوست – ترجمات 

نشرت مجلة فورين أفيرز الدولية مقالة للمستشار الألماني أولاف شولتس، قال فيها إن العالم يواجه اليوم منعطفاً تاريخياً. حيث وضعت الحرب العدوانية التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا حداً لحقبة تاريخية، ونشأت قوى جديدة أو عادت إلى الظهور مجدداً، بما في ذلك الصين القوية اقتصادياً والحازمة سياسياً. وفي هذا العالم الجديد متعدد الأقطاب، تتنافس بلدان ونماذج حكم مختلفة على السلطة والنفوذ.

اقرأ أيضاً: عندما تتحرك ألمانيا يجب على العالم أن ينتبه

وأضاف شولتس أن ألمانيا تبذل كل ما في وسعها للدفاع عن نظامٍ دولي قائم على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. حيث إن ديمقراطيتها وأمنها وازدهارها تعتمد على قوة ملزمة لقواعد مشتركة. ولهذا السبب فإن “الألمان عازمون على أن يصبحوا الضامن للأمن الأوروبي الذي يتوقع حلفاؤنا أن نكونه، وأن نبني جسوراً داخل الاتحاد الأوروبي، وأن ندافع عن الحلول المتعددة الأطراف للمشاكل العالمية”.

وأشار المستشار الألماني إلى أن هذا المنعطف التاريخي يتجاوز الحرب في أوكرانيا، كما يتجاوز مسألة الأمن الأوروبي. ليظل السؤال المحوري هو: “كيف يمكننا، كأوروبيين وكاتحاد أوروبي، أن نظل أطرافاً فاعلة مستقلة في عالم تتعدد أقطابه على نحو مطرد؟”.

جنود الجيش الألماني في كتيبة تابعة للناتو بقاعدة روكلا العسكرية في ليتوانيا

وفي هذه الحقبة الجديدة، بدا من الممكن أن تصبح روسيا شريكاً للغرب بدلاً من العدو الذي كان عليه الاتحاد السوفيتي. ونتيجة لهذا عملت أغلب الدول الأوروبية على تقليص جيوشها وخفض ميزانياتها الدفاعية. حيث استخلصت مجتمعات المال والأعمال الألمانية استنتاجاتها الخاصة من المسار الجديد للتاريخ.

وأدى سقوط الستار الحديدي والاقتصاد العالمي الأكثر تكاملاً إلى فتح فرص وأسواق جديدة، لاسيما في بلدان الكتلة الشرقية السابقة، وأيضاً في بلدان أخرى ذات اقتصادات ناشئة، وخاصة الصين.

اقرأ أيضاً: أولاف شولتز.. الشخصية الرواقية ومدبر أزمات ألمانيا

وبحسب شولتس فقد أثبتت روسيا، بمواردها الهائلة من الطاقة والمواد الخام الأخرى، أنها مورد جدير بالثقة خلال الحرب الباردة، وبدا من المعقول، على الأقل في البداية، توسيع تلك الشراكة الواعدة في وقت السلم. ثم جاء الهجوم الروسي الوحشي على أوكرانيا في فبراير 2022 ليبشر بواقع جديد كلياً، وهو عودة الإمبريالية إلى أوروبا.

يقول: “لأن روسيا تستخدم بعضاً من أبشع الأساليب العسكرية في القرن العشرين، وتتسبب في معاناة لا توصف في أوكرانيا، لا ينبغي للعالم أن يسمح لبوتين بتحقيق غايته؛ ولا بد من وقف الإمبريالية الانتقامية التي تمارسها روسيا”.

كما يشير إلى أن الدور الحاسم لألمانيا في هذه اللحظة يتمثل في تعزيز دورها كإحدى الجهات الرئيسة التي توفر الأمن في أوروبا، من خلال الاستثمار في المؤسسات العسكرية، وتعزيز صناعة الدفاع الأوروبية، وتعزيز الوجود العسكري على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، وتدريب وتجهيز القوات المسلحة الأوكرانية.

جنود من هولندا وسط الجنود الألمان في كتيبة الدبابات المشتركة في إطار التعاون العسكري الأوروبي

 

وسوف يتطلب الدور الجديد الذي تلعبه ألمانيا ثقافة استراتيجية جديدة، وسوف تعكس استراتيجية الأمن القومي التي ستتبناها حكومة المستشار الألماني، بعد بضعة أشهر من الآن، هذه الحقيقة. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كانت القرارات المتعلقة بأمن ألمانيا، ومعدات قواتها المسلحة، تُتخذ على خلفية السلام في أوروبا، والآن هناك واقع جديد.

ويرى شولتس أن الشراكة عبر الأطلسي كانت ولا تزال تشكل أهمية بالغة في مواجهة هذه التحديات. ويستحق الرئيس الأمريكي جو بايدن وإدارته الثناء على بناء الاستثمار في شراكات وتحالفات قوية في جميع أنحاء العالم. ولكن الشراكة المتوازنة والمرنة عبر الأطلسي تتطلب أيضاً أن تلعب ألمانيا وأوروبا أدواراً نشطة.

اقرأ أيضاً: هل تكون ألمانيا بديلاً لفرنسا في مالي؟

ومن عام 2014 إلى عام 2020 كانت ألمانيا أكبر مصدر للاستثمارات الخاصة والمساعدات الحكومية في أوكرانيا. ومنذ بدء الغزو الروسي، عملت ألمانيا على تعزيز دعمها المالي والإنساني لأوكرانيا، وساعدت في تنسيق الاستجابة الدولية أثناء توليها رئاسة مجموعة الدول السبع.

وينبغي ألا تؤدي تصرفات حلف شمال الأطلسي إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، بل يتعين على الحلف ردع أيّ عدوان روسي آخر. وتحقيقاً لهذه الغاية، زادت ألمانيا بشكلٍ كبير من وجودها على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، كما عزَّزت المجموعة القتالية لحلف شمال الأطلسي بقيادة ألمانيا في ليتوانيا وخصصت لواء لضمان أمن ذلك البلد.

المستشار الألماني يتلقى ترحيباً حاراً في البوندستاغ عندما أعلن عن تحول في السياسة بشأن روسيا بعد غزوها أوكرانيا

ولفت المستشار الألماني إلى الرسالة الواضحة الموجهة إلى موسكو، والتي مفادها “نحن عازمون على الدفاع عن كل شبر من أراضي حلف شمال الأطلسي ضد أيّ عدوان محتمل. وسوف نفي بتعهد حلف شمال الأطلسي الجاد بأن الهجوم على أي حليف سيعتبر هجوماً على الحلف بأكمله”. كما وصف شولتس خيار روسيا الأخير بشأن الأسلحة النووية بأنه “يتسم بالتهور وانعدام المسؤولية”.

اقرأ أيضاً: تدمير محطة زابوريجيا النووية.. كابوس يؤرق العالم!

ومن بين الأخطاء العديدة التي ارتكبها بوتين رهانه على أن غزو أوكرانيا سيؤدي إلى توتر العلاقات بين خصومه. والواقع أن العكس هو ما حدث، إذ أصبح الاتحاد الأوروبي والتحالف عبر الأطلسي أقوى من أي وقتٍ مضى. ويتجلى ذلك في أوضح صوره في العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي تواجهها روسيا.

كما أكد شولتس أنه خلال زيارته لبكين في نوفمبر، اتفق مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على أن التهديد باستخدام الأسلحة النووية أمر غير مقبول، وأن استخدام مثل هذه الأسلحة المروعة من شأنه أن يتجاوز خطا أحمر رسمته البشرية بكل وضوح. ويتعين على بوتين أن يصغي جيداً لهذه التحذيرات.

بعد الغزو الروسي لأوكرانيا قام المستشار الألماني بتجميد الموافقة على فتح خط “نورد ستريم2” لنقل الغاز بين روسيا وألمانيا

من جانب آخر، قال المستشار الألماني أنه عند تولي منصبه لم يكن لدى ألمانيا خطة قائمة في حال قررت روسيا وقف شحنات الغاز إلى أوروبا. لكن الآن تعمل حكومته على إعادة محطات الطاقة التي تعمل بالفحم إلى الشبكة بشكلٍ مؤقت، والسماح لمحطات الطاقة النووية الألمانية بالعمل لفترة أطول مما كان مخططاً له في الأصل بهدف سد أي نقص محتمل في الطاقة في ألمانيا وأوروبا ككل.

اقرأ أيضا: ماذا لو ربح بوتين؟ كيف ستغير سيطرة روسيا على أوكرانيا وجه أوروبا؟

كما أصدر تكليفاً بأن تفي مرافق تخزين الغاز المملوكة للقطاع الخاص تدريجياً بالحد الأدنى من مستويات الملء. حيث أظهرت الحرب الروسية أن تحقيق الأهداف الطموحة ضروري للدفاع عن أمن أوروبا واستقلالها. كما سيؤدي الابتعاد عن مصادر الطاقة الأحفورية إلى زيادة الطلب على الكهرباء والهيدروجين الأخضر، وتستعد ألمانيا لتحقيق هذه النتيجة من خلال التعجيل بالتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.

وبالتالي تسعى ألمانيا إلى توليد 80% على الأقل من الكهرباء التي يستخدمها الألمان من مصادر الطاقة المتجددة، وبحلول عام 2045 سوف تتمكن من تحقيق صافي صفر من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي، أو “الحياد المناخي” بحلول عام 2030

أحد مفاعلات الطاقة التي أغلقتها ألمانيا في إطار خطة التحول نحو الطاقة المتجددة وملف التغير المناخي

 وأشار المستشار الألماني إلى أن بوتين “أراد تقسيم أوروبا إلى مناطق نفوذ، وتقسيم العالم إلى كتل من القوى العظمى، والدول التابعة”. لكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن “حربه لم تؤدِّ إلا إلى دفع الاتحاد الأوروبي إلى الأمام”.

ففي المجلس الأوروبي في يونيو 2022، منح الاتحاد الأوروبي أوكرانيا ومولدوفا وضع “الدول المرشحة”، وأكد من جديد أن مستقبل جورجيا يكمن في أوروبا.

اقرأ أيضاً: لماذا يتعين على الناتو التخطيط لحرب نووية؟

يقول: “اتفقنا على أن انضمام بلدان غرب البلقان الستة إلى الاتحاد الأوروبي لا بد وأن يصبح في النهاية حقيقة واقعة، وهو هدف ألزم نفسي شخصياً ببلوغه. ولهذا السبب قمت بإحياء ما يسمى بعملية برلين لغرب البلقان، والتي تهدف إلى تعميق التعاون في المنطقة، والتقريب بين بلدانها ومواطنيها، وإعدادهم للاندماج في الاتحاد الأوروبي”.

وبحسب شولتس، فإن أحد المجالات التي تحتاج فيها أوروبا بشكلٍ عاجل إلى إحراز تقدم هو الدفاع في المجالين الجوي والفضائي. ولهذا السبب تعتزم ألمانيا تعزيز دفاعها الجوي على مدى السنوات المقبلة، كجزء من إطار حلف شمال الأطلسي، من خلال اكتساب قدرات إضافية. حيث أطلق هذه المبادرة لجيران ألمانيا الأوروبيين، وكانت النتيجة مبادرة درع السماء الأوروبي، التي انضمت إليها 14 دولة أوروبية أخرى في أكتوبر الماضي.

المستشار الألماني ووفده خلال اجتماع مع رئيس مجلس الدولة الصيني في قاعة الشعب الكبرى في بكين، نوفمبر 2022

كما يرى شولتس أن الحرب العدوانية التي شنتها روسيا هي التي أشعلت شرارة التحول التاريخي، إلا أن التحولات الجذرية كانت أعمق بكثير. “فالتاريخ لم ينته، كما توقع البعض، بالحرب الباردة”. بيد أن التاريخ لا يعيد نفسه.

يقول: “يفترض الكثيرون أننا على شفا حقبة ثنائية القطب في النظام الدولي. وهم يرون بزوغ فجر حرب باردة جديدة تلوح في الأفق، حرب من شأنها أن تضع الولايات المتحدة في مواجهة الصين”.

اقرأ أيضاً: القدرة على الفعل.. ميزات أمريكا وفرص بايدن

لكنه أعرب عن تأييده الراسخ للنظام الدولي القائم على القواعد، وعلى النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً على دعم التجارة المفتوحة والعادلة. وستواصل ألمانيا، بالتنسيق مع شركائها الأوروبيين، المطالبة بتكافؤ الفرص للشركات الأوروبية والصينية. لكن الصين “لا تفعل إلا أقل القليل في هذا الصدد، وقد اتخذت منعطفاً ملحوظاً نحو العزلة وبعيداً عن الانفتاح” على حد قوله.

وختم شولتس مقالته بالقول إنه سيكون لزاماً على الأنظمة الديمقراطية الكبرى أن تعمل مع البلدان الناشئة من أجل الدفاع عن نظام عالمي يربط القوة بالقواعد، ويواجه أفعالاً تهدف إلى تقويض النظام الحالي مثل الحرب العدوانية التي تخوضها روسيا. غير أن هذا الجهد سوف يتطلب قدراً من البراغماتية والتواضع.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة