الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

أوكرانيا: سجل صاخب من الاختراق والشرذمة

 كيوبوست

قبل تبلور الهوية الأوكرانية بصيغتها الحالية، غزَت عدة قبائل مناطق مختلفة من ما يعرف اليوم بأوكرانيا، وذلك خلال الألفية الأولى قبل الميلاد، ومن ضمن تلك القبائل الهنود الكيميريون، والسكيثيون والسارماتيون المنحدرون من بلاد فارس، أما في الألفية الأولى ميلادية، فقد سكنت أوكرانيا قبائل كالقوط والهون والبلغار والخزر والمجريين.

كان الحدث المفصلي في تشكل هوية المنطقة، سواء لأوكرانيا أو لروسيا أو لبيلاروسيا، نهاية القرن الرابع، عندما استقرت القبائل السلافية الشرقية (التي ينحدر منها الروس والأوكران والبيلاروس) هناك.

اقرأ أيضًا: السفير البريطاني السابق في موسكو لـ”كيوبوست”: الروس لم يفوا بوعودهم وغزو أوكرانيا لا يحمل أي انتصار

فمع نهايةِ القرن التاسع الميلادي، قامت دولة “روس الكييفية”، التي ضمت القبائل السلافية الشرقية في أوكرانيا وبيلاروس، وروسيا، إضافة إلى الفنلنديين، وخلال منتصف القرن الحادي عشر، كانت دولة روس الكييفية أكبر وأقوى دولة في أوروبا، فيما كانت العاصمة الأوكرانية الحالية “كييف” مركزاً للدولة.

بدأت دولة روس الكييفية بالتدهور خلال قرنها الأخير (القرن الثالث عشر)، نتيجة انتشار الأمراض وانهيار اقتصادها، فيما تمثلت الضربة القاضية بالغزو المغولي في منتصف القرن الثالث عشر، ما أدَّى إلى تفتت روس الكييفية للأبد.

تعتبر أوكرانيا من أكبر منتجي القمح في العالم- flickr

شرذمة واحتلالات

لطالما اعتُبر الموقع الجغرافي عاملاً مهماً بالاستقرار السياسي، وفقاً للمعايير الجيوسياسية، ولحظها العاثر تموضعت أوكرانيا، البالغة مساحتها 603,549 كيلومتراً مربعاً، في أقصى أوروبا الشرقية، ما جعل منها منطقة متنازعاً عليها من قبل جارتها العملاقة روسيا التي تحدها من الشرق، وخصومها الغربيين.

ويبدو اسم أوكرانيا، الذي معناه في اللغة السلافية الشرقية “الحافة” أو “المنطقة الحدودية”، السبب الرئيس للصراع الدائم عليها، حيث يعتبرها الروس حدوداً لأرضهم.

لكن قبل الصراع المعاصر للسيطرة على نظام الحكم فيها، تعرضت أوكرانيا للاختراق والشرذمة عدة مرات، فبعد زوال السيطرة المغولية على أوكرانيا في أوائل القرن الخامس عشر، تم دمج أجزاء كبيرة من أوكرانيا في دوقية ليتوانيا الكبرى، كما سقطت أجزاء أخرى منها تحت سيطرة بولندا وروسيا.

اقرأ أيضًا: مؤشرات قوية على بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا قريبًا

فيما ثار القوزاقيون (مجموعة إثنية) عام 1648م ضد البولنديين، وسيطروا في العام التالي على منطقة “هتمانات” في وسط أوكرانيا مؤسسين دولتهم، التي تم حلها من قبل إمبراطورة روسيا كاثرين العظيمة عام 1764م، بعد أن سقطت معظم أوكرانيا تحت الحكم الروسي.

كانت الثورة البلشفية بمثابة طوق نجاة بالنسبة لأوكرانيا، فبعد أن كانت لمدة قرن جزءاً من روسيا القيصرية، أصبحت معظمُ المنطقة الأوكرانية جمهورية، لكنها تابعة للاتحاد السوفيتي، في أعقاب الثورة عام 1917م، مع ذلك لم تسلم أوكرانيا كاملة، إذ جرى تقسيم أجزاء من غربها بين بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا.

خلال الحرب العالمية الثانية عام 1941م، سقطت أوكرانيا في قبضة الاحتلال النازي بعد اجتياحها من قبل الجيش الأوكراني الموالي لدول المحور، وبقيت تحت الاحتلال النازي الذي تعرضت خلاله للدمار لغاية عام 1944م، عندما تمكن السوفييت من استعادتها.

اندلعت فيها ثورة ملوّنة بعد جولة إعادة التصويت على الانتخابات الرئاسية الأوكرانية 2004م- atlantic council

بحلول نهاية الحرب عام 1945م، تم إعادة ترسيم حدود جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفييتية لتشمل أخيراً أراضيها الغربية. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م أعلنت أوكرانيا استقلالها.

ما بعد الاستقلال

حتى بعد إعلان استقلالها، لم تنعم أوكرانيا بالاستقرار خلال التسعينيات، فقد شهدت اضطرابات أثناء محاولتها تنفيذ إصلاحاتٍ اقتصادية وسياسية، على الرغم من خيراتها الوفيرة، إذ تعتبر من أكبر منتجي القمح في العالم، فخلال عام 2021م بلغ إنتاج القمح الأوكراني 33 مليون طن متري.

كما اندلعت فيها ثورة ملوّنة (الثورات الملونة تشير إلى الحركات المطلبية والعصيان المدني في الدول المعادية للغرب)، وذلك بعد جولة إعادة التصويت على الانتخابات الرئاسية الأوكرانية 2004م، وذلك احتجاجاً على نتائجها، بدعوة أنها فاقدة للمصداقية، كما طالبت الثورة بالحد من التدخل الروسي، وإرساء نظام حكم ديمقراطي.

اقرأ أيضًا:  مستنداً إلى التاريخ.. بوتين يكتب: الروس والأوكرانيون كانوا شعباً واحداً (1-3)

على مدار عشرِ سنواتِ تلَت الثورة البرتقالية، بقيت أوكرانيا منقسمة على أسسٍ إقليمية وعرقية، حتى اندلعت ثورة أخرى عام 2014م، تمكنت من إسقاط النظام وطرد الرئيس الأوكراني المُنتخب، فيكتور يانوكوفيتش، الموالي لروسيا.

في ذات العام احتلت روسيا جمهورية القرم الأوكرانية ذات الحكم الذاتي، وفي مارس 2014م، أعلنت شبه جزيرة القرم استقلالها عن أوكرانيا، وضمتها روسيا. وفي أواخر عام 2021م، بدأت روسيا حشداً عسكرياً على طول حدودها مع أوكرانيا، بزعم السيطرة الغربية عليها، واستخدامه لأراضيها لمحاربة روسيا، عبر ضمها لحلف الناتو، وبناءً على تلك الادعاءات التي نفتها أوكرانيا، تجتاح القوات الروسية هذه الأيام الأراضي الأوكرانية من عدة جبهات، لتغييرِ نظام الحكم الذي تصفه بــ”الدمية” التابعة للغرب.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة