الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

أورهان باموق يكتب: بين التهديد بالقتل والحراس الشخصيين.. من أين تأتي الكراهية؟!

كيوبوست- ترجمات

أورهان باموق♦

حول حادثة الهجوم على الكاتب سلمان رشدي، مؤخراً، وتجربة المبدع مع تهديد حياته وعلاقته بالمجتمع والمقدسات، كتب الروائي التركي المعروف أورهان باموق، مقالة نشرتها مجلة “أتلانتيك“؛ حيث تطرق باموق إلى تجربته الشخصية مع التهديد وفرض الحراسة لضمان السلامة الشخصية، فضلاً عن فكرة الكراهية التي تكمن خلف هذه الأزمة وعلاقتها بالتدين والفقر والتوجهات القومية، وذلك كالتالي:

اقرأ أيضاً: آية الله الخميني لم يقرأ كتاب سلمان رشدي

عندما أخبرت بعض الأصدقاء أنني أريد أن أكتب مقالاً عن الاعتداء على سلمان رشدي، حذروني بأن أتوخى الحذر؛ على الرغم من أنني، ولمدة 15 عاماً، كنت تحت حماية حراس شخصيين عينتهم لي الحكومة التركية.

وقد كان من المحبط أن نرى الطريقة التي تم بها استقبال الهجوم على رشدي ببعض الاستحسان في إيران وغيرها من الدول الإسلامية؛ حيث قال العديد من الأشخاص لوكالة “أسوشييتد برس”، إنهم سعداء لسماع أن الكاتب -الذي شعروا أن روايته “آيات شيطانية” الصادرة عام 1988 أهانت العقيدة الإسلامية- قد تعرَّض إلى الأذى. وأنا لا أرغب في تقديم استنتاجات انطلاقاً من تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن إلقاء نظرة سريعة على مختلف المنصات في تركيا، حيث أعيش، يُظهِر أن العديد من الناس يعتقدون أن الكاتب استحق ما حدث له.

مسرح الجريمة حيث طعن رشدي عدة مرات بينما كان على وشك إلقاء محاضرة عامة في معهد تشوتوكوا

وأولئك الذين أدانوا الهجوم في الصحف المطبوعة -التي يخضع معظمها لسيطرة الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر- نادراً ما يفعلون ذلك باسم حرية التعبير، زاعمين أنها كانت عملية زائفة نظمها الغرب، لوضع الدول الإسلامية والإسلام في صورة سيئة. وحتى بين الكتاب والمثقفين الأتراك الذين أعرف أنهم يقدرون حرية التعبير، كان القليل منهم حريصاً على الاحتجاج أو حتى لفت الانتباه إلى الأمر.

اقرأ أيضاً: ردود أفعال الإيرانيين على الهجوم على سلمان رشدي تتراوح بين الإشادة والقلق

وقد أجريت العديد من المناقشات الطويلة مع كتاب تلقوا تهديدات بالقتل؛ خصوصاً من “المتطرفين الإسلاميين”، ومع الكتاب والصحفيين الذين -لأسباب مختلفة- يعيشون تحت التهديد في البلدان الإسلامية.

وبالنسبة إليَّ، فإن التهديدات التي أواجهها في تركيا ليست في الأساس من المتطرفين الإسلاميين؛ بل من القوميين الذين يعارضون تعليقاتي على الإبادة الجماعية للأرمن ويعتقدون أنني أهين التاريخ التركي؛ رغم أن هاتين المجموعتين في الحقيقة ليستا بعيدتَين عن بعضهما البعض، وتركيا يحكمها حالياً تحالف إسلامي قومي.

باموق وسط حراسه الشخصيين بعد اتهامه بإهانة التاريخ الوطني إثر انتقاده مذابح الأرمن

وبالطبع، تظل الحياة تحت المراقبة الوقائية وكأنها محنة خانقة؛ وهذا يعني أن المرء لا يستطيع أن يختبر بشكل كامل لذة أن يكون منسياً. وقد كان عدد حراسي يتذبذب اعتماداً على أين أنا وما المزاج السياسي. كما كانت هناك أوقات، على الأقل قبل اتهامي بإهانة الحكومة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، واجهت فيها وابلاً من التهديدات بالقتل، ورفضت الحراس الشخصيين حتى لا أعيق التدفق الطبيعي لحياتي اليومية.

ثم تم تعيين حراس على منزلي ومكتبي، رجال شرطة بملابس مدنية أرسلتهم الدولة، وعلى الرغم من أن أحداً لم يطلب إذني؛ فإنني لم أعترض. وسرعان ما تم تعيين عدد كبير من الحراس الشخصيين إلى الحد الذي أصبح معه من الصعب الجلوس في أحد المقاهي والكتابة، أو القيام بجولة بلا هدف حول إسطنبول.

اقرأ أيضاً: الحريّة الدينيّة..وحريّة التعبير.. مُعَلِّم باريس أنموذجًا!

ومن المطمئن بالطبع أن أعرف أنني محمي؛ فهناك راحة في كون المرء محمياً من الاعتداءات الجسدية واللفظية. وأنا أدرك تماماً أنني مدين لحراسي الشخصيين بقدرتي، أثناء بحثي لكتابة روايتي “غرابة في عقلي”، على التجول ليلاً والتقاط الصور في أحياء نائية؛ حيث ربما أكون في خطر حتى لو لم أكن معروفاً بوصفي كاتباً جريئاً.

وفي بعض الأحيان كنت أتساءل عما إذا كان الشيء الذي يجعل بعض الكتاب هدفاً هو حقيقة أنهم محميون؛ فبمجرد أن يتم تحديدك كهدف، حتى الأشخاص الذين ليست لديهم صلة بالأمر، يبدؤون في رؤيتك على هذا النحو، وينظرون إليك كما لو كنت مخلوقاً غريباً لا يمكن فهمه.

سلمان رشدي يحمل كتابه المثير للجدل.. وعلى اليسار طفلة إيرانية تحمل لافتة كُتب عليها “مستعدون لقتل رشدي”

فالحماية هي تذكير دائم للكاتب بأنه أصبح موضع كراهية بين بعض الفصائل القومية والسياسية والدينية، وسرعان ما يبدأ في التوق إلى الهروب من تلك الكراهية الحقيقية أو المتخيَّلة. وأنا أعرف من تجربتي الخاصة أنه بعد السنوات القليلة الأولى الأكثر خطورة، يرغب الكاتب الذي يخضع للحماية في أن يصدق أن “الأسوأ قد انتهى”. وربما بإمكاني الآن العودة إلى الحياة الطبيعية الجميلة.

اقرأ أيضاً: الإسلاموية مستعدة للعودة من جديد

لكن من المؤسف أن هذا القرار ليس واقعياً في الأغلب؛ لذا فإن الجامعات والمؤسسات والمدن التي تدعو كاتباً مهدداً إلى الحديث، يجب أن تحمي تلقائياً سلامة هذا الكاتب؛ بغض النظر عما قد يفكر فيه أو يقوله عن وضعه. وكثيراً ما دفعني العيش تحت الحماية إلى التفكير في الأشخاص الذين يوجِّهون التهديدات..

هل كانوا يقصدون حقاً التهديدات بالقتل التي أطلقوها؟ هل ما زالوا عازمين على تنفيذ كلماتهم أم أنهم نسوني الآن؟ هل نسيانهم بالمقابل، أو ترك تهديداتهم دون رد، هو حقاً أفضل طريقة للتعامل معهم؟ فكلما تعرض كاتب إلى اعتداء جسدي، بدأ الجميع في الحديث عن الرد على الكلمات بالكلمات، وعلى الكتب بالمزيد من الكتب؛ لكن هل هذا القول المأثور له معنى؟

هادي مطر.. الأمريكي المسلم الذي اعتدى بالسكين على رشدي مؤخراً رهن الاعتقال- “أسوشييتد برس”

يميل أولئك الذين يضغطون على الزناد أو يستخدمون السكين إلى قراءة عدد قليل جداً من الكتب في حياتهم؛ فلو كانوا يقرؤون المزيد من الكتب، أو كانوا في وضع يسمح لهم بكتابة كتاب بأنفسهم، هل كانوا سيتحولون إلى هذا النوع من العنف؟

إن ما نحتاج إلى القيام به هو استخدام امتيازنا في حرية التعبير؛ للاعتراف بدور الاختلافات الطبقية والثقافية في المجتمع؛ فالشعور بأننا مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة، والشعور بأننا غير مرئيين، وغير ممثلين، وغير مهمين، وكأن المرء لا يساوي شيئاً، هو ما يمكن أن يدفع الناس نحو التطرف.

اقرأ أيضاً: عالجوا قضية التجديف!

وقد كان المعتدي على رشدي يبلغ من العمر 24 عاماً ويعمل كبائع في متجر خصومات. أقول هذا بوعي الروائي؛ حيث إن محاولة فهم شخص ما لا تعني مسامحته أو تبرير جرائمه، لكن عادة لا ترغب وسائل الإعلام في التطرق إلى حقيقة أن الأشخاص الذين يلجؤون إلى العنف يميلون إلى أن يكونوا فقراء وغير متعلمين ويائسين، وبدلاً من ذلك يتم تصويرهم كما لو كانوا يهاجمون الأدب نفسه والقيم التي يمثلها.

فإذا كنا نأمل في أن نرى مبدأ حرية التعبير يزدهر في المجتمع، فإن شجاعة كاتب مثل سلمان رشدي، لن تكون كافية؛ بل يجب علينا أيضاً أن نتحلى بالشجاعة الكافية للتفكير في مصادر الكراهية الغاضبة بأمانة.

♦روائي تركي حائز على جائزة نوبل في الآداب، وتُرجمت كتبه إلى 64 لغة.

المصدر: أتلانتيك

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة