الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

أهم إنجازات مصر الحديثة.. السد العالي في الذكرى الـ50 لتدشينه

كيوبوست

“مصر هبة النيل”، قالها المؤرخ الإغريقي هيرودوتس، قبل نحو 2500 عام من بدء المصريين بناء أهم مشروع مائي، غيَّر مجرى نهر النيل، وغيَّر وجه الحياة في مصر، وجعل من الجفاف والفيضانات التي ارتبطت بنهر النيل ذكريات غابرة، بعد توفير مليارات المكعبات من المياه المهدرة في الفيضانات والبحر المتوسط.

فمن خلال بناء “السد العالي” تمكَّن المصريون، لأول مرة عبر تاريخهم الطويل، من تفادي الكارثة السنوية لفيضان نهرهم العظيم، وتمكنوا من تخزين المياه في خزان السد الذي يُسمى “بحيرة ناصر”، وخلق اكتفاءً ذاتياً من الكهرباء، وتحسين الزراعة؛ في محاولة لخلق اكتفاء ذاتي من الغذاء. واحتُفل رسمياً بافتتاح السد بتاريخ 15 يناير 1971.

تمويل المشروع

قبل بناء السد العالي، جرى بناء عدة سدود صغيرة للسيطرة على فيضانات نهر النيل؛ لكن كل المحاولات لم تكن كافية، لذلك تقرر بناء سد أعلى عام 1952، بعد ثورة الضباط بقيادة جمال عبدالناصر، عندما طرح المهندس المصري من أصل يوناني، أدريان دانينوس، على مجلس قيادة الثورة، مشروعاً لبناء سد ضخم في أسوان.

وللشروع في إعمار السد، طلبت مصر تمويلاً للمشروع من قِبل البنك الدولي عام 1954، وتمت الموافقة على الطلب، عندما أعلنت أمريكا وبريطانيا والبنك الدولي توفير جزء من المبلغ لبناء السد، مع أن وزير الخارجية الأمريكي، آنذاك، جون فوستر دالاس، كان متخوفاً من التوجهات القومية والوطنية لدى الزعيم المصري، إلا أن أفراداً في إدارة الرئيس الأمريكي داويت دي أيزنهاور، أقنعوا دالاس بأهمية تقديم مساعدات مالية لمصر؛ في محاولة لتقويض علاقة مصر بالاتحاد السوفييتي، ومنع توسع قوته في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا: مقبرة “أُمنا حواء” بين التراث والعلم.. حقيقة أم وهم؟

بناء عليه، أعلن دالاس في ديسمبر 1955، عرضه تقديم كل من أمريكا وبريطانيا والبنك الدولي نحو 70 مليون دولار للمساعدة في بناء السد العالي، إلا أنه بعد سبعة أشهر من الإعلان، تراجع عن قراره وألغى العرض الأمريكي؛ بحجة “صعوبات في ترتيب التفاصيل المالية للمنحة الأمريكية مع الحكومة المصرية”، معتقداً أنه مع إلغاء عرضه سينهار المشروع المصري؛ لكن رؤيته لم تكن صائبة، فقد مدّ السوفييت يد العون إلى مصر، عام 1958، عبر توقيع اتفاقية تنص على إقراض الاتحاد السوفييتي مصر مبلغاً مالياً لتنفيذ المرحلة الأولى من عملية البناء، وبلغت قيمة المساهمة السوفييتية 400 مليون روبل، بينما بلغت تكاليف المشروع 450 مليون جنيه مصري؛ ما يعادل مليار دولار، فحينها كان كل جنيه مصري يعادله 2.3 دولار.

الحماية من الفيضانات

في التاسع من يناير عام 1960، وضع عبد الناصر حجر الأساس لبناء السد، لتنطلق المرحلة الأولى التي تم فيها تحويل مجرى النيل، واستمرت 4 سنوات، حتى تم غلق مجرى نهر النيل القديم، وإنشاء الأنفاق ومحطة الكهرباء، ودخول المياه في مجرى التحويل الجديد. وشارك ما يقارب 25000- 50000 عامل في عملية البناء، بمعاونة نحو 400 خبير سوفييتي، واكتمل بناء المشروع عام 1970، بينما افتتح رسمياً عام 1971، في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ولأن لكل شيء من اسمه نصيب.. للسد العالي مواصفات تشبه اسمه؛ إذ يبلغ ارتفاعه 111 متراً فوق منسوب قاع نهر النيل، وطوله 3830 متراً، وعرض قاعدته 980 متراً، بينما سعة قناة تصريف المياه 11000 متر مكعب في الثانية، وحجم جسم السد 43 مليون متر مكعب، من أسمنت وحديد ومواد أخرى.

جانب من عمليات بناء السد العالي

وحقق السد العالي فوائد عديد؛ أهمها السبب الذي أُنشئ من أجله، منع الفيضانات التي كانت تخلف خسائر بشرية ومادية، كما أنقذ السد مصر من الجفاف والمجاعات؛ ففي السنوات ذات الفيضانات الضعيفة، بالإمكان الاستعانة بمخزون مياه بحيرة ناصر العملاقة (طولها 500 كيلومتر، ومتوسط عرضها 12 كيلومتراً)؛ لتفادي الجفاف، كما حصل في سنوات الجفاف الإفريقية منذ عام 1984 إلى 1988.

وبسببه، تم استصلاح أكثر من مئة ألف فدان من الأراضي الصحراوية، لتصبح قابلة للزراعة، وتمكنت مصر بفضله من زراعة محاصيل جديدة؛ تحديداً تلك التي تحتاج إلى قدر أكبر من المياه، مثل الأرز.

وتنتج توربينات السد ما يعادل10  مليارات كيلوواط/ ساعة سنوياً، لإنارة المدن والقرى والمصانع، وشكَّل توافر المياه التي تتقاسمها مصر مع السودان، دفعة قوية للاقتصاد المصري خلال القرن العشرين.

سلبيات

نتج عن بناء السد العالي بعض السلبيات؛ من ضمنها “الهجرة النوبية”، حيث اضطر سكان القرى النوبية؛ مصريون وسودانيون، إلى النزوح عن قراهم التي أغرقتها بحيرة ناصر. وتعتبر مشروعات بناء السدود من أكثر المشروعات التي تعرِّض العمال إلى خطر الموت، وبالنسبة إلى السد العالي فقد مات خلال بنائه 500 عامل.

اقرأ أيضاً: “ديناميت وإطلاق نار”.. مبنى “الكابيتول” تعرض إلى هجمات أعنف من الأخيرة

وحبس السد، الطمي المرافق للفيضانات خلفه؛ ما أدى إلى تقليل خصوبة الأراضي الزراعية في مصر؛ لأن الطمي كان يعزز خصوبة التربة، والذي كان يشكل أيضاً حائطاً يقلل من تأثير عمليات تآكل شواطئ الدلتا؛ مما قد يؤدي إلى غرقها مع الوقت، وفي سياقٍ مشابه زاد السد من النحت المائي حول قواعد المنشآت النهرية.

وتفيد بعض التقديرات أن كمية التبخُّر في مياه بحيرة ناصر كبيرة جداً، ويُرى أن السد يشكل تهديداً عسكرياً للأمن القومي المصري؛ لصعوبة حمايته في حال تم استهدافه، باعتباره الخاصرة الأضعف عسكرياً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات