الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

أهمية الدين في تنظيم العواطف البشرية

فلسفيًا: ما الذي يفعله الدين في الحياة الاجتماعية؟

ترجمة كيو بوست –

“الدين قوةُ علاجية اجتماعية فعالة، تعمل على تنظيم العواطف اللازمة لتعزيز الاتجاهات الخيرة، وترويض النزعات الشريرة”، هذا ما ذكرته أستاذة علم الفلسفة في جامعة شيكاغو، ستيفن آسما، صاحبة كتاب (لماذا نحن بحاجة إلى الدين، 2018)، من بين 10 كتب فلسفية أخرى.

قد لا يساعدنا الدين في تفسير الطبيعة بعد أن فعل ذلك لعصور عديدة سبقت العلم الحديث. في الحقيقة، جرى إسناد مهمة تفسير الطبيعة إلى النهج العلمي الصريح، برغم الجدل الحاصل بين الدينيين والعلميين بشأن نظرية التطور. واليوم، ربما اتفق معظم الناس العاديين، وحتى رجال الدين الغربيين، على أن “التطور” حقيقة، وأن هنالك حاجة إلى أن يتخطى المتدينين هذا الجدل.

اقرأ أيضًا: كيف يؤثر التدين على التعصب القبلي والعرقي؟

صحيح أن هناك متطرفين معادين للعلم عندما يتعلق الأمر بالدين، إلا أن مواقفهم ضعيفة جدًا، ولا يكتسبون زخمًا بين الناس. ويمكن القول إن معظم المتدينين قبلوا بنسخة تقسيم العمل التي وضعها الفيلسوف الإيطالي غاليليو: “هدف الله هو تعليمنا كيفية الوصول إلى الجنة، وليس تعليمنا آلية عمل الجنة”.

ولكن، إن لم يكن جوهر الدين في قدرته على تفسير الطبيعة، فهل يكمن في قوته الأخلاقية؟ يقول سيغموند فرويد إن الدين قد يكون “وهميًا”، لكنه مفيد للغاية. يرى فرويد أن البشر مخلوقات فظيعة بطبيعتها، ذئاب عدوانية ونرجسية. ولو عاد الأمر لرغباتنا، لشرعنا في الاغتصاب، والنهب، والحرق. ولكن لحسن الحظ، نحن نعيش اليوم سلطة حضارية انبثقت عن الدين على مر السنين؛ ذلك الدين الذي يوجهنا نحو الخير والإحسان والرحمة والتعاون، من خلال نظام العصا والجزرة، أو ما يعرف باسم الجنة والنار.

وعلى النقيض من فرويد، جادل الفيلسوف الفرنسي، صاحب نظريات علم الاجتماع، إميل دوركايم، في كتابه “الأشكال الأولية للحياة الدينية”، أن قلب الدين لا يكمن في نظام معتقدات أو حتى قانون أخلاق، بل في قدرته على توليد فوران جماعي لتجارب مشتركة، توحد الأفراد في مجموعات اجتماعية تعاونية. ويرى دوركايم أن الدين نوعٌ من الغراء الاجتماعي، وهي نظرة صادقت عليها دراسات حديثة متعددة.

اقرأ أيضًا: دراسة جديدة: الدول الأقل تديّنًا أكثر ازدهارًا

وفي حين أن فرويد ودوركايم كانا على صواب بشأن الوظائف الهامة للدين، إلا أن قيمته الحقيقية تكمن في قوته العلاجية، لا سيما في إدارة العواطف البشرية على النحو الأمثل. إن مشاعرنا هامة جدًا من أجل بقائنا، وهذا كله يرتبط بالطريقة التي نفكر بها. نحن مخلوقات مجهزة بعواطف قابلة للتكيف، مثل الخوف والغضب والشهوة وما إلى ذلك.

وفي هذا السياق، يعمل الدين كمنظومة ثقافية توجه هذه المشاعر والسلوكيات صعودًا أو هبوطًا. يمكننا رؤية ذلك بوضوح عندما ننظر إلى الدين السائد وليس إلى الأشكال المؤذية من التطرف الديني. الدين السائد يقلل من القلق والتوتر والاكتئاب، ويوفر المعنى الوجودي والأمل، ويروض مشاعر الشهوة، ويقوي الترابط الشعوري بين البشر. الدين يدرب المشاعر والعواطف تجاه الآخرين، ويوفر مواساة عند المعاناة.

قال بودا: “الحياة بأسرها صعبة”، لكن الدين يوفر علاجًا عاطفيًا للعيش فيها بأقل الأضرار، من منظور لاهوتي غير دموي. عندما نمرض، نذهب إلى طبيب وليس إلى كاهن. ولكن عندما يموت عزيز علينا، فليس هناك من يواسينا ويقوينا سوى الدين. لننظر إلى الأشخاص الذين يصابون بأمراض لا علاج لها، مثل السرطان، فإنهم يلجأون حتمًا إلى الدين، وليس إلى أي شيء آخر؛ بكلمات أخرى، الدين يوفر لنا شيئًا لنفعله عندما لا يكون بحيلتنا شيء آخر لنفعله، وهذه جوهر العلاج العاطفي.

اقرأ أيضًا: الملحدون أكثر ذكاءً من المتدينين!

يساعد الدين كذلك على إدارة الحزن؛ قد يفكر الناس في أنفسهم كأفراد أولًا، وكأعضاء في مجتمع ثانيًا، لكن أيديولوجية “البطل الوحيد صاحب المصير الفردي” مجرد وهم وليس حقيقة. إن فقدان شخص ما يذكرنا حتمًا باعتمادنا على الآخرين، وضعفنا العميق، وهذا ما يقودنا إلى ممارسة الشعائر الدينية لتعويض ما أصابنا من أسى. الدين لا يخدعنا بشأن واقعية الموت، لكنه يوفر طريقة حسنى لتعلم العيش معه. وبعبارة أخرى، الدين يساعدنا في التعامل مع المعاناة، ويمنحنا إحساسًا بالقوة للتكيف مع الوقائع الجديدة بشكل أفضل، خصوصًا عندما نشعر بأن “حليفًا قويًا، هو الله، جزء من قوتنا”.

من المنظور الفلسفي، الدين يوفر مواساة حقيقية تمامًا كالمواساة التي توفرها الموسيقى. قد تكون الكلمات المستخدمة في الأغنيات غير مطابقة للواقع، تمامًا مثل عدم واقعية معتقدات بعض الدينيين الميتافيزيقية، إلا أن الطريقتين توفران مصدرًا حقيقيًا للعلاج العاطفي، مع الأخذ بعين الاعتبار فوارق فعالية كل منهما على المدى الطويل.

اقرأ أيضًا: التدين الظاهري.. وسيلة الكثيرين إلى المكانة الاجتماعية

 

المصدر: مجلة “أيون” الثقافية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة