الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

أهداف وحدود التدخل التركي في ليبيا

كيوبوست

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 5 يناير 2020، بدء نشر جنود أتراك في ليبيا، استنادًا إلى الضوء الأخضر الذي منحه البرلمان التركي قبل أيام، والذي قوبل بانتقادات عربية ودولية، كما أعلن أن “مهمة جنودنا هناك هي التنسيق”، وأن أنقرة سترسل أيضًا كبار قادة الجيش، وأكد أن الجنود الأتراك سينتشرون بشكل تدريجي، وأن هدف تركيا ليس “القتال”؛ بل “دعم الحكومة الشرعية وتجنُّب مأساة إنسانية” ، وَفقًا لما أورده من مزاعم. وتركز هذه المقالة على توضيح شكل التدخل التركي في ليبيا، والأهداف التي يسعى لتحقيقها، والمعوقات المحتملة لمثل هذا التدخل.

شكل التدخل التركي

أعلن مسؤولون أتراك أن عناصر بحرية تضم فرقاطة واثنين أو ثلاثة زوارق حربية، وغواصة أو اثنتين لأغراض منع الوصول، فضلًا عن قوة برية بحجم كتيبة؛ ما يعني نحو ثلاثة آلاف جندي جميعهم يتمتعون بخبرة قتالية، ومشاة ميكانيكية وعناصر للدعم غير المباشر للنار.

اقرأ أيضًا: تركيا تستغل السراج لتحقيق طموحاتها ومواجهة دول المتوسط

وتهدف أنقرة بصورة أساسية إلى نشر نظم دفاع جوي لتأمين الميليشيات المرتبطة بحكومة الوفاق الوطني، ومنع هزيمتها على يد قوات حفتر؛ خصوصًا بعدما أخفقت الطائرات المسيّرة التركية إخفاقًا واضحًا في دعم ميليشيات “الوفاق”، حيث خسرت أغلب أسطولها من الطائرات المسيّرة هناك.

ولذلك، فإنه في ضوء التصريحات التركية المعلنة يمكن القول إن استراتيجية الحكومة التركية في التدخل سوف ترتكز على الاعتماد على عناصر التنظيمات الإرهابية في الصفوف الأمامية، فقد كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان ووكالة “بلومبرج” الأمريكية، عن قيام تركيا بنقل نحو ألف سوري إلى العاصمة الليبية طرابلس؛ لدعم ميليشيات حكومة الوفاق الليبية التي يقودها فايز السراج، لمواجهة قوات الجيش الوطني الليبي ، في حين أن دور كبار قيادات الجيش التركي سوف تقتصر على توجيه العناصر الإرهابية، والإسناد العسكري، وذلك بهدف تقليل الخسائر في صفوف القوات التركية؛ حتى لا يتسبب هذا الأمر في إحراج الجيش التركي وإظهار نقاط الضعف به.

أردوغان مستقبلاً فايز السراج أرشيف رويترز

وسوف يتمثل الهدف الأول لهذه القوات هو منع سقوط العاصمة طرابلس في يد قوات الجيش الوطني التابع للحكومة الليبية الشرعية في الشرق. ونظرًا لسقوط سرت في يد الجيش الوطني الليبي في 6 يناير الجاري، فإن مناطق انتشار التنظيمات الإرهابية المدعومة تركيًّا سوف تقتصر على مصراتة وطرابلس؛ أي أن التدخل التركي سوف ينحصر في تأمين سيطرة “الوفاق” على طرابلس مع التسليم بفقدانها أغلب الأراضي الليبية، بما في ذلك مناطق تركز النفط والغاز. ولذلك، فإن الهدف المبدئي لأنقرة هو تحقيق جمود ميداني في الصراع، بما يمنع انهيار حكومة الوفاق.

أهداف التورط العسكري

سعت الحكومة التركية منذ أحداث “الربيع العربي” في عام 2011 لتبنِّي سياسة نشطة تقوم على دعم الإخوان المسلمين والتنظيمات القاعدية المتحالفة معهم للوصول إلى الحكم في أكثر من دولة عربية، كما كانت الحال في ليبيا. وعندما تعثر المشروع التركي في ليبيا، مع هزيمة الإخوان المسلمين والتيارات الإخوانية في الانتخابات التي أُجريت في عام 2014، لم تجد أنقرة من وسيلة سوى دعم التنظيمات الإرهابية من جديد؛ للسيطرة على طرابلس، وتأمين المصالح التركية، والتي تتمثل في التالي:

اقرأ أيضًا: الدور التركي في ليبيا.. قراءة للسياقات الداخلية والإقليمية

1- توظيف الإرهاب لتعزيز النفوذ الإقليمي: يبدو من الواضح أن دعم أردوغان للتنظيمات الإرهابية لا ينبع من سياسة براجماتية تقوم على توظيفها لتحقيق المصالح التركية في جوارها المباشر، وحسب؛ بل تنبع من اعتبارات أيديولوجية، تقوم على الإيمان بأهداف هذه التنظيمات (القاعدة- داعش)، ودعم محاولاتها لإقامة دويلات إسلامية موالية لأنقرة في الإقليم.

ونظرًا لأن أنقرة لم تتخلَّ عن هذا الحلم، على الرغم من الانتكاسات الواضحة للمشروع التركي- القاعدي في سوريا وليبيا؛ فإنها تسعى لتثبيت حكومة الوفاق من أجل محاولة الدفاع عن استمرار الإخوان في حكم ليبيا، من خلال أية تسوية سياسية مستقبلية؛ حتى لا ينهار المشروع التركي في ليبيا، تمامًا؛ خصوصًا أن الإخوان خسروا الانتخابات في ليبيا في السابق، ولم يبقَ لهم سوى خيار التحالف مع التنظيمات الإرهابية للبقاء في المشهد السياسي والأمني في ليبيا، وتعني خسارتهم معارك طرابلس انتهاءهم سياسيًّا وعسكريًّا.

اقرأ أيضًا: أردوغان يواصل مغامرته “المتهورة” في ليبيا

ومن جهة ثانية، فإن سقوط “الإخوان” و”القاعدة” في ليبيا، سوف يترتب عليه انهيار النفوذ التركي في شمال إفريقيا؛ خصوصًا أن أنقرة كانت تعول على توظيف ليبيا كحاضنة للتنظيمات الإرهابية وكقاعدة خلفية لتوظيفها ضد دول الجوار المناوئة لها، مثل مصر، فضلًا عن إمكانية توظيفها للتمدد في الدول المجاورة في الساحل الإفريقي، مثل مالي؛ خصوصًا أن التنظيمات الإرهابية التي خرجت من ليبيا في ديسمبر 2011، نجحت في السيطرة على شمال مالي، قبل أن تتدخل القوات الفرنسية في عام 2013؛ لطردها من هناك.

2- إبعاد عناصر “داعش” عن الحدود التركية: نجحت أنقرة، من خلال التوافق مع الإدارة الأمريكية، في السيطرة على مناطق من شمال سوريا في أواخر عام 2019؛ الأمر الذي سمح للأتراك بالاستفادة من العناصر الإرهابية المنتسبة إلى “داعش”، والتي كانت محتجزة في سجون واقعة تحت سيطرة الأكراد، ويبدو أن أنقرة اتجهت إلى استغلال الفرصة للتخلص منهم عبر إرسالهم إلى الأراضي الليبية للقتال هناك؛ خصوصًا أن أنقرة تتحالف مع تنظيم القاعدة في محافظة إدلب السورية.

عملية نقل مرتزقة إلى ليبيا تتواصل- المصدر: “المرصد السوري لحقوق الإنسان”

3- عرقلة الاستثمارات في شرق البحر المتوسط: تسعى أنقرة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها، لتوظيف الأزمة الليبية من أجل تحقيق فوائد اقتصادية؛ إذ إن استثماراتها في بعض القطاعات الاقتصادية الليبية تُقدر بنحو 28.9 مليار دولار ، وفي حالة انهيار حكومة الوفاق، فإنها ستفقد هذه الاستثمارات.

وسعت أنقرة كذلك لإبرام مذكرة التفاهم مع حكومة الوفاق بشأن تعيين حدود المناطق البحرية في البحر المتوسط بين تركيا وليبيا، والتي تهدف من خلالها إلى تحقيق هدفَين؛ هما: دعم الادعاءات التركية بأحقيتها في التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان، عبر الادعاء من خلال الاتفاق الذي أبرمته مع طرابلس أنها تقع ضمن المنطقة الاقتصادية التركية، فضلًا عن محاولة عرقلة مشروعات نقل النفط والغاز من دول جنوب شرق البحر المتوسط إلى الاتحاد الأوروبي. وأكد هذا المعنى بوضوح وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس، الذي قال إن الاتفاق يتجاهل أمرًا واقعًا وهو وقوع جزيرة كريت اليونانية وجزر يونانية أخرى بالكامل بين ليبيا وتركيا في المتوسط ، ولذلك عدّ الاتفاق غير مقبول.

سفينة التنقيب عن الغاز التركية “يافوز” تتمركز شرق البحر المتوسط قبالة قبرص – أرشيف

عوائق التمدد العسكري

على الرغم من إعلان أنقرة اتجاهها إلى نجدة حكومة الوفاق؛ فإن تركيا تواجه تحديات عديدة، والتي يمكن توضيحها على النحو التالي:

1- تراجع القدرة على تشغيل طائرات “إف- 16”: طلبت حكومة الوفاق من أنقرة نشر من ست إلى ثماني طائرات من طراز “إف- 16″، ونظام للإنذار المبكر والسيطرة محمول جوًّا (AWACS)، وإن كان المحللون العسكريون يشككون في قدرة تركيا على القيام بذلك، نظرًا لأن أردوغان قام في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشل في عام 2016 بتطهير سلاحها الجوي من العناصر الموالية لفتح الله كولن؛ حيث تم فصل أكثر من 300 طيار من قائدي هذه المقاتلات تحديدًا؛ وذلك بسبب اشتراك طيارين لمقاتلتين “إف- 16″، في محاولة إسقاط طائرة أردوغان خلال الانقلاب العسكري الفاشل؛ الأمر الذي انعكس على قدرة أنقرة في تشغيل مقاتلاتها من طراز “إف- 16”. ورفضت واشنطن طلبًا من أنقرة لإرسال مدربين أمريكيين، بينما حاولت تركيا طلب المساعدة من باكستان التي تشغل طائرات “إف- 16” ، ولا يزال من غير الواضح مدى جاهزية أنقرة لاستخدام هذه المقاتلات، وهو ما يمثل عائقًا كبيرًا في تنفيذ عمليات عسكرية في ليبيا.

اقرأ أيضًا: كيف تتدخل تركيا عسكريًّا في ليبيا؟

2- صعوبات الانتشار في بلد غير مجاور: تواجه أنقرة صعوبات الانتشار اللوجستي في بلد غير حدودي مع تركيا، مثل ليبيا ؛ إذ إن المناطق الخاضعة لسيطرة “الوفاق” والميليشيات المتحالفة معها، تنحصر في طرابلس ومصراتة، والتي شهدت قواعدها العسكرية استهدافًا متكررًا من جانب الجيش الوطني الليبي، كما أن محاولة الانتشار العسكري من خلال دولة مجاورة إلى ليبيا يواجه هو الآخر تحديات، ووضح هذا، على وجه الخصوص، في الزيارة الأخيرة التي قام بها فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، إلى الجزائر في 6 يناير الجاري، والتي سبقت زيارة وزير الخارجية التركي مولود أجلو بساعات قليلة، والتي هدفت إلى الحصول على الدعم الجزائري للتدخل التركي؛ حيث أعلنت الجزائر صراحة رفضها أي تدخل عسكري تركي في ليبيا.

مدرعات عسكرية تركيا وصلت طرابلس في مايو الماضي – أرشيف

ومن جهة ثانية، فإن أنقرة سوف تحتاج إلى إقامة خطوط دعم لوجستي لقواتها التي ستنشرها في ليبيا، ويفتح الباب أمام الاعتماد على المناطق الخاضعة لسيطرة “الوفاق” في ليبيا إلى إمكانية تعرضها إلى الاستهداف، على غرار ما حدث سابقًا؛ بما يهدد القوات التركية والعناصر الإرهابية المنتشرة في طرابلس.

3- الأداء التركي “المتواضع” في ليبيا: لا يعد إعلان أنقرة تدخلها عسكريًّا من خلال إرسال عناصر إرهابية ومستشارين عسكريين أمرًا جديدًا؛ إذ تكشف تقارير الأمم المتحدة عن وجود دعم تركي لميليشيات حكومة الوفاق عبر إرسال المستشارين العسكريين والمدرعات والطائرات المسيّرة لها؛ خصوصًا الطائرة المسيّرة من طراز “بيرقدار تي بي 2″، وهي الطائرة المنتجة بواسطة شركة تابعة لسلجوق بيرقدار، زوج ابنة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ إذ إن عجز أنقرة عن وقف تقدم الجيش الوطني الليبي صوب طرابلس عبر إمداده الميليشيات المسلحة بهذه الطائرة يكشف عن تراجع فاعلية الأسلحة التركية، خصوصًا أن الجيش الوطني الليبي تمكن من إسقاط نحو 30 طائرة من هذا النوع .

اقرأ أيضًا: التدخل التركي في ليبيا.. محاولة إحياء النفوذ العثماني

4- صدام محتمل مع القوى الدولية المعنية: ترجح الولايات المتحدة أن قوات حفتر تتلقى دعمًا من الدفاعات الجوية الروسية؛ إذ تصر واشنطن على أن طائرة مسيّرة أمريكية كانت تستخدم لجهود مكافحة الإرهاب أُسقطت بصواريخ روسية في نوفمبر 2019 ، وهو ما يعني أن التدخل التركي سوف يكون مهددًا بالصدام، ليس فقط مع القوى الإقليمية الداعمة للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر؛ ولكن كذلك مع روسيا.

ومن جهة ثانية، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حذر في اتصال هاتفي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، الخميس الماضي، من أن “أي تدخل أجنبي سيعقد الوضع في ليبيا” ، في مؤشر على رفض ترامب التدخل العسكري التركي، ولعل ما يمنع ترامب من لعب دور أكبر لوقف أنقرة هو مخاوفه من الدعم الروسي لحفتر؛ إذ تدرك واشنطن أن موسكو باتت لاعبًا موثوقًا فيه من جانب عديد من الدول العربية، خصوصًا بعدما ساند بشار الأسد في مواجهة المعارضة المسلحة، وتخشى واشنطن من أن التمدد الروسي في ليبيا سوف يكون من الصعب كبحه مستقبلًا، وهو ما يفسر ترددها في منع أنقرة من التدخل.

اقرأ أيضًا: كيف يرى المجتمع الدولي ما يحدث في ليبيا؟

أما القوى الأوروبية الفاعلة في الأزمة الليبية، ممثلة في فرنسا وإيطاليا، فإنه من الواضح أن دعمهما لحكومة الوفاق وتركيا من ورائهما قد تراجع، وهو ما يرتبط بأن الأولى كانت تخشى على نفوذها في منطقة الساحل الإفريقي أن يتهدد مع تحالف “الوفاق” مع التنظيمات الإرهابية؛ خصوصًا في ضوء العلاقات القوية التي تربط بين التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل وليبيا، كما أن قيام أنقرة بنقل عناصر إرهابية موالية لـ”داعش” و”القاعدة” إلى ليبيا من شأنه أن يفاقم القلق الفرنسي. أما إيطاليا، فقد باتت تدرك مدى الضعف الذي بلغته حكومة الوفاق الليبية، وارتهان قراراتها بالمصالح التركية؛ خصوصًا بعد انصياع تلك الحكومة للمطالب التركية بتقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة على نحو يهدد المصالح الأوروبية في تلك المنطقة.

وبالنظر إلى مجمل العوامل السابقة، نجد أن التدخل التركي في ليبيا لا يجد مَن يدعمه من القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي؛ خصوصًا مع اعتماد أنقرة الواضح على التنظيمات الإرهابية في تدخلها هناك، كما أن التدخل التركي لن يكون سهلًا في ضوء النتائج المتواضعة التي حققها التدخل العسكري في ليبيا على مدى الشهور السابقة، فضلًا عن وجود قوى مؤثرة على الأرض، تتفوق من حيث الإمكانات العسكرية على تركيا؛ مثل روسيا، التي باتت لاعبًا مؤثرًا في المشهد الليبي.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة