الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

أنسنة المدن لتحقيق جودة الحياة

كيوبوست

في محاولة للاستجابة للمشكلات الحضرية التي تواجهها المدن في العالم، نما مفهوم واسع ومتشعب، يطلق عليه “جودة الحياة”، ولتفسيره؛ عرض المخطط الحضري السعودي فؤاد العسيري، شرحاً له، وذلك خلال جلسة نقاش نظمتها مجلة “القافلة”، بعنوان جودة الحياة في السعودية.

ووفقاً للعسيري فإن مفهوم جودة الحياة كبير جداً؛ فكل شخص يحمل تعريفاً مختلفاً عنه؛ ما يجعله واسعاً ومعقداً، متوقعاً أنه بعد 10 سنوات من الآن سيتشكل حوله تعريف مختلف لدينا.

محاولة تعريف

لفهم مصطلح “جودة الحياة” بالإمكان الاستعانة بالمعايير المستخدمة لقياس مدى تحققه في مكان ما، ولأن المفهوم واسع فإنه يشمل مقاييس عديدة ضمن مجالات مختلفة؛ مثل مستوى المعيشة، ومتوسط الدخل، ومتوسط الأعمار، والفئات العمرية القابلة للإنتاج في مدينة ما. ففي هونغ كونغ مثلاً، يعد امتلاك الثلاجات أحد المعايير القابلة لقياس جودة الحياة، بينما تختلف المعايير حسب الخلفية المهنية لكل شخص؛ فالشرطي مثلاً قد يعتبر أن انخفاض نسبة الجريمة مقياس لجودة الحياة، وهكذا.. وفقاً للعسيري.

اقرأ أيضًا: التخطيط الحضري لمدن أكثر مراعاة للأنسنة

لكن من وجهة نظر التخطيط الحضري، فإن جودة الحياة تبدأ من الحي السكني؛ لأنه يشمل شرائح المجتمع، وفيه نمضي معظم أوقاتنا، ومن خلاله تظهر مدى “أنسنة المدينة”؛ وهو مصطلح آخر، ظهر عندما سيطرت السيارات على المدن، أي مع شيوع الحلم الأمريكي، ولفهم أنسنة المدن بشكل أكبر استعان العسيري باقتباسٍ للصحفية الأمريكية- الكندية جاين جاكوبز: “إذا لم يستطع طفل عمره ما بين 6- 7 أعوام، الذهاب إلى المدرسة والعودة خلال 10 دقائق بأمن وسلامة ومتعة، فإن الحي يجب إعادة تصميمه بالكامل”.

تحديد مشكلة الأحياء السكنية

لأن مفهوم “جودة الحياة” ظهر لمواجهة مشكلات المدن الحديثة في العالم، فكان لا بد من تحديد أبرز مشكلة تعانيها الأحياء السكنية داخل المدينة؛ إذ يعتقد العسيري أنها تتمثل بقلة الكثافة السكانية أو بُعد المرافق عن المساكن، ما يضطر السكان إلى ركوب السيارة، وهذا يشير إلى غياب أنسنة المدن.

بناءً عليه يجب أن يُصمم الحي، بحيث لا تزيد المسافة بين أي منزل وأي مرفق بداخله على 500- 600 متر، ليتمكّن السكان من السير باتجاه المرافق دون الحاجة إلى سيارة، لذلك أوضح العسيري أنه على المصمم الحضري عند تصميم حي، رسم دائرة تكون فيها أبعد منطقة لا تبعد عن المنازل أكثر من 700 متر، وهذا يقود إلى مفهوم آخر، وهو استهلاك الفرد للمساحة، فكلما زادت المساحة التي يستهلكها الفرد ضمن القطاع السكني، فإن مساحة الحي ستتضاعف؛ ما يعني بالضرورة أن المرافق ستتباعد، والكثافة السكانية ستنخفض، وسيضطر السكان إلى استخدام السيارات.

صورة تعبيرية- worldbankblogs

وأوضح العسيري أن المملكة العربية السعودية تعتبر مثالاً للاستهلاك المرتفع للمساحة من قِبل الفرد الواحد؛ إذ يبلغ متوسط المساحة التي يشغلها الفرد 85 متراً، وهذا رقم عالٍ جداً، ومن الدول التي يشغل أفرادها مساحات كبيرة أيضاً، الولايات المتحدة، بما يعادل 77 متراً للفرد. بالمقابل يستهلك الفرد في الدنمارك ما متوسطه 65 متراً، وفي إنجلترا 33 متراً، وفي فرنسا 43 متراً، وفي السويد 40 متراً، وفي ألمانيا 55 متراً.

وللمشكلة المذكورة تبعات.. فعندما يضطر السكان إلى استخدام السيارة لأي غرض؛ لأن المرافق بعيدة عن منازلهم والمواصلات العامة غير متوفرة في بعض الدول، فإن ذلك بالضرورة سيزيد من حوادث السير والوفيات؛ ما سيؤثر على نسبة الوفيات، ويرفع من التكاليف الصحية.

اقرأ أيضاً: جودة الحياة والاستراتيجية العمرانية في المملكة

البحث عن حلول

تغذِّي مشكلة عدم أنسنة المدن، وبالتالي انخفاض جودة الحياة، تعارض وجهات نظر ثلاثة قطاعات: الاقتصادي، والبيئي، والاجتماعي، وفقاً للعسيري، فبينما يسعى الاقتصاديون لاستغلال الموارد لتحقيق أعلى قدر من المصالح المادية، يتعارضون بذلك مع رؤية البيئيين الذين يهدفون إلى تقليل التلوث، الذي لا يأخذه القطاع الاجتماعي في الحسبان؛ فالأولوية هي توسيع المرافق وسبل العيش المريحة.

وكحلٍّ لهذا التعارض، يطرح العسيري التخطيط التبادلي أو التشاوري لتحقيق التطوير المستدام؛ من أجل إعطاء الأجيال القادمة حقاً بالثروات والموارد الطبيعية والمساحات، فإن مدناً لا تزال في الوقت الحالي تعاني عدم الأنسنة؛ ما يسبِّب مشكلات حضرية، كبعد المرافق، وعدم توفر وسائل نقل عامة؛ مما يزيد الاعتماد على السيارات، ويقلل الحركة اليومية التي يمكن اعتبارها بمثابة رياضة ضمن النشاط اليومي، وهذا يفتح موضوع الصحة العامة، التي تعتمد على درجة أنسنة الحي، كما ترتفع العزلة الاجتماعية، وإهدار الوقت والوقود والتلوث والضوضاء، عند انخفاض درجة أنسنة المدن.

اقرأ أيضًا: أثر التطرف الإسلامي على التشريعات الحضرية في مدن الاتحاد الأوروبي

وهنا تحدَّث العسيري عن حزمةِ حلولٍ؛ منها الاستراتيجية التكاملية لأنظمة النقل، كسبيل لحل المشكلات الناتجة عن غياب الأنسنة، وتوفير أنماط أخرى للتنقل؛ كالترام والحافلات ومسارات الدراجات ومسارات المشاة.. ولخفض الازدحام في المدن كونها مشكلة يسببها غياب الأنسنة، أشار العسيري إلى ضرورة خفض الطلب المباشر على الطرق، عبر توزيع ساعات العمل والتعليم، وهما نشاطان حيويان في أية مدينة، واقترح استخدام وسائل النقل العامة، وتوفير أنظمة مرور ذكية في المناطق المكتظة.

أما في ما يتعلق بتصميم الحي، فركز على استخدام الأراضي بكفاءة أكبر، والتمدد العمراني الأفقي، وتقليل المساحة التي يشغلها الفرد، وتصميم أحياء شبه مكتفية من المرافق والأنشطة الاجتماعية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للحي.

فؤاد العسيري

فؤاد العسيري

وعن فؤاد العسيري؛ فهو مخطط حضري سعودي، درس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. بينما حصل على شهاد الماجستير في تخطيط المدن والأقاليم، ويعمل مستشار التنقل الحضري في الجمعية الألمانية للتعاون، وبدأت قصة اهتمامه بالتخطيط الحضري منذ الطفولة، ويؤكد لـ”كيوبوست” أن كثرة متابعته لوثائقيات حول موضوع التوازن البيئي قادته إلى الاهتمام بالمدن، ما ولَّد لديه أسئلة حول مبررات نشأتها ومواقعها ونموها.

ودفع هذا الشغف بالعسيري للدراسة والتركيز على التخطيط والتشريع والعوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ ما راكم لديه خبرة واسعة بعدة موضوعات كالتخطيط الحديث والتنقل غير الميكانيكي، واستغلال الأراضي وتطوير المدن، وتطوير التنقل الحضري المتكامل وتخطيط النقل العام، والتشريعات الحضرية، والاقتصاد الحضري.. وغيرها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات