الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

“أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي”.. كتاب يسرد ملحمة وطنية

شكلت أم كلثوم هيئة أطلقت عليها "هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية" لإسعاف الجنود المصابين وتوحيد صف سيدات مصر للمشاركة في حملات الدعم الحربية

كيوبوست- صفاء الشبلي

كانت وما زالت أم كلثوم أيقونة وسيدة للغناء العربي، فلم يُنازعها أحد في مساحتها الخاصة، التي صنعتها وحافظت عليها مع جمهورها حتى بعد مرور 50 عاماً على وفاتها.

وهناك شق آخر ربما لم يتم التعرف إليه بشكل أعمق، وهو دور “كوكب الشرق” في المجهود الحربي، بدايةً من عام 1967، وهو العام الذي اُصطلح على تعريفه بعام النكسة وآلامها النفسية ورحلاتها لمعظم الدول العربية؛ لجمع الأموال لخدمة المجهود الحربي، وصولاً إلى انتصار أكتوبر عام 1973.

كل ما سبق هو ما حاول الباحث والكاتب المصري كريم جمال، التنقيب عنه في كتابه “أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي”، الصادر عن دار تنمية للنشر.

ترقب للانتصار وحماس قبل النكسة

حاول كريم جمال في 17 فصلاً من كتابه عبر 600 صفحة توثيق دور أم كلثوم في المجهود الحربي، الذي بدأ منذ مايو بتسجيل أغنيتها الوطنية الشهيرة “راجعين بقوة السلاح”، إضافة إلى ما سجلته من نداءات حماسية للجنود المرابطين على الجبهة.

ويقول الكتاب إن أم كلثوم أصابها اكتئاب شديد عقب الهزيمة التي لم تكن مُهيأة لها على الإطلاق، وكانت آمالها في الانتصار كبيرة حد السماء، حتى إنها قبل 5 أيام من النكسة أصرت على مقابلة المشير عبدالحكيم عامر، وزير الدفاع المصري آنذاك؛ للاطمئنان منه بنفسها عن سير العملية العسكرية وجاهزية الجيش للمعركة، ليُطمئنها عامر بشكل كبير، حسب ما حكى الكاتب المصري محمد حسنين هيكل، وهو ما سرده الكتاب.

ويحكي الباحث في الشأن الموسيقي كريم جمال، في حديثه مع “كيوبوست”، أنه في البداية كان يريد أن يكتب تحليلاً سياسياً موسيقياً لرحلة أم كلثوم في المجهود الحربي بداية من منتصف عام 1967 إلى وفاتها في عام 1975؛ لكن مع وجود سيل كبير في المعلومات الخاصة برحلاتها غيَّر بوصلته بأن يكون فقط ناقلاً وموثقاً لتلك الرحلة، وأن يترك نقد وتقييم تلك المرحلة في حياة “كوكب الشرق” للقارئ.

غلاف كتاب “أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي” الصادر عن دار تنمية للنشر

ويقول جمال: “استفزني بوصفي باحثاً موسيقياً تحقيق نشرته جريدة (لوموند) الفرنسية، عام 2017؛ احتفالاً بمرور 50 عاماً على زيارة أم كلثوم إلى باريس كأولى رحلاتها الخارجية لخدمة المجهود الحربي، والتي بدأت في نوفمبر 1976، وولدت فكرة الكتاب جدياً في عام 2018؛ حيث أصدر الأرشيف الوطني الإماراتي مجلداً مصوراً عن زيارة كوكب الشرق إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في نوفمبر 1971، متضمناً دراسة كتبها الكاتب الإماراتي محمد المر، عن تلك الزيارة المهمة بأبوظبي”.

أم كلثوم والشيخ زايد في الإمارات عام 1971

وقبل المرور إلى تلك المرحلة، هيَّأ الكاتب قراءه عبر لغة سهلة وبسيطة للهزيمة، وما أحدثته من صدمة كبيرة بعد الأجواء الحماسية وما شهدته مصر من تعبئة عسكرية وفنية في آن واحد؛ حتى إنه تم تسجيل نحو 60 نشيداً حماسياً منذ نهاية مايو 1967 وحتى الهزيمة.

ويضيف جمال أن “تلك المرحلة كانت الأخيرة في حياة أم كلثوم، وخلالها تمت إعادة معظم أغاني الستينيات التي أنتجتها وتم غناؤها بصورة أكثر تنوعاً؛ فكل مرة تغني فيها على مسرح بدولة ما كانت تخلق نسخة جديدة من الأغنية بالتصرف والارتجال والتجاوب مع الجمهور، ولذا سنجد نسخاً كثيرة لأغانٍ معينة، وكل نسخة منها غير الأخرى من حيث المدة الزمنية وتون الأغنية”.

20 ألف جنيه إسترليني شرارة الانطلاق

عقب هزيمة 1967 أُصيبت أم كلثوم باكتئاب شديد؛ حتى إنها ظلت في “بدروم” فلتها لمدة أسبوعَين كاملَين لا تتحدث مع أي شخص، ثم تبرعت بمبلغ 20 ألف جنيه إسترليني تلقته من دولة الكويت نظير إذاعة بعض حفلاتها الغنائية هناك، كما يقول الكاتب.

تفاصيل حفل أم كلثوم في الكويت

وأضاف أن أحداً لم يكن يعرف أن أم كلثوم تبرعت بهذا المبلغ للخزانة المصرية سوى بعد أن سرب أحد العاملين بالمالية المصرية صورة للشيك الذي تبرعت به.

ويقول الكتاب إن بعض الفنانين كانوا قد سافروا إلى لبنان وسط أجواء الهزيمة القاسية، بحجة حرارة الصيف، وبعد تسريب خبر تبرع أم كلثوم للمجهود الحربي؛ نشر تفاصيله الكاتب موسى صبري، في مقال تحت عنوان “خدوا القدوة من أم كلثوم” في 27 يونيو 1967، دعا الفنانين المصريين إلى الاقتداء بكوكب الشرق ودعم الخزانة المصرية، وكانت شرارة البدء لجمع الأموال لصالح المجهود الحربي.

كريم جمال

أم كلثوم كونت هيئة أطلقت عليها “هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية”؛ لإسعاف الجنود المصابين وتوحيد صف سيدات مصر، للمشاركة في حملة دعم المجهود الحربي عبر التبرع بالنقود والمصاغ، ومحاولة منها للإسهام في ترميم المشاعر الوطنية للمرأة المصرية ثم تعبئتها.

اقرأ أيضًا: أم كلثوم والتجلي…مع مصطفى سعيد

ووفقاً للكاتب، نجحت كوكب الشرق في جمع نحو 100 كيلوجرام من الذهب في 3 أشهر فقط؛ تم توجيهها لخدمة المجهود الحربي بتغذية الاحتياطي النقدي المصري كبديل للعملة الصعبة.

كما “قدمت أم كلثوم 4 حفلات داخل مصر من أصل 24 حفلة كان من المقرر إقامتها؛ لكن مع توالي العروض الخارجية فضَّلت الغناء بالخارج لجمع العملة الصعبة لصالح المجهود الحربي”.

وكذك نجحت “أم كلثوم في جمع 14 ألف جنيه إسترليني من رحلتها إلى باريس عام 1967، و36 ألف درهم من رحلتها إلى المغرب في مارس 1968، و176 ألف جنيه مصري من رحلتها إلى ليبيا عام 1969، و44 ألف دينار بحريني من رحلة أبوظبي في نوفمبر 1967، ليبلغ ما جمعته أم كلثوم نحو 3 ملايين جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم في تلك الفترة”.

أم كلثوم في المغرب.. مارس 1968

وبشأن ذلك يقول جمال لـ”كيوبوست”: إن مرحلة هزيمة يونيو 1967 كانت قاسية على أم كلثوم نفسياً بسبب الهزيمة، أو كبر سنها؛ فكانت حينها تبلغ من العمر نحو 70 عاماً، لكنها لم تتوانَ عن نصرة بلدها.

أم كلثوم والرئيس بورقيبة في تونس عام 1968

زيارة أم كلثوم إلى الإمارات

وجهت دعوة كريمة من الرئيس الإماراتي الشيخ زايد آل نهيان، إلى أم كلثوم؛ لزيارة أبوظبي، وكانت المرة الأولى التي تغني فيها كوكب الشرق على ضفاف الخليج العربي، وكانت زيارتها إلى أبوظبي في 28 نوفمبر عام 1971، حدثاً فنياً له أبعاده السياسية والتاريخية، وهو ما ركز عليه كُتَّاب الخليج العربي الذين تباروا في كتابة مقالات المديح والترحيب بسيدة الغناء العربي؛ ومنهم الأديب السياسي ووزير الخارجية الإماراتي عبدالله راشد النعيمي، الذي كتب في جريدة “الاتحاد” الإماراتية: “اليوم ستشدو في سماء الخليج العربي للمرة الأولى سيدة الغناء وكوكب الشرق أم كلثوم، واليوم ستسمع الأمة العربية سفيرة الغناء العربي وهي تشدو على مسرح وزارة الدفاع في أبوظبي”.

صورة الدعوة التي وجهها الرئيس الإماراتي الشيخ زايد آل نهيان، إلى أم كلثوم؛ لزيارة أبوظبي

وشاءت الظروف أن ترتبط زيارة أم كلثوم تلك بأحداث مهمة تشهدها أبوظبي، وكانت تلك المرحلة إيذاناً ببدء مرحلة حيوية وجديدة في تاريخ المنطقة العربية وبناء نظام سياسي جديد، وإعادة صياغة الأسس الاجتماعية والسياسية في الإمارات بما يتفق مع إجراءات الوحدة بين الإمارات المتصالحة.

عبدالناصر وأم كلثوم

كانت علاقة أم كلثوم بالزعيم جمال عبدالناصر قوية جداً، لدرجة أنها عندما عادت من حفلَيها اللذين أُقيما على مسرح الأوليمبيا بباريس في نوفمبر عام 1967، وحجز تذاكرها نحو 20% من الفرنسيين وليس العرب فحسب، وبلغت قيمة التذكرة  الواحدة بالسوق السوداء بعد نفادها نحو 100 جنيه إسترليني كاملة، وحسب الكتاب فإن أم كلثوم استاءت جداً من عدم استقبال السفير المصري لها بباريس، وعند عودتها إلى القاهرة كانت أول زيارة لها إلى منزل عبدالناصر؛ لحضور مأدبة عشاء أقامتها تحية عبد الناصر، احتفالاً بنجاح “الست” بباريس.

كانت علاقة أم كلثوم بالزعيم جمال عبدالناصر قوية جداً

ويقول مؤلف “أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي”، في حديثه مع “كيوبوست”: إن السفير المصري عبدالمنعم النجار، لم يأتِ لاستقبالها في المطار، فما كان من عبدالناصر إلا أن نقله من باريس عندما أخبرته “ثومة” باستيائها من تصرفه؛ وهو الأمر الذي يدل على تقدير شخص عبدالناصر لأم كلثوم، وبعد تلك الواقعة بـ4 أشهر منحها “ناصر” الباسبور الدبلوماسي الأحمر؛ ليفرض على السفراء والدبلوماسيين المصريين في أية دولة استقبالها كشخصية ممثلة للدولة المصرية.

وفي النهاية، يعتبر جمال حفلات أم كلثوم خلال رحلتها لدعم المجهود الحربي مخزوناً سمعياً وبصرياً مؤثراً ومهماً؛ فلمدة عام ونصف العام أعادت غناء أغنياتها من دون تقديم جديد، وأضفت صبغة جديدة على أغنياتها الشهيرة من الارتجال في اللحن والغناء، وساعد في انتشار تلك الأغنيات الشبكة العنكبوتية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة