الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

أكثر 5 اقتباسات فلسفية أُسيء فهمها

من المستبعد جداً أن يتم اختزال أعظم العقول في التاريخ أو فهمها من خلال منشور صغير على أحد مواقع التواصل الاجتماعي

كيوبوست- ترجمات

جوني تومسون♦

يمكن لأي شخص أن يمارس الفلسفة بطريقة أو بأخرى؛ ولكن ليس الجميع قادراً على فعل ذلك بطريقة رائعة. والفلسفة موجودة في كل الأعمال الفنية والأدبية الموجودة بين أيدينا، وهي ما يبقى في أذهاننا بعد أن ننتهي من قراءة كتاب أو نغلق التلفاز. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي تفاقمت مشكلة الفلسفة نصف المقروءة، أو التي يُساء فهمها. فكثيراً ما نجد اقتباسات من فلاسفة كبار، مثل نيتشه، وجلال الدين الرومي، وكامو، قد اقتطعت من كتاب بالغ التعقيد، وأخرجت من سياقها، وانتشرت في حسابات يتابعها الملايين من الناس.

ولتوضيح هذا الأمر؛ ساق جوني تومسون في مقال له على موقع “بيغ ثينك” خمسة من أكثر الاقتباسات التي أُسيء فهمها:

فردريك نيتشه- أرشيف

نيتشه: “لقد مات الله”

لا يمكن فهم هذه العبارة بالشكل الصحيح دون قراءة ما يليها: “لقد مات الله، ونحن من قتله”. لم تكن عبارة نيتشه للتفاخر، أو من منطلق الإلحاد؛ بل هي نوع من تمجيد الله الذي يرمز هنا إلى القطب المغناطيسي الذي نعيش حوله. الله هو اليقين، والحقيقة، والأمان والغاية.. هو الأبجدية والإجابة عن كل أسئلة الحياة. يقول نيتشه: “بعيداً عن الله، يبدو الأمر وكأننا نسقط دون إحساس هبوطاً أو صعوداً، لا شيء لنمسك به، لا شيء يثبتنا على الإطلاق”.

الفكرة وراء عبارة “لقد مات الله” تدور حول كيفية إعادة توجيه أنفسنا، في عالم لم يعد يدور حول الله، وكيف لنا أن نفهم الأشياء عندما تختفي فجأة جميع تفسيراتنا.

اقرأ أيضًا: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

وليم الأوكامي: “لا ينبغي تضخيم الأمور دون سبب وجيه”

يفترض كثيرون أن عبارة الأوكامي تفترض أن “الأبسط هو الأفضل”، كما لو كانت البساطة تتناسب مع الحقيقة، ولكن الأمر ليس كذلك؛ لم يقصد الأوكامي من عبارته أن تكون قاعدة، بل هي مبدأ إرشادي عند الاختيار من بين خيارات متعددة. وما قصده هو أنه عندما نقف أمام نظريتين على القدر نفسه من الإقناع، فمن المنطقي أن نتقبل النظرية الأبسط.

لكن أكبر مشكلة في فهمنا لعبارة وليم الأوكامي هي أنها لم تكن معنية بأشياء من عالمنا الحقيقي؛ فقد كتبها عندما كان يستهدف الميتافيزيقية المجنونة، في وقت كان يدور فيه الجدل حول عدد الملائكة الذين يستطيعون الرقص على رأس دبوس. في الواقع كان ما أراده الأوكامي من عبارته هو تهدئة الناس قليلاً، ودفعهم للتوقف عن اختراع ملايين الكيانات الميتافيزيقية دون حاجة إلى ذلك.

كارل ماركس- أرشيف

ماركس: “الرأسمالية سيئة بالمطلق”

في الواقع، هذه فكرة أكثر منها اقتباساً، يحملها كثيرون ممن لا يعرفون فكر ماركس جيداً، ويصورونه على أنه مناهض للرأسمالية؛ يحرق البنوك، ويقيم الحواجز. لا شك أن ماركس كان يرفض الرأسمالية، ولكنه كان يرى الجوانب الإيجابية فيها، ويدرك أهميتها في تطور التاريخ.

افتتح ماركس بيانه الشيوعي باعتراف مطول، وإن يكن على مضض بنجاحات الرأسمالية؛ حيث يشير إلى شبكات الصناعة، والتجارة، والاتصالات الكبرى، وتقدم التعليم، وسيادة القانون. ويقر بأن الرأسمالية هي ما يجمع الشعوب المتصارعة في حكومة واحدة ومنظومة قانونية واحدة، ومصلحة وطنية واحدة. ولكنه في الوقت نفسه يرى أن الرأسمالية هي استغلال مباشر ووحشي للإنسانية. ويؤكد أنها مليئة بالمشكلات، وتميل إلى إخراج أسوأ ما في البشر، ولكنها شر لا بد منه على الطريق إلى مستقبل أفضل.

جان جاك روسو

روسو: “الهمجي النبيل”

هذه العبارة ليست مقتبسة أو مُساء فهمها؛ بل هي منسوبة بشكل خاطئ. ففكرة روسو عن “الهمجي النبيل” هي أننا قبل أن نبدأ بالعيش في المدن ونصنف أنفسنا على أننا متحضرون، كنا أفضل بطبيعتنا. ومن المعتقد أن روسو استخدم هذه العبارة لإظهار كيف أن المجتمع العصري قد أدى إلى تراجع الطبيعة البشرية، بدلاً من تقدمها. فالحضارة أكثر فساداً من المتحضرين.

اقرأ أيضًا: إلى من يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

وفكرة الهمجية مقابل الحضارة ليست فقط قديمة وعنصرية واستعمارية، بل المشكلة الأكبر هي أن روسو لم يقلها قط، ومن المحتمل أنه لم يعتقد بها أصلاً. يرى روسو أنه من غير الممكن أن نصف البشر ما قبل المجتمع بصفات مثل جيدين أو سيئين، أخيار أو أشرار؛ لأن هذه المفاهيم تطورت جنباً إلى جنب مع الحضارة. إن مفهومنا عن الحق مستمد من المجتمع الذي ننتمي إليه. والبشر قبل الحضارة لم يكونوا أخلاقيين ولا غير أخلاقيين. كانوا بشراً طبيعيين فقط.

رينيه ديكارت- أرشيف

ديكارت: “أنا أفكر إذن أنا موجود”

من المؤكد أن ديكارت لم يقصد بعبارته هذه أن يقول: “إذا كنت تؤمن بشيء، يمكنك تحقيقه”، بل كانت عبارته محاولة لحل الشكوك الراديكالية حول كيفية “التأكد من كل شيء”. والنقطة الأساسية هنا هي أنه “إذا كنت أفكر الآن -أو إذا كنت أشك على وجه الدقة- فلا بد من أنني موجود”؛ فالشيء غير الموجود لا يمكنه التفكير.

اقرأ أيضًا: الله والإنسان والطبيعة.. بين العقل العربي والعقل الغربي

ويأتي سوء الفهم من افتراض أن هذه الجدلية هي بشكل مقدمة «أنا أفكر» تؤدي إلى نتيجة «أنا موجود». ومن المُسلَّم به أن كلمة “إذن” هنا تؤدي إلى نوع من سوء الفهم؛ فالوجود هنا ليس نتيجة. كما لو أنك تقول إذا كان لديّ مثلث، فهناك إذن شكل ثلاثي الأضلاع. فالعبارة لا تمثل جدلية بل بياناً يحتوي على حقائق معينة بداخله.

وفي النهاية، يخلص كاتب المقال إلى أنه من المستبعد جداً أن يتم اختزال أعظم العقول في التاريخ أو فهمها من خلال منشور صغير على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وفي كل مرة تأخذ وقتاً للبحث عن السياق الكامل للاقتباس ستجد المزيد من التفاصيل والأفكار الدقيقة، وفي كثير من الأحيان ستجد شيئاً مختلفاً عن انطباعك الأول. ولكن ليس هذا ما يحدث في معظم الأحيان. فالاقتباسات الشعبية غالباً ما تكون بمثابة مرآة سحرية نرى فيها ما نريد أن نراه.

♦أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد.

المصدر: بيغ ثينك

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة